القدس وتفسير أردوغان المُختل للتاريخ العثماني

القدس وتفسير أردوغان المُختل للتاريخ العثماني

مشاهدة

04/10/2020

من الواضح أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى لأن ينظر إليه المسلمون (السنّة خصوصاً) على أنه حامي حقوقهم في القدس ضدّ السيطرة التي تمارسها الدولة اليهودية (رغم إقامة أردوغان علاقات كاملة مع إسرائيل)، فيما يدعي الرئيس التركي منذ سنوات أنّه سيُعيد تقييم طبيعة تلك العلاقات مُهدّداً بقطعها.
ويُوهم أردوغان العالم الإسلامي بأنه حريص على مصالح دوله وشعوبه، ويتدخل بشكل مُسيء في شؤون كثير من دوله حرصاً على تعزيز نفوذ تنظيم الإخوان المسلمين التابع له.
وفي هذا السياق، وفي افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان التركي قبل يوم، أعرب أردوغان، عن فخره بدفاع بلاده عن القضية الفلسطينية في كافة المحافل الدولية، مُشيراً إلى أنّ "القدس مدينتنا".
واعتبر أنّ "قضية القدس بالنسبة إلينا ليست كأي قضية جيوسياسية، والبلدة القديمة التي هي قلب القدس بمظهرها وأسوارها وأسواقها ومبانيها الحالية إنما بُنيت على يد السلطان سليمان القانوني. لقد أولى أجدادنا لهذه المدينة اهتماما خاصا وعمروها واحترموها على مر العصور".
وتابع يقول "يمكن العثور حتى الآن على آثار المقاومة العثمانية في هذه المدينة التي اضطررنا لمغادرتها بعيون دامعة إبان الحرب العالمية الأولى. يعني أن القدس مدينتنا، ومدينة منا. كما أن المسجد الأقصى أولى القبلتين وقبة الصخرة من المساجد الرمزية لعقيدتنا".

ويعتمد الكثير من هذا على تفسير أردوغان المُختل للتاريخ العثماني الذي يرى أن جميع الأراضي ازدهرت تحت حكم الأتراك العثمانيين. لكن الشعوب التي كانت خاضعة للإمبراطورية، من مسلمين وغير مسلمين، ترى الأمر من زوايا مختلفة.
ودأب أردوغان على التصرف بدون أدنى معايير دبلوماسية في علاقاته مع الدول العربية، مُثيرا بشكل دائم عواصف من ردود الفعل المُنتقدة له بالقول والفعل، حيث يُحاول في كل فرصة تُتاح له أن يُظهر زعامته المُفترضة للعالم الإسلامي وتسجيل بعض النقاط داخلياً بعد أن بدأت مكانة حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يرأسه بالانهيار في العامين الأخيرين.
ويتهم سياسيون عرب أردوغان بإثارة البلبلة وبتلميع صورته على حساب تشويه الآخرين، داعين إلى قطع العلاقات مع أنقرة. ولا تثق مصر والسعودية بسياسة تركيا جراء دعم الأخيرة لحركات إسلامية على غرار الإخوان المسلمين وحماس والفصائل الجهادية في سوريا.
ولطالما سعى الرئيس التركي إلى تولي دور زعيم العالم الإسلامي برمته، حيث ينخرط دوما في حرب كلامية مع إسرائيل، دون نتيجة فعلية على أرض الواقع، فيما بإمكان التصعيد مع إسرائيل واستضافة اجتماعات إسلامية رفيعة المستوى، أن يزيد نقطة إلى رصيد أردوغان، هو بأمس الحاجة لها، بين أنصاره.
وتلقى القضية الفلسطينية صدى لدى كثير من الأتراك خاصة القوميين والمُتدينين الذين يشكلون قاعدة الدعم لأردوغان.

وسبق أن قال أردوغان "أحزن عند النظر إلى مواقف الدول الإسلامية، حيث لم يصدر منها أي تصريح رافض لصفقة القرن، فمتى سنسمع صوتكم؟" وتابع "إن لم نتمكن من حماية خصوصية المسجد الأقصى، فلن نتمكن غدا من منع تحول عيون الشر نحو الكعبة، لذلك نعتبر القدس خطنا الأحمر".
وبعكس ما أراده أردوغان، فقد خاطبه البعض بتهكّم قائلين "هيّا حرّك قواتك".. فيما قال الأمير السعودي عبدالرحمن بن مساعد "نفذ أولّا ما هددت بتنفيذه تجاه اسرائيل حين أعلن ترامب نقل السفارة للقدس... كان هذا في تصريح عنتري كتصريحك الآن... ولكن لم يحدث شيء مما زعمت أنك ستقوم به".
وبينما لم يجرؤ أردوغان على إطلاق رصاصة واحدة لتحرير ما يقول إنها المُقدّسات الإسلامية، وفيما عُدوانه العسكري مُستمر ضدّ السوريين والعراقيين والليبيين وغيرهم، فإنّه يواصل إطلاق التهديدات الوهمية ضدّ إسرائيل التي تجذب بالفعل مؤيدي تنظيم الإخوان المسلمين المُصنّف إرهابياً في معظم الدول العربية.
وفي الحقيقة، فإنّ تركيا، ترغب تطوير التحالف مع إسرائيل في كافة المجالات بمؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية كافة، إلا أنّ ما يُريد أردوغان إظهاره للرأي العام في بلاده وفي العالم الإسلامي شيء مُختلف تماماً.

والتحالف التركي- الإسرائيلي، موجود بالفعل ومستمر، ولم يتعرّض يوماً ما لأيّ خطر، لم ينقطع أبداً في ظلّ أردوغان، بل إنّه يتنامى يوماً بعد آخر بأسلوب مختلف وآليات مُتجدّدة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة في العالم العربي عمّا قدّمه الرئيس التركي في الحقيقة، بعيداً عن تصريحاته الإعلامية، خدمة لما يدّعيه مصالح الأمة الإسلامية، فلا يوجد في الذاكرة القريبة سوى صراخه دون أيّ أفعال.
ويكاد لا يتوقف نشاط سفارة وقنصلية إسرائيل في كلّ من أنقرة وإسطنبول، عن تنظيم ندوات ومؤتمرات لتعزيز العلاقات الثنائية بين تل أبيب وأنقرة، بإشراف من منتديات المجتمع المدني الإسرائيلي التركي، ودعم غير مباشر من حزب أردوغان خلف الستار.
كما لا تتوقف أيضاً زيارات ومشاريع رجال الأعمال الإسرائيليين، للأراضي التركية، مع أكثر من 15 رحلة يومياً من تل أبيب إلى إسطنبول، كان يتم تنظيمها قبل بدء أزمة فيروس كورونا.

عن "أحوال" تركية

الصفحة الرئيسية