كيف نخوض حرباً ضد الحرب؟

كيف نخوض حرباً ضد الحرب؟

مشاهدة

03/09/2018

الآثار النفسية التي تخلّفها الحرب علينا، وعلى أطفالنا خاصةً، تتجاوز الحدود الجغرافية لأماكن وقوعها، ففي الأماكن المحاذية للمناطق الساخنة والتي توصف بالآمنة، نلمس الآثار النفسية ذاتها، بالطّبع مع الاختلافِ في الشدة.

ولا يخفى على أحد أنّ غالبية الإعلام والإعلام الحربي على وجه الخصوص، يأخذ حصّة الأسد في خلق هذا الاضطراب وتعميمه، باستخدامه الحرب النفسية التي يقع على عاتقه مهمّة إدارتها، من خلال افتعال الأزمات، وحبك المؤامرات، وإثارة الرعب والفوضى، والدعاية والإشاعة والتأطير، بالإضافة لعرضه وبشكلٍ مقصود، أحياناً، أدقّ التفاصيل للمجازر المرتكبة والأشلاء المتطايرة.

الحرب النفسية التي تستهدف الجانب السيكولوجي للفرد والجماعات أصبحت تدار بشكلٍ أوسع من خلال هيمنتها على الإعلام

هذه الحرب النفسية التي تستهدف الجانب السيكولوجي للفرد والجماعات، أصبحت تدار بشكلٍ أوسع وممنهج، من خلال هيمنتها على القنوات الفضائية والمحلية، واستغلالها الكثيف لمنصات التواصل الاجتماعي، وهذا ما جعل من الحرب قناةً دائمةً على شاشات وعينا. 

نحن نجرّ الحرب من أذنيها إلى منازلنا، وجُلّ ما نفعله أنّنا نترقّب وننتظر، لينطبق علينا المثل:"انتظار الموت أصعب من حدوثه". والأسوأ من كلّ هذا أنّنا لا نكترث لوجود وجوهٍ صغيرةٍ  تشاهد وتسمع وتراقب، إنّها وجوه أطفالنا.

ما يشاهده الطفل في وسائل الإعلام الحربي، وما يسمعه من أحاديث في محيطه، وما يصله من والديه المشحونين بالقلق والخوف، كل ما سبق يتحكّم في ردود أفعاله، التي تخضع للمرحلة العمرية التي يمر بها، فما دون عمر السنتين، ترتبط انفعالاته بشكل مباشر بانفعالات والديه. ومن سن  ثلاثة أعوام إلى ستة أعوام، يشعر الطفل بالعجز وعدم القدرة على حماية نفسه، وترافقه صعوبات في وصف مشاعره بالكلمات، ولا يمكنه إدراك ما يترتب على الخسارة  ـــ الخسائر البشرية والمادية ــــ في المستقبل، كما أنه لا يتمكن من التفريق بين الحياة الواقعية والخيال.

اقرأ أيضاً: هل تؤمن بقدرة البرمجة اللغوية العصبية على صناعة العقول؟

في هذه الأعوام لا يزال الطفل متمركزاً حول ذاته؛ فيرى العالم من وجهة نظره، لا من وجهة نظر الآخرين. وما بين السبعة أعوام وأحد عشر عاماً، بإمكانه تقدير آثار الحرب وأثرها طويل الأمد، مما يجعله يشعر بأنّ عالمه غير آمن، والخطر يحدّق به من كلّ صوب. أما من الحادية عشرة إلى الثامنة عشرة؛ فالطفل ماهرٌ بإخفاء مشاعر الخوف والقلق، كي يظهر بمظهر القوي الذي لا يكترث ولا يخشى من امتداد الحرب له، ولكن الحقيقة غير ذلك.

اقرأ أيضاً: التلفزيون أفيون الشعوب: من يتحكّم؟ من يستلب؟ من يتسيّد؟

بالمحصّلة إنّ أطفالنا سيضطربون نفسياً، ويعيشون آلاماً داخليةً عنيفة، وستكون ردود أفعالهم وألفاظهم وألعابهم، المترجم لما يعتمل داخلهم، وكل هذا يتضح في سرعة غضبهم وازدياد العنف في سلوكهم، حتى معجم الشتائم يتسع لديهم مع كلّ مستجدِّ حربي، فمثلاً شتم طفلٍ لطفل بالداعشي أصبح مألوفاً بينهم، بالإضافة لألعابهم الحربية وحفظهم لأسماء الأسلحة ومعرفتهم نوع القذائف، ومن أين انطلقت وأين ستسقط، وهذا ناتجٌ طبيعيٌّ، لأُسرٍ يصحو أطفالها وينامون على أخبار وأحاديث الحرب، فنحن الكبار المتمترسون أمام شاشة التلفاز والموبايل، نمارس إمكانيتنا في المتابعة والتحليل والاستنتاج والاستشراف، وبجانبنا طفل إمكانيته الوحيدة أن يشاهد ويخاف، أمام افتقاده لمن يطمئنه ويبعث السكينة في قلبه.

من المؤسف أن نترك أطفالنا فريسة للتغوّل الإعلامي ونتنازل عن دورنا في أن نكون مصدر معلومات أبنائنا

من المؤسف أن نترك أطفالنا فريسةً للتغوّل الإعلامي، ونتنازل عن دورنا في أن نكون مصدر معلومات أطفالنا، لنساعدهم بهدوء على فهم ما يجري حولهم، وبلغةٍ تتناسب مع مراحلهم العمرية، تقدّم لهم الأمان والاطمئنان، ومن المؤسف ألّا نتمكن من مسك أنفسنا عن أحاديث الحرب في وجودهم، وأن نفشل في إبعادهم عن شاشات التلفزة، وعدم ترك فرصةٍ لهم لرؤية مشاهد القتل والدمار، ومن المستهجن أن نطلعهم على صورٍ وفيديوهاتٍ عنيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، غير آبهين بمشاعرهم، مع أنّ هذه المواقع نفسها قد تراعي المشاعر، بتقنية إخفاء الصورة ذات المحتوى الصادم، وترك الخيار لنا لمشاهدتها، وحظرها إذا تمّ التبليغ عنها. أطفالنا في النهاية مرايانا، لذلك وفي عالمٍ يفتقد "إلى الأمان الديني، وإلى الدعم الأخلاقي، وإلى الاستقرار السياسي" بتعبير فرناندو بيسوا، لم يتبقّ لهم سوى أحضاننا (أمهاتٌ وآباء)، وإذا لم ننتبه لصورتنا في عيونهم ، سيكبرون وهم يردّدون "حتى أنت يا بروتس".

اقرأ أيضاً: الكائن الرقيق يمكن أن يدوسنا؟

ففي المناطق الساخنة يتعيّن واجب الآباء والأمهات الأول في حماية أطفالهم من الموت، ونجاحهم أو فشلهم مرهونُ بالإمكانيات المتاحة، وغالباً ما تكون معدومة في مناطق التوتر الشديد، وفي حال فشلهم هم معذورون، فهناك ما هو خارج حدود إمكانياتهم، بالمقابل ليس هناك عذراً للأهل الذين يعيشون بعيداً عن الخطر المباشر للحرب، إذا لم يستطيعوا تجنيب أطفالهم لآثارها، مع توفر الإمكانيات لذلك بين أيديهم. فالطفل الذي لم يفقد والديه، ولم يتعرض للنزوح، ولم يطاله الأذى الجسدي، ولم يفقد مدرسته، ولم يتعرض للاستغلال الجنسي، ولم يتم تجنيده في صفوف المقاتلين، من المفترض أن ينام في سريره مطمئناً، إلاّ إذا حشونا مخدّته بكوابيس الحرب.

اقرأ ايضاً: زوّادة التعصب: هدر مشاعر أطفالنا

الحرب هي نكوص الإنسان إلى التوحش. نحن الآباء والأمهات بحاجةٍ لأن نعي هذه الجملة، من أجل تفكيك مفهوم الحرب، هذه الحرب التي تشتعل بوقود المصالح، ومشعلو الحروب أينما وجودوا، هم أعداءٌ لإنسانيتنا، طالما يغلبون المصالح عليها. من خلال هذا الوعي ربما نتجنب أن نكون جزءاً من هذا التوحش، الذي تزجنا فيه أطراف الصراع، ومن ثم نقوم بزجّ أطفالنا فيه، وربما نصل إلى نتيجة أنّه "إذا أردنا أن نعلّم السلام الحقيقي في هذا العالم، ونخوض حرباً ضد الحرب علينا أن نبدأ بأطفالنا" بتعبير ماهاتما غاندي، لا أن نكون نحن والحرب على أطفالنا.

الصفحة الرئيسية