العداء المركّب لجماعة الإخوان تجاه الجيش والشرطة: بين الاستهداف النفسي والسيطرة التدريجية

العداء المركّب لجماعة الإخوان تجاه الجيش والشرطة: بين الاستهداف النفسي والسيطرة التدريجية

العداء المركّب لجماعة الإخوان تجاه الجيش والشرطة: بين الاستهداف النفسي والسيطرة التدريجية


29/12/2025

يشهد المشهد السياسي في مصر توترًا مستمرًا بين جماعة الإخوان المسلمين ومؤسستي الجيش والشرطة، حيث تستخدم الجماعة الإعلام والمنصات الرقمية كأدوات رئيسية لاستهداف ثقة المواطنين بهذه المؤسسات الحيوية، ويتجاوز العداء الممنهج النقد التقليدي، ليشكل استراتيجية مركّبة تهدف إلى إضعاف الدولة وتعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية.

وتعتمد الجماعة على استهداف نفسي متواصل، من خلال تضخيم الأخطاء الفردية والمؤسسية وتحويلها إلى مادة دعائية، لتعزيز خطاب العداء. 

كما تعمل على بناء شبكة تأثير داخل المجتمع، تشجع على التشكيك المستمر في أداء الجيش والشرطة، وتغذي شعورًا بعدم الكفاءة المؤسسية، ما يضع المؤسسات تحت ضغط دائم ويقلل من قدرتها على إدارة الأزمات بفعالية.

وتستفيد الجماعة من الرموز الدينية والخطاب التحريضي لإعادة إنتاج فكرة الاضطهاد، وإظهار نفسها كضحية، ما يعزز الولاء الداخلي ويعمّق الشرخ بين الدولة والمجتمع. 

بهذا الشكل، يتحوّل النقد إلى أداة استراتيجية، تهدف إلى إضعاف مؤسسات الدولة واستنزاف الثقة العامة، بينما تكسب الجماعة جمهورًا متأثرًا بخطابها المضاد للدولة.

أبعاد الاستراتيجية الإخوانية في استهداف الجيش والشرطة

مؤسستا الجيش والشرطة تعتبران الركيزتين الأساسيتين للأمن الوطني واستقرار الدولة، ولهذا ترى جماعة الإخوان فيهما عقبة رئيسية أمام مشروعها للسيطرة التدريجية على الدولة. لذلك، تركز الجماعة على إضعاف الثقة الشعبية عبر حملات إعلامية منظمة، تضخيم الأخطاء، ونشر معلومات مضللة. 

ويتم تقديم الجيش والشرطة على أنهما غير كفؤتين وغير قادرين على حماية المواطنين، في حين تُستغل أي أزمة أو حادثة فردية لتأكيد هذا الطرح. 

هذه العملية تؤدي إلى ضغط نفسي مستمر على الأفراد داخل المؤسسات، ويؤثر على أدائهم ويضعف قدرتهم على ممارسة سلطتهم بفعالية.

وتتبنى الجماعة أيضًا أسلوبًا متمايزًا لاستهداف كل مؤسسة بحسب طبيعتها. فالجيش يُستهدف رمزيًا باعتباره الحارس الأعلى للسيادة الوطنية، فيما تُستنزف صورة الشرطة عبر التفاعل اليومي المباشر مع المواطنين، سواء من خلال التدخلات الأمنية أو إدارة الأزمات اليومية. 

ويتم توظيف كل خطأ فردي أو إداري في الشرطة لتصنيفه كأداة تحريضية، بينما يُستهدف الجيش من خلال الخطاب الرمزي وانتقاد سياسات الدفاع والأمن القومي. هذه الطريقة المزدوجة تتيح للجماعة تحقيق أقصى تأثير نفسي على الرأي العام وتكريس فكرة عدم الكفاءة المؤسسية، مما يزيد من تآكل الثقة في الدولة على المدى الطويل.

تركز الجماعة أيضًا على تحويل الولاء التنظيمي إلى أولوية على الولاء للوطن، بحيث يتم تقديم أي سياق سياسي أو إداري لصالح المشروع التنظيمي. 

وتستفيد الجماعة من الرموز الدينية والخطاب الذي يعيد إنتاج فكرة التضحية والاضطهاد لتعزيز الولاء الداخلي وخلق شعور بانقسام الولاء بين الدولة والجماعة، بينما تُستغل الأخطاء المؤسسية وأزمات الإدارة كأدوات لإعادة إنتاج خطاب يضع الدولة في موقع الفشل، ويبرز الجماعة كجهة أكثر مصداقية وكفاءة، ما يؤدي إلى تشويه الولاء الوطني وتوسيع الفجوة بين الدولة والمجتمع.

خلفيات تاريخية للعداء المركّب

امتدت علاقة الإخوان بالدولة المصرية على مدار عقود من التوتر، لكنها كانت محدودة نسبيًا قبل عام 2011. الصراع كان سياسيًا وتنظيميًا أكثر من كونه مواجهة مفتوحة مع الأجهزة الأمنية، وكانت الجماعة تركز على الانتشار الدعوي والسياسي مع تجنب المواجهة العلنية. في هذه الفترة، اعتمدت الجماعة على بناء شبكات اجتماعية ودعوية لتعزيز نفوذها داخل المجتمع وتحقيق أهدافها التنظيمية بطريقة غير صدامية مباشرة مع الجيش أو الشرطة.

مع ثورة 25 يناير 2011، ظهرت للإخوان فرصة لإظهار قوتهم السياسية عبر الوصول إلى البرلمان والرئاسة، إلا أن الجيش ظل بعيدًا عن السيطرة التنظيمية، ما خلق توترات متزايدة. 

في هذه المرحلة بدأ الاستهداف المركّب للجيش والشرطة يظهر بوضوح، حيث استخدمت الجماعة الإعلام وحملات الرأي العام لتعزيز خطاب العداء واستغلال أي خطأ إداري أو سياسي لتحقيق أهدافها.

بعد 2013، ومع استعادة الجيش للسيطرة الكاملة على الشأن العام، أصبحت المواجهة مع الإخوان علنية وحادة، مع تكثيف الحملات التحريضية على المنصات الرقمية والإعلامية، وتحويل كل حدث إلى مادة دعائية لتقويض مؤسسات الدولة. 

هذه المرحلة أبرزت مدى تطور استراتيجية العداء المركّب، الذي لم يعد يعتمد على النقد الرمزي فقط، بل على ضرب الروابط بين الدولة والمجتمع بشكل مستمر.

تداعيات الاستراتيجية على الدولة والمجتمع

يسبب استهداف الثقة الشعبية تراجع احترام القوانين وضعف أداء الأجهزة الأمنية، ويخلق حالة من الاعتماد على مصادر بديلة للمعلومات، مما يضعف قدرة الدولة على إدارة الأزمات وضمان الأمن والاستقرار. كما يؤدي الخطاب التحريضي إلى انقسامات معرفية ونفسية في المجتمع، ويشجع على ثقافة الشك والريبة تجاه الدولة ومؤسساتها، ما يهدد الاستقرار المجتمعي ويتيح للجماعة تعزيز نفوذها التنظيمي.

تؤثر هذه الاستراتيجية أيضًا على تضامن المجتمع ومفهوم الولاء الوطني، إذ تصبح الولاءات الداخلية للأفراد مرتبطة بالانتماء التنظيمي أكثر من الدولة، ما يخلق نزعات انفصالية نفسية ويزيد صعوبة توحيد المجتمع حول قيم مشتركة. الانقسام بين الولاء للدولة والولاء للتنظيم يعزز الشرعية الرمزية للمجموعات المتطرفة على حساب الدولة، ويؤثر على وحدة المجتمع وأمنه على المدى الطويل.

كما تفتح هذه الحملات المجال لظهور مجموعات بديلة تقدم نفسها كحامية للحقوق والمصالح، ما يضاعف من صعوبة الإدارة الأمنية والسياسية ويجعل أي أخطاء مؤسسية مادة لإعادة إنتاج الخطاب التحريضي. في هذا السياق، يصبح الاستهداف المركّب للأجهزة الأمنية أداة قوية للتحكم في الرأي العام، مع تداعيات واضحة على جميع مستويات الحكم وإدارة الدولة.

ويرى محللون أن العداء المركّب للإخوان تجاه الجيش والشرطة ليس ظاهرة عابرة، بل استراتيجية ممنهجة ومستدامة، تعتمد على الاستهداف النفسي، التحريض الإعلامي، واستغلال أي أخطاء مؤسسية. تهدف هذه العملية إلى إضعاف مؤسسات الدولة، توسيع الفجوة الاجتماعية، وتشويه الولاء الوطني، ما يجعل مواجهة هذه الاستراتيجية تحديًا مستمرًا أمام أي دولة تسعى للحفاظ على سيادتها واستقرارها.

كما يرون أن الفهم العميق لطبيعة هذه الاستراتيجية وأدواتها يمكن أن يساعد على تطوير سياسات مواجهة فعالة، تعتمد على تعزيز الشفافية، تعزيز التواصل بين المواطنين والأجهزة الأمنية، وتقديم الحقائق بشكل مباشر، لوقف المد الإعلامي المضاد وبناء ثقة مستدامة بين الدولة والمجتمع.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية