الطلاق في تركيا: أزمة يستغلها حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي لفرض مشروعه

الطلاق في تركيا: أزمة يستغلها حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي لفرض مشروعه

مشاهدة

14/01/2020

ترجمة: محمد الدخاخني


استقلّت نبيّة عبّارة، واجتازت مضيق البوسفور، بعيداً عن منزلها والحياة التي كانت تعيشها ذات يوم، وفي طريقها إلى لقاء ما، كان شعرها القصير، الذي اعتادت أن تغطيه بالحجاب فيما مضى، يطير مع الريح، وفي هذه المدينة القديمة والفوضوية التي يبلغ عدد سكانها 15 مليون نسمة، أصبحت نبيّة تشعر بالحرية، لكن فيما وراء البحر، في المناطق النائية من الأناضول، وقبل وقت ليس ببعيد، عاشت حياة أخرى، كامرأة متزوجة، حياة أقرب إلى حياة أمّها، وأمّها من قبلها.

تقدم تركيا حوافز للأزواج؛ من قبيل الإعفاء الضريبي ويمكن للنسوة اللواتي يعملن بدوام جزئي الحصول على "رعاية طفل" مدعومة من الدولة

نبيّة، وهي فتاة لها مظهر رقيق وابتسامة خجولة، وثمة نمش على وجهها، تزوجت في عمر 22 عاماً، فور تخرّجها من الجامعة (والكشف عن اسمها الأخير من شأنه أن يُعرّض كرامة أسرتها للخطر، كما قالت)، وبعد ذلك بعامين؛ تركت زوجها، وهو ما مثّل الوقوف أمام أسرتها، وكذلك مواجهة وصمة الطلاق في تركيا، وفيما تأخذ نفساً عميقاً من سيجارتها، تقول نبيّة: "أخبرني والدي بأنّه سيتبرأ مني لأنني أفعل شيئاً لا يُرضي الله، وأخبرتني والدتي بأنّها ستتبرأ مني إذا ذهبت وعشت بشكل مستقلّ في إسطنبول بعد الطلاق".

والآن، بعد مرور ستة أعوام، لم تعد نبيّة (30 عاماً) على اتّصال مع أسرتها، لكنها اكتسبت حرية وشعوراً بالتمكين يمثلان رمزيةً لما تحققه النساء في تركيا اليوم، وفي أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي.

بعد مرور ستة أعوام، لم تعد نبيّة (30 عاماً) على اتّصال مع أسرتها

الطلاق ووضع المرأة في تركيا

رغم إقرار الشريعة الإسلامية للطّلاق، منذ أكثر من 1400 عام، فإنه ما يزال ينظَر إليه على نطاق واسع في كثير من المجتمعات الإسلامية، على أنّه عمل تخريبي يفكّك الأسرة، والنسوة اللواتي يسعين إلى الطلاق غالباً ما يجدن أنفسهن موضع نبذٍ، ويُعاملن بوصفهن لا-أخلاقيات، رغم هذه التابوهات والقيود؛ فإنّ معدلات الطلاق ترتفع في كافة أنحاء البلدان الإسلامية، حتى في أماكن محافظة للغاية، مثل أفغانستان.

اقرأ أيضاً: عدوى "السترات الصفراء" تنتقل إلى إسطنبول
ومن جانبها، حققت تركيا، على وجه الخصوص، رقماً قياسياً فيما يتعلق بحالات الطلاق؛ حيث يبحث الرجال والنساء عن مخرج من الزيجات التعيسة، والمؤذية أحياناً؛ فعلى مدى الـ 15 عاماً الماضية، ارتفع معدل الطلاق من أقل من 15% من الزيجات إلى ما يقرب من ربعها، وتشير النساء التركيات الساعيات إلى الطلاق إلى العنف المنزلي دائماً كسبب رئيس، وهو ما ينطبق أيضاً خارج المناطق الحضرية، التي شهدت أيضاً نمواً طفيفاً في حالات الطلاق؛ فالنساء يصبحن أكثر استعداداً للسعي إلى الطلاق في مدن أصغر وأكثر تديناً، مثل قونية، في وسط الأناضول؛ حيث نشأت نبية.

أيضاً، يحظى عدد أكبر من الفتيات والنساء الآن بالتعليم والقدرة على الوصول إلى المعلومات التي تتيحها شبكة الإنترنت.

وقد أخبرتني إيبك بوزكورت، وهي ناشطة جريئة في مجال حقوق المرأة ومحامية مختصة في قضايا الطلاق في إسطنبول، بأنّ أحد أسباب هذا التغير في المعايير الاجتماعية يعود إلى أنّ المزيد من النساء يعملن الآن، كما أنهنّ أكثر وعياً بحقوقهن، وتضيف بوزكورت: "لقد سئمن من زيجاتهنّ، ومن المعاملة التي يتلقينها، ومن المعاملة التي يتلقاها أطفالهنّ، وكل الضغوط الجسدية والنفسية التي عانين منها، وكل ما يأملن حدوثه هو نهاية هذا الزواج".

اقرأ أيضاً: هل تقود تركيا حرب الكراهية مع الغرب؟

إنّ تركيا بلد ذو غالبية مسلمة، وتحكمها قوانين علمانية، وتتمتع المرأة هنا بحقوق متساوية في الملكية، وهي مؤهلة للحصول على النفقة بعد الطلاق، لكن خلال حكمه، الذي استمر 17 عاماً، دفع حزب العدالة والتنمية المحافظ في تركيا بأجندة قوية تستند إلى القيم الأسرية: ينبغي على النساء أن يتزوجن وينجبن ثلاثة أطفال، وفق الرئيس رجب طيب أردوغان، وتقدم تركيا حوافز للأزواج؛ من قبيل الإعفاء الضريبي، ويمكن للنسوة اللواتي يعملن بدوام جزئي الحصول على "رعاية طفل" مدعومة من الدولة.
ورغم هذه التدابير، وهو ما أثار استياء الحكومة، فقد انخفض معدّل الزواج بنسبة 27% على مدى ولاية حزب العدالة والتنمية، واختارت النساء الزواج في سنّ أكبر، وفي جانب كبير منه، يعود هذا بشكل غير مقصود إلى سياسات أردوغان الاقتصادية، التي أنتجت طفرة طويلة، من 2002 إلى 2012، شهدت دخول النساء إلى سوق العمل في المناطق الحضرية بأعداد غير مسبوقة.

اقرأ أيضاً: صراع أجنحة الإخوان وراء ترحيل بعضهم من تركيا
وفي تشرين الثاني (نوفمبر)، وأثناء حديثه إلى غرفة متخمة بنسوة مؤيدات له في قمة تتعلق بـ "العدالة الجندرية"، تفاخر أردوغان بإشرافه على زيادة نسبة النساء في قوة العمل؛ حيث ارتفعت النسبة من 28% (عام 2002) إلى 38% اليوم، وفي المؤتمر نفسه؛ أصرت زهرة زمرد سلجوق، وزيرة الأسرة والعمل والخدمات الاجتماعية، على أنّ الحكومة تعمل جاهدة لتشجيع الزواج وكبح الطلاق، لكنها وازنت رسالتها بالحديث عن ضرورة مراعاة رغبة النساء المتزايدة في الاستقلال، وقالت: "هدفنا الأساسي هو تقليل المشكلات التي تواجهها الأسرة، وحلّها، وحماية وحدتها دون تجاهل حقوق الأفراد".

اقرأ أيضاً: شباب "الإخوان" في تركيا يشنون هجوماً على قادة التنظيم
وكانت وزارتها تعرف باسم "وزارة المرأة والأسرة"؛ وقد تغير هذا الاسم، عام 2011، وهي خطوة تهدف، في الواقع، إلى زجر مناصري حقوق المرأة وتعزيز أجندة القيم الأسرية قبل الانتخابات العامة. وفي قمة تشرين الثاني (نوفمبر)؛ انتقدت ابنة أردوغان الكبرى، إسراء البيرق، الحقوق النسائية الغربية باعتبارها تساهلاً مع النفس، وكررت رسالة والدها، التي مفادها؛ أنّ تركيا في حاجة إلى إيجاد حلول خاصة بها للقضايا الجندرية، مع تركيز على الأدوار التقليدية للمرأة، كأمّ وأخت وابنة، وتحارب البيرق وحليفاتها المحافظات بشكل دفاعي ضدّ التغيرات الاجتماعية التي تجعل الطلاق أكثر قبولاً وسهولة.
وفي العام الماضي؛ دافع وزير العدل، عبد الحميد غول، عن الرجال الأتراك الذين يشتكون مما هو في نظرهم ظلم واقع عليهم، وهو إلزامهم بدفع النفقة لزوجاتهم السابقات طوال العمر.
وكان حزب العدالة والتنمية قد طالب بتقرير برلماني حول كيفية معالجة ارتفاع معدل الطلاق، وتمثلت إحدى التوصيات الرئيسة، في الوثيقة المنشورة في أيار (مايو) 2016، في أنه إذا كانت هناك امرأة متزوجة في حاجة إلى حماية موسعة من الشرطة، من قبيل أمر تقييدي بحق زوجها الذي يؤذيها، فإنه سيتعين عليها تقديم دليل على عنفه، وشملت المقترحات الأخرى تقديم النصح إلى القضاة الذين يشرفون على قضايا الطلاق بإحالة الأزواج إلى مكاتب مشورة الزواج، ووجوب انتهاء مدفوعات النفقة بعد عشرة أعوام.

اقرأ أيضاً: بعد عبدالحفيظ.. هل تسلّم تركيا عناصر من "الإخوان" لمصر؟
وقد حظي التقرير المذكور بانتقادات شديدة من جانب النسويات وناشطات حقوق المرأة في تركيا، ولم يتم تنفيذ أيّ من توصياته، رغم تلقّيه تغطية واسعة النطاق، ومن جانبها، جادلت المجموعات النسائية بأنّ النساء ذوات الدخل المنخفض اللائي لديهن وظائف بحد أدنى للأجور، أو الأمهات العازبات، لا يمكنهن تلبية احتياجاتهن دون نفقة.

انخفض معدّل الزواج بنسبة 27% على مدى ولاية حزب العدالة والتنمية

الأزمة والعنف والأسلمة
ووفق تايلان أكار، وهو أستاذ مساعد في علم الاجتماع بجامعة البوسفور، في إسطنبول، وله دراسات حول الطلاق والزواج؛ فإنّ معدل الطلاق ما يزال معتدلاً، ولا توجد أزمة عائلية في تركيا. لكن، كما كتب لي، "يبدو أنّ (الحكومة) أقنعت وسائل الإعلام والمجتمع بأنّ معدلات الطلاق قد وصلت إلى مستويات تشير إلى وجود أزمة".
وأدّت التغيرات في الطريقة التي يتم بها جمع الإحصائيات الرسمية إلى تقييمات متنازع عليها حول مدى سرعة ارتفاع معدل الطلاق؛ فالحكومة تشير إلى بيانات تظهر زيادات حادة في الفترة من 2000 إلى 2010، ويجادل خبراء مستقلون بأنّ البيانات الإدارية الحديثة لا تظهر سوى زيادة مطردة، ولكن معتدلة، وبعيداً عن الأزمة التي يشير إليها بعض من في الحكومة.

اقرأ أيضاً: روسيا وتركيا تتسببان في هروب عدد من عناصر داعش.. تفاصيل
وفي أعقاب التقرير المشار إليه؛ عينت الحكومة المزيد من المختصين في المشورة الزوجية، رغم أنّ النقاد يقولون إنّ هؤلاء المختصين الحكوميين، وبعضهم من الأئمة أو رجال الدين، يعيدون الزوجات في بعض الأحيان إلى أزواجهن الذين قاموا بإيذائهن.
وتقول بوزكورت، المحامية: "الحكومة تنكر الأسباب الحقيقية التي تقف وراء العنف المنزلي"، وتضيف: "تقول المنظمات النسائية إنّه ثمة زيادة في معدلات الطلاق؛ لأنّه ثمة زيادة في معدلات العنف المنزلي، ومن ناحية أخرى، تقول الحكومة: منذ أن صارت النساء راغبات في الطلاق، زاد العنف المنزلي".

مشكلة القانون التركي تكمن في أنّ عبء الإثبات في قضايا العنف الأسري يقع على عاتق الضحايا

ومن الصحيح أنّ جرائم قتل النساء قد نمت بشكل مطرد في تركيا خلال العقد الماضي؛ حيث قتلت أكثر من 2000 امرأة على أيدي شركائهن العاطفيين، وتقول النسويات إنّ عدد جرائم القتل يرتفع لأنّ عدداً أكبر من النساء يقاومن عدم المساواة وسوء المعاملة في زواجهن، ولا يبلغن عن العنف المنزلي، ولسوء الحظ؛ فإن بعض الرجال ينتقمون عبر عنف مميت، كما قالت غولسوم كاف، المؤسسة المشاركة لـ "لنوقف قتل النساء"، وهي مجموعة نسائية تدافع عن أسر الضحايا وتحسب جرائم قتل النساء في تركيا بشكل مستقل، لكنّ الحلّ، كما تقول الناشطات، ليس في ما تقوله الحكومة، وهو إنّ النساء يجب أن يواصلن في زيجات مؤذية ويحاولن تمشية الأمور مع أزواجهن، لكن في الإصلاح القانوني.
ومشكلة القانون التركي تكمن في أنّ عبء الإثبات في قضايا العنف الأسري يقع على عاتق الضحايا، اللائي، كما تجادل المدافعات عن حقوق المرأة، يعاملن كالمنبوذات في النظام القضائي، فإذا زعم رجل أنّ شريكته قد سبّته في مشاجرة أو "استفزته" بطريقة ما، فإنّ القاضي في كثير من الأحيان يعطيه هو، وليس هي، قرينة الشكّ. وتقوم كلوي فيرويذر، وهي مخرجة بريطانية، بصنع فيلم عن نساء تركيات تعرضن للضرب وإطلاق النار بعد تركهنّ شركائهن، عنوانه "الموت من أجل الطلاق".
وتقول فيرويذر: "رغم وجود تشريعات تحمي المرأة في كثير من الأحيان، فإنّه لا يتم تنفيذها دائماً، وغالباً ما توجد حواجز ثقافية أيضاً"، وتضيف: "رغم العنف الواضح، فإن بعض النساء اللواتي قابلناهن يواجهن استنكاراً من جانب عوائلهن؛ إذ تشعر الأسر بأنّ "النساء" يتحملن المسؤولية عن العنف الذي يعانين منه".

اقرأ أيضاً: شكوى للأمم المتحدة ضد تركيا بسبب جماعة الإخوان
وفي عام 2017؛ ورغم احتجاجات العلمانيات والنسويات، أقرّ المشرعون تدبيراً يسمح للأئمة بعقد القران، وهي خطوة يقول المعارضون إنها تتجه بالبلاد نحو الشريعة الإسلامية، وتضفي الطابع المؤسسي على عدم المساواة في قضايا الزواج والطلاق.
ويذكر أنّ ممارسات إسلامية من قبيل: تعدد الزوجات، والزواج دون سن الثامنة عشر، وحقّ الرجل في تطليق زوجته ببساطة، من خلال قوله "أنت طالق" ثلاث مرات، محظورة بموجب الدستور التركي العلماني، لكن بعض الأزواج، لا سيما في الريف الأناضولي المحافظ، ما يزالون يعيشون وفق هذه المعتقدات، وقد حاول مؤيدو القانون الجديد أن يجادلوا بأنه يمكن أن يساعد في تقليل زواج القاصرات، والذي يمثل حوالي 15% من الزيجات التي تجري في البلاد، من خلال زيادة الشفافية والإشراف الحكومي على حفلات الزفاف الديني.

كلما أصبحت النساء أكثر تعليماً، زاد احتمال رغبتهن في شركاء يرضونهن ويتماشون معهن

ثمن الاستقلال الفردي
غادرت نبيّة منزلها وعائلتها المتدينة في قونية، عام 2008، لدراسة اللاهوت في جامعة خاصة في إسطنبول، وكامرأة ترتدي الحجاب، لم تستطع نبيّة، في ذلك الوقت، الالتحاق بجامعة عامة؛ لأنّ الحكومات الكمالية العلمانية في تركيا حظرت ارتداءه في المؤسسات الحكومية، وقد ألغى حزب العدالة والتنمية هذا القانون عام 2010، أي قبل عام من تخرج نبيّة، ثم حصلت على وظيفة في مجلة أدبية؛ حيث التقت بالرجل الذي ستتزوجه.

أوزتورك: لقد أصاب التعب النساء من كونهن مواطنات من الدرجة الثانية، وكلّ ما أردته أن أؤخذ على محمل الجدّ

تقول: "لقد كان طيباً وذكياً، ولم يكن سلطوياً مثل أقرانه"، وبموافقة أسرتيهما، تزوجا، وانتقلا من إسطنبول بعد أن عُيّن أستاذاً جامعياً في بلدة نائية بالقرب من الحدود الأرمنية.
وتقول إنه كانت هناك تلميحات منذ بداية علاقتهما بوجود مشكلات؛ فقد يكون غيوراً، لكنّ السبب الرئيس الذي دفع نبية في نهاية المطاف إلى الرغبة في إنهاء الزواج؛ هو عدم التوافق الجنسي. وتوضح: "في الأسر العلمانية، يمكنهم (الرجال والنساء) التحدث عن الجنس، وحتى تجربته قبل الزواج، لكن في الأسر المحافظة، لا يتحدثون حتى عن أمهاتهم، كذلك، عادة ما يكون الجنس لرضا الرجال، فليس منتظراً من النساء سوى التكاثر".
وفي النهاية؛ طالبت نبية بالطلاق، ووافق زوجها؛ كانت إجراءات المحكمة على الأقل سهلة؛ لأنّه لم يكن لديهما أطفال أو ممتلكات للنزاع عليها، لكنّ عائلته ضايقتها؛ فقد أصرت والدته على أنّ "الشيطان قد دخل بينهما"، ووالده كان يتصل بها في وقت متأخر من الليل محاولاً تغيير رأيها.
والجزء الأصعب بالنسبة إلى نبية تمثل في مواجهة أسرتها، وحتى الآن، تبدو غير مرتاحة في الحديث عن ردّ فعلهم السلبي، وهكذا، أشعلت سيجارة أخرى، وضحكت في توتر.

اقرأ أيضاً: رغم الأزمات الداخلية.. تركيا تواصل سياستها التوسعية في إفريقيا
عادت إلى إسطنبول؛ حيث جمع أصدقاؤها المال لأجل أن تتمكن من العيش حتى تحصل على وظيفة، أيضاً، خلعت الحجاب الذي اعتادت أن ترتديه منذ أن كانت في الثانية عشرة من عمرها، وكانت هذه هي القشة الأخيرة، وهكذا نبذها والداها، تقول: "بالطبع، أفتقد أسرتي، لكنني لا أعتقد أنه من الصواب أن يتبرؤوا مني..".
وتدرس نبية اليوم للحصول على درجة الماجستير في وسائل الإعلام الجديدة، وتعمل كناشطة في مجال حقوق العمال، كما تشعر بالوحدة كونها عازبة في تركيا، وتواجه مشكلة في الوثوق بالرجال، وهي على اتصال بأختها الكبرى، ولكنها تتألم لخسارتها والديها مقابل حريتها.
ويوضح أكار، عالم الاجتماع: "كلما أصبحت النساء أكثر تعليماً، زاد احتمال رغبتهن في شركاء يرضونهن ويتماشون معهن، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، ولكن أيضاً من الناحية العاطفية والفكرية، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإنهن يؤجلن الزواج أو يخترن التخلي عنه بالكامل"، وليس فقط معدل الطلاق هو الذي يرتفع؛ فعلى مدى العقد الماضي، ارتفع متوسط سنّ الزواج من ثلاثة وعشرين إلى خمسة وعشرين عاماً بالنسبة إلى النساء.

الدوامة القانونية
لم تجد كافة النساء التركيات طريق نبية مفتوحة أمامهن؛ ففي يوم ممطر، قابلت نورسيل أوزتورك، وهي باحثة أنثروبولوجيا كندية-تركية، في أحد مراكز التسوق في إسطنبول، ويتعلق مجال دراستها في الواقع بالدور الذي تلعبه التقاليد الإسلامية في الطلاق في المحاكم العلمانية، واهتمامها أكثر من أكاديمي، على الأرجح؛ حيث سعت إلى الطلاق بنفسها، لكنها سحبت الدعوى لأنّ العملية كانت تؤثر على صحتها العقلية، وتهدد حضانتها لأطفالها.
واليوم، ما تزال أوزتورك (41 عاماً) تعيش مع زوجها، وهو أستاذ قانون في إسطنبول، في صمت متوتر وغير سعيد.

اقرأ أيضاً: تركيا وسياسة التتريك.. ماذا يحدث في شمال سوريا؟
وتقول في غضب واضح: "لقد أصاب التعب والإرهاق النساء من كونهن مواطنات من الدرجة الثانية، وكلّ ما أردته أن أؤخذ على محمل الجدّ"، وقد نشأت أوزتورك في منزل علماني في تورنتو، رغم أنّ أسرتها قامت بزيارات متكررة إلى تركيا، وعندما بلغت السابعة عشر من عمرها، وافق والدها، دون استشارة ابنته المراهقة، على زواجها من زوجها الحالي، الذي نشأ في تركيا، وبعد الزواج، انتقلا أيضاً إلى كندا، وأنجبا أربعة أطفال، وكانت أوزتورك تدرس فيما تربي أطفالها.
تقول: "يمكن أن أكون متعلمة، لكن كان عليّ أن أفكر وأفعل كما يريد زوجي، لم تكن لدي أيّة سلطة لصنع القرار، فيما يخص تربية أو تعليم أطفالنا؛ فالحفاضات والطعام هي مجال اختصاصي فقط".
وفي النهاية؛ أراد زوجها العودة إلى إسطنبول، والعمل كأكاديمي، ورغم مخاوفها، فعلا ذلك، وقد وضعت هذه الخطوة المزيد من الضغط على زواجها، وأخيراً، بعد أربعة وعشرين عاماً، تقدمت بطلب الطلاق، رغم أنها بعد أن تعثرت في النزاعات، تخلت عن هذا الجهد في نهاية المطاف.
ومن وجهة نظر أوزتورك الساخطة؛ فإنّ التقاليد العلمانية في تركيا تولي اهتماماً ظاهرياً فقط بحقوق النساء، والواقع يقصّر كثيراً في حقوقهن.

التقاليد العلمانية في تركيا تولي اهتماماً ظاهرياً فقط بحقوق النساء

مجتمع يتغير
بالنسبة إلى تانيار أبلاك، الذي يبلغ من العمر خمسين عاماً، ويدير شركة صغيرة في إسطنبول لبيع العسل ومنتجات الألبان، فقد سارت الأمور بسلاسة أكبر؛ فهو مرّ بتجربة الطلاق مرتين، ومضت كلتا العمليتين بسهولة، يقول: "الجميع يعتقد أن المرأة هي الضحية في تركيا؛ لأنّها هي التي تستبعد وتضرب وتترك وحدها، وفي كثير من الأحيان، تسير الأمور على هذا النحو، لكن يمكن أن يتعرض الرجال للاضطهاد في هذه العملية أيضاً"، وهو يعني بذلك أنّ الزواج يركز كثيراً على الأسرة لدرجة أنّه لا يسمح بالتنمية الفردية، ويضيف: "للأسف، هذه تقاليدنا".
ورغم إدراكه لامتيازه كرجل في تركيا؛ حيث لا يوجد ضغط كبير على الرجال للمساهمة في المنزل، فإنه يحاول فعل الأشياء بطريقة مختلفة؛ لديه صديقة، لكنه يعيش على بعد ممر من زوجته السابقة، وهي أيضاً والدة ابنه، ويتشارك ثلاثتهم في رعاية الابن، وأحياناً يتناولون الوجبات التي يطبخها معاً كعائلة واحدة.

اقرأ أيضاً: تقرير يكشف أزمة الإعلام في تركيا.. هذا ما جاء فيه
ومع زيادة الأماكن الحضرية في البلد، فإنه يكافح لإدارة علاقته بالحداثة داخل المؤسسة التقليدية للزواج، وحكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا مهددة بالأفكار الليبرالية، لكن التغيير قادم، بل وصل بالفعل.
وكما تقول نبية: "لن تتحمل النساء ذلك بعد الآن".


المصدر: فاريبا نوى، النيويورك ريفيو أوف بوكس

الصفحة الرئيسية