الطريق إلى الحرب الأهلية: دليلك لفهم ما يحدث في إثيوبيا

الطريق إلى الحرب الأهلية: دليلك لفهم ما يحدث في إثيوبيا

مشاهدة

17/11/2020

محمد عبد الكريم

اقتربت إثيوبيا منذ مطلع نوفمبر الجاري من حرب أهلية شاملة تهدد استقرار إقليم القرن الأفريقي برمته، وحدوث انقسام في واحدة من أهم الدول الأفريقية تأثيرًا. لكن ذلك لا ينفي أن الطريق للأزمة الحالية في إثيوبيا، الحليف الأمني التقليدي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المنطقة، عُبد منذ شهور.

في فجر الرابع من نوفمبر قطعت الاتصالات عن إقليم التيجراي الذي تتركز فيه القوات المسلحة الإثيوبية، وأصدر آبي أحمد أوامره للقوات الفيدرالية بمهاجمة الإقليم، وزاد الطرفان ضغوطهما لاحقًا مع تأكيد الجيش الإثيوبي حشده قوات من كافة أنحاء البلاد لمواجهة إقليم التيجراي”، وتنفيذ الجيش الإثيوبي ضربات جوية “في أول جولة عمليات” ضد جبهة التحرير الشعبية للتيجراي، إضافة إلى ما ورد من شن قوات إثيوبية هجماتها انطلاقًا من الأراضي الإريترية شمال إقليم التيجراي.

إقليم التيجراي.. أين يقع وما هي أهميته؟

يقع إقليم التيجراي في أقصى شمال إثيوبيا ويجاور كل من إريتريا والسودان. ويضم إثنية لاتيجراي إلى جانب شعبي الإيروب Irob وكناما Kunama، ويعرف في الدستور الإثيوبي بالإقليم رقم 1، وتبلغ مساحة الإقليم نحو 85 ألف كم مربع، ويبلغ عدد سكان الإقليم نحو 5 ملايين نسمة (تقديرات 2014، ولا تتوفر تقديرات إثيوبية أحدث مع تأجيل دائم للإحصاءات الوطنية).

التيجراي، أو التيجرينية كما تنطق في إريتريا، شعب يقطن وسط إريتريا وإقليم التيجراي في شمالي إثيوبيا. ويتحدثون باللغة التيجرينية Tigrinya، وهي لغة سامية مرتبطة بالجعزية والتيجرية Tigre. والتيجرانيون هم أحفاد شعب سامي امتزجوا مع السكان الكوشيين بالإقليم وأسسوا مملكة أكسوم المسيحية. وهم شعب يحترف الزراعة بالأساس وينتمون الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية الإثيوبية

 قاد التيجرانيون عبر جبهة تحرير شعب التيجراي  الثورة التي أسقطت نظام الدرج Derg الماركسي في العام 1991، كما لعبوا دورًا لا يضاهى في التحالف المكون من أربعة أحزاب والذي أدار البلاد حتى وصول آبي أحمد لرئاسة وزراء إثيوبيا قبل عامين ونصف العام.

 وقد منحت الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية (EPRDF)، التي أدارت البلاد منذ العام 1991، السلطة للأقاليم التي تؤهلها تواريخها ولغاتها وثقافاتها لأن تكون أممًا. وبالرغم من قيادة التيجراي لاقتصاد قوي نسبيًا وإظهار إدارة ذات كفاءة لا تنكر، فإن هيمنتهم غذت العداءات واتهامات الفساد.

ووفق دستور 1995، فقد سُمح للأقاليم ذات الحكم الذاتي –التي يبلغ عددها الآن 10أقاليم- ومدينتين فيدراليتين هما أديس أبابا وبحر دار-  بالتحدث بلغتها وممارسة تقاليدها الخاصة بها. ونظريًا كانت هذه الأقاليم قادرة على الانفصال، لكن في الواقع كانت سلطتها محجمة.

ولتعقيد الأمور هيمن التيجرانيون، الذين لا يمثلون أكثر من 6% من سكان إثيوبيا، على الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية (EPRDF)،. ومع نمو العداء خرج المحتجون إلى الشوارع بأعداد كبيرة منذ العام 1995، لاسيما من بين صفوف أوروميا والأمهرا، الذين يمثل سكانهما نحو 35% و27% من سكان إثيوبيا على الترتيب (وهما نسبتان محل شك كبير حيث يتجاوز الأورومو نسبة 40% من سكان إثيوبيا حسب مصادر أكثر موثوقية، وفي ظل غياب إحصاءات إثيوبية دقيقة). وقتل الآلاف واعتقلت السلطات عشرات الآلاف من المواطنين، ومن أجل المساعدة في تسوية الأزمة اختارت الحكومة الائتلافية في العام 2018 آبي أحمد، من الأورومو، رئيسًا للوزراء، مما شكل ضربة للتيجرانيين.

لاحقاً قام آبي أحمد بتطهير حكومته من الكثير من عناصر التيجراي، مما أكسبه مزيدًا من الأعداء بمرور الوقت. وقد رفض التيجرانيون تأجيل الاقتراع في الانتخابات الرئاسية الوطنية وعقدوا الانتخابات الإقليمية الخاصة بهم في سبتمبر، في ظل ما يتمتع به الإقليم من استقلال ذاتي كبير عمليًا وامتلاكه قوة عسكرية كبيرة نسبيًا.

ما الذي قاد للحرب؟

تفسر قراءة شخصية آبي أحمد جنوحه لمواجهة إقليم التيجراي في الشهر الجاري عسكريًا. فهو مدير استخبارات سابق أعلن تبنيه أجندة سياسية واقتصادية ليبرالية. وأفرج عند توليه منصب رئيس الوزراء عن الآلاف من السجناء السياسيين ورفع الحظر عن الأحزاب السياسية (وهو أمر لم يتحقق بالكامل في ضوء التقييدات التي فرضت لاحقًا على أحزاب سياسية معينة وعدد آخر من القيادات السياسية حتى التي كانت محسوبة على تيار آبي أحمد، فيما يؤكد مرة أخرى على “مقاربة غربية” متحيزة أو غير واقعية في أفضل الأحوال)، وحقق السلام مع إريتريا، التي أصبحت دولة مستقلة في العام 1993 لكنها خاضت حربًا مع إثيوبيا في الفترة 1998-2000.

 وبسبب تحقيق السلام مع إريتريا منح آبي أحمد جائزة نوبل للسلام العام الماضي. وفي الداخل توقع منه رفاقه من الأورومو دفع أجندة دعم المطالب الأوروموية، لكن أصابهم الإحباط بسبب سياساته تحت لافتة “إثيوبيا أولًا”، التي لم يستسغها الكثير من معارضي سياسات آبي أحمد وفي مقدمتهم القادة التيجرانيون.

ويقول منتقدو آبي أحمد أن تأكيده على “الوحدة الوطنية” يهدد استقلالهم. كما قاد تخفيف القيود على الوحدة الوطنية موجة من خطاب الكراهية ذو البعد الإثني مما فاقم من نيران الأزمة. ومع تآكل شعبية آبي أحمد المبكرة أجلت حكومته الانتخابات ليتقرر عقدها في أغسطس 2020 بحجة جائحة كوفيد-19 وتم اعتقال أعضاء بارزون في المعارضة الإثيوبية منهم جوهر محمد الزعيم الأوروموي الذي أضحى زعيمًا وطنيًا إثيوبيًا في مواجهة آبي أحمد.

ويتمثل السبب الرئيس في إقدام إقليم التيجراي على عقد الانتخابات الإقليمية في سبتمبر 2020 بالرغم من قرار الحكومة الإثيوبية تأجيلها على المستوى الوطني بسبب جائحة كوفيد-19، مما اعتبرته أديس أبابا تحديًا جسيمًا لسلطتها، إضافة إلى حقيقة أن الخطوة كانت غير مسبوقة ووصفها البرلمان الفيدرالي بأنها عملية “غير قانونية”.

وأعلن آبي أحمد بدء “الهجوم العسكري” (3 نوفمبر) بعد اتهامه القوات التيجرانية بمهاجمة قاعدة عسكرية والاستيلاء عليها في العاصمة الإقليمية ميكيلي، ونفت الإدارة الإقليمية تلك التهمة، لكن التوتر تفاقم بين الجانبين.

ويرى مراقبون أن الصراع الدائر نهاية لتراكم العداء المرير بين جبهة التحرير الشعبية للتيجراي ورئيس الوزراء آبي أحمد الذي عمد منذ تقلده منصبه في أبريل 2018 إلى عزل أعداد كبيرة من المسئولين التيجرانيين من قيادة التحالف الحاكم، وفي المقابل تحدت الجبهة قرار تأجيل الانتخابات الرئاسية بسبب كوفيد-19 وعقدت انتخاباتها الإقليمية في سبتمبر 2020 مما اعتبرته أديس أبابا خطوة غير قانونية.

ما هي حالة العمليات العسكرية القائمة؟

تصاعدت شهور من التوتر إلى درجة الصراع المسلح مطلع نوفمبر 2020. وفيما توقع آبي أحمد إنجاز المهمة سريعًا يتشكك عدد كبير من الخبراء الأمنيون في ذلك، ويرون أن العداءات ستتعمق ويمكن أن تتحول لحرب أهلية كاملة، لاسيما أن جبهة التحرير التيجرانية جماعة عسكرية بالأساس، وتدرك “اللعبة بشكل تام”. كما أن الهجوم يتم داخل الإقليم، الذي يتمتع بسمات جغرافية عصية ومرتفعة وبيئة مثالية لحرب عصابات طويلة الأجل. بينما يتخوف عدد كبير من الدبلوماسيين الغربيين من إمكان إثارة الصراع حروبًا أخرى في بلد تضربها المنافسات الإثنية، أو أن تتحول إثيوبيا إلى “يوغسلافيا أخرى”.

ويقترب حجم القوات الفيدرالية بشكل ملفت من حجم قوات إقليم التيجراي (النظامية وغير النظامية مع التأكيد على قدرة الجبهة التيجرانية على الحشد العسكري الشعبي، وتخوفات نظام أديس أبابا من قدرة الجبهة على الحصول على دعم خارجي عبر قنوات عدة)، في ظل أزمة واضحة في احترافية قوات الدفاع الوطني الإثيوبية وغلبة المحدد الإثني في تسيير العمليات بالاعتماد على عناصر من الأمهرا واستدعاء القوات الإثيوبية العاملة في الصومال لإرفاد ودعم عمليات القوات الفيدرالية في التيجراي.

وهكذا اعتبر الصراع الجاري بمثابة حرب بين دولتين في ظل الحشد الكبير لدى الطرفان وتصميمهما على عدم التراجع. وبشكل محدد فإنه فيما تعد إثيوبيا صاحبة جيش من أهم وأكبر جيوش أفريقيا جنوب الصحراء (نحو 162 ألف جندي نظامي في الخدمة وفق تصنيف موقع جلوبال فاير باور 2020) وأكثرها تدريبًا، فإن جبهة تحرير التيجراي هيمنت عمليًا على الجيش الإثيوبي والحكومة قبل وصول آبي أحمد، وقُدر وجود نحو ربع مليون مقاتل في قوات جبهة تحرير التيجراي النظامية وشبه النظامية.

وتمثل العمليات استنزافًا خطيرًا في مقدرات الجيش الإثيوبي مستقبلًا، وتهديدًا لبرنامج الإصلاحات الاقتصادية التي تعهدت بها حكومة آبي أحمد لتبرير استمرارها رغم نهاية ولايتها تشريعيًا في أواخر العام الجاري. كما تمثل الحرب نكوصًا عن جهود إثيوبيا لتحديث قواتها المسلحة، كما تمثل –على سبيل المثال- في مارس 2019 خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لأديس أبابا وتوقيعه مع آبي أحمد أول اتفاق تعاون عسكري بين البلدين يشمل إلى جانب تكوين البحرية الإثيوبية تقديم فرنسا لإثيوبيا فرص التعاون الجوي والعمليات المشتركة والفرص التدريبية ومشتريات المعدات العسكرية، وهو الاتفاق الذي لم يمض قدمًا كما كان متوقعًا، إلى جانب جهود تركيا –التي تدعم حكومة آبي أحمد سياسيًا، وربما عسكريًا بشكل غير مباشر عن طريق الدعم اللوجيستي، في أزمتها الحالية في إقليم التيجراي- لتحديث القوات الإثيوبية، لاسيما البحرية وعملياتها. وقد يؤدي استنزاف القوات الإثيوبية في أزمة التيجراي إلى تباطؤ الخطط الطموحة لتمكين إثيوبيا من التمدد عسكريًا في إقليم البحر الأحمر وخليج عدن.

وفي حالة عدم حسم المسألة عن طريق التفاوض بالوساطة الأوغندية التي وافق عليها الطرفان (16 نوفمبر الجاري)، يتوقع أن تتسع العمليات العسكرية (بمستويات مختلفة بطبيعة الحال) خارج إقليم التيجراي لتشمل إقليم الأمهرا، وإقليم بني شنقول (حيث توجد جماعات كبيرة من التيجراي والأمهرا في الإقليم)، كما يتوقع نشوب أزمات مماثلة في أقاليم أخرى (خاصة الصومالي الإثيوبي) على خلفية انسحاب القوات الفيدرالية المتمركزة بها؛ وحدوث ثغرات أمنية خطيرة.

هل يمكن أن يكون للصراع أثر إقليمي؟

بالتأكيد، وحتمًا؛ إذ تهيمن إثيوبيا على القرن الأفريقي وما يحدث بها يؤثر باستمرار على الأحداث في الصومال وجنوب السودان وإريتريا التي تجاور حدودها إقليم التيجراي. كما تدخل إثيوبيا في نزاع مع مصر حول تشييد أديس أبابا لسد النهضة الإثيوبي ، وهو مشروع ضخم ترى القاهرة أنه يفرض تهديدًا وجوديًا بسبب إمكانية تغييره لتدفق النيل الذي تعتمد عليه مصر.

وقد جاءت الأزمة الإثيوبية لتفاقم هشاشة إقليم القرن الأفريقي، مع بدء سحب إثيوبيا قواتها من الصومال المجاور، ومواجهة السودان تحديات الانتقال السياسي فيما تواصل إريتريا عزلتها رغم اتفاق السلام مع إثيوبيا.

وهكذا فإن الإقليم الذي ميز المجال التقليدي لنفوذ آبي أحمد وسياساته يواجه تهديدات كبيرة بعدم الاستقرار بفضل سياسات نفس الشخص. وهناك علامات مخيفة على المسار المحتمل للنزاع في شمالي إثيوبيا، لاسيما بعد إطلاق جبهة تحرير التيجراي صواريخ (14 نوفمبر) على مطاري مدينتي قندر وبحر دار بولاية الأمهرا، وكذلك عبر الحدود مع دولة إريتريا. فيما أكدت منظمة العفو الدولية رجحان مقتل مئات المدنيين في حادث يحمل جميع سمات المذابح الإثنية. وأنحى شهود باللائمة على القوات الموالية لجبهة التحرير التيجرانية بينما نفت قيادتها أي تورط للجبهة في العملية.

ويبدو أنه ثمة تصلب في المواقف ستكون له تداعيته الإقليمية، وعلى سبيل المثال فقد نبه جيتاتشو ردا Getachew Reda الناطق باسم الجبهة التيجرانية أنه طالما استمرت الهجمات على شعب التيجراي فإن الهجمات (داخل إثيوبيا وخارجها كما بين لاحقًا) سوف تزداد حدة في الفترة المقبلة.

 وفيما برر آبي أحمد هجوم قواته أن الطائرات الحربية تقصف أهدافًا عسكرية في تيجراي ومعدات تسيطر عليها القوات المحلية في تيجراي. وأن العمليات العسكرية تستهدف “استعادة حكم القانون” في الولاية. ولمحت قوة المهام الطارئة التابعة للحكومة الإثيوبية أن “مجلس جبهة التحرير الشعبية للتيجراي استخدم آخر أسلحة لدى الجبهة في ترسانتها”، وأن الحرب ستنتهي داخل “التيجراي”. وتؤكد هذه المواقف على التوجه نحو معادلة صفرية لن تلتزم بحدود “متفق عليها” للصراع العسكري وأماكن الضربات.

وقد زادت مخاطر تحول الصراع في شمال إثيوبيا إلى صراع إقليمي فوضوي بشكل حاد في منتصف نوفمبر بعد ضربات صاروخية على مطار بالعاصمة الإريترية أسمرا، وسط تقارير غير مؤكدة عن شن القوات الإثيوبية هجمات داخل التيجراي انطلاقًا من الأراضي الإريترية.

  كما تبدو أزمة لاجئين في سبيلها للتكون في الإقليم، ويلاحظ ذلك مع إحصاء فرار أكثر من 14 ألف مواطن إثيوبي إلى السودان (حتى منتصف نوفمبر 2020) مع توقع استمرار تزايد وصول اللاجئين في الفترة المقبلة مما يفوق القدرة الحالية لهيئات مساعدات اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. فيما شرعت مفوضية حقوق الإنسان “الإثيوبية” بإرسال محققين لمدينة ماي كادرا Mai Kadra في التيجراي حيث ذكرت منظمة العفو الدولية حدوث عمليات قتل جماعي بالمدينة.

كيف تُهدد هذه الازمة المكاسب الإثيوبية؟

إثيوبيا ثاني دول أفريقيا عددًا في السكان، ويصل عدد سكانها إلى 110 مليون نسمة. وتعد أهم قوة في القرن الأفريقي؛ ويمكن لعدم الاستقرار هناك أن ينتشر في أنحاء الإقليم. كما يمكن أن يزعزع استقرار ما عدت واحدة من أكثر قصص التنمية الاقتصادية الواعدة حضورًا في القارة الأفريقية، وما عده مراقبون كونها مصدرًا ملهمًا للأمل في القارة الأفريقية.

ففي ظل حكومة التحالف السابقة التي أدارت البلاد لمدة 27 عامًا حتى العام 2018، نما الاقتصاد بنسبة 10% سنويًا لمدة عقدين تقريبًا. ورغم أن إثيوبيا لا تزال بلدًا فقيرًا فإن سنوات النمو هذه حولت توقعاتها وحسنت البنية الأساسية وكذلك مستويات الصحة والتعليم، وعززت إمكانية أن تحقق البلاد اللحاق بفئة البلدان متوسطة الدخل (الشريحة الدنيا فقط).

ومن ثم فإنه يمكن أن يقود انتشار الصراع في أجزاء أخرى من إثيوبيا، حيث تدعو بعض الأقاليم لمزيد من الحكم الذاتي، إلى تراجعات سياسية واقتصادية ومجتمعية خطيرة في إثيوبيا يضاف إلى حالة الجمود التي ظلت تشهدها إثيوبيا في ظل جائحة كوفيد-19 واضطراب سياسات آبي أحمد الإصلاحية.

وقد قاد العنف الإثني المفرط الحكومة الفيدرالية إلى عودة الحكومة الفيدرالية للإجراءات القمعية ومن بينها القبض على منتقدي النظام ومعارضيه. وفيما دعت دول ومنظمات إقليمية ودولية للتفاوض فإن النظرة السائدة لدى أديس أبابا أنه ثمة حكومة شرعية وجماعة متمردة، وأن أديس أبابا تستهدف تحطيم جبهة التحرير التيجرانية، ومن ثم فإنه لا يوجد مجال أمام التفاوض فعليًا. فيما لاحظ خبراء امريكيون عسكريون ودبلوماسيون أنه لا يوجد نية حقيقية لأديس أبابا لتدشين حوال سياسي شامل لاسيما أن أغلب قادة المعارضة السياسية المهمون يقبعون في السجون.

كما يمكن أن تتراجع المكاسب الاقتصادية بشكل كبير، فقد بادرت حكومة آبي أحمد تدشين نموذج تنموي تقوده الدولة بنجاح عبر الانفتاح على رأس المال الخاص. وكجزء من هذه السياسة فقد تأخر تنفيذ النموذج، لاسيما خصخصة قطاع الاتصالات، وهو أكبر قطاع للاتصالات محتكر في العالم اليوم. ومع ارتفاع التوترات الإثنية وتوقف الانتخابات، يجنح المستثمرون الأجانب بالفعل لمقاربة الترقب بدلًا من المجازفة؛ الأمر الذي قد يزداد سوءًا حال استمرار الحرب بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم التيجراي.

خلاصة

بإيجاز شديد، إن واصل التيجرانيون مقاومتهم للحملة العسكرية التي تقوم بها حكومة آبي أحمد، فإنه يمكن أن ينجم عنه قتال ضارٍ، مع خبرة جبهة التحرير التيجرانية بالمقاومة. كما يمكن أن تتحول أقاليم أخرى، ذات أغلبية سكانية تعارض سياسات آبي أحمد وتأكيده على الوحدة الوطنية، إلى حالة عدم الاستقرار. لاسيما أن الانقسامات الإثنية تظل أمرًا شائعًا ومتكررًا خاصة في أوروميا والأمهرا. كما تدفع أقاليم متعددة في الجنوب للحصول على مزيد من الاستقلال الذاتي (كما في إقليم سيداما)، ومن ثم تكون الإجابة عن السؤال الرئيس عن قدرة آبي أحمد على الحفاظ على دولة إثيوبية متماسكة سلبية إلى حد كبير، وربما تكون مرهونة باستبعاده آبي أحمد شخصيًا من المشهد السياسي لتفادي مزيد من الانقسامات الإثيوبية- الإثيوبية.

عن "مركز الإنذار المبكر"

الصفحة الرئيسية