
مع انخفاض درجات الحرارة في قطاع غزة إلى مستويات غير معتادة، يعود الشتاء ليكشف جراحاً لم تلتئم منذ عامين، ويُذكّر أكثر من مليون نازح بأنّ الكابوس الذي يعيشونه ما يزال ممتداً.
وبين خيم مهترئة، وأراضٍ موحلة، وقلوب أنهكها الخوف والانتظار، يخوض سكان القطاع فصلهم الأقسى على الإطلاق.
ومع انقطاع إمدادات الوقود وانعدام الكهرباء يعتمد السكان على مواقد بدائية، بعضها يعمل بخشب يتم جمعه من الأنقاض، وبعضها الآخر بالورق والكرتون.
وأكّد منسق الطوارئ في منظمة "أطباء بلا حدود" بغزة، (فرانتس لوف)، أنّ المساعدات الإنسانية الواصلة إلى غزة ما زالت غير كافية رغم وقف إطلاق النار، مُحذّراً من أنّه في حال عدم حدوث تحسن ملموس، فإنّ أهالي غزة سيواجهون مجدداً ظروف الشتاء القاسية.
ولفت منسق الطوارئ في منظمة "أطباء بلا حدود" بغزة إلى أنّه "مع وقف إطلاق النار يشعر الناس بالغضب من عدم دخول عددٍ كافٍ من الخيام التي يحتاجون إليها للحماية من المطر والبرد"، داعياً المجتمع الدولي والدول التي يمكنها التأثير على إسرائيل إلى الضغط على الأخيرة للسماح بدخول المواد الضرورية إلى غزة.
مخيمات لا تعرف الدفء
تقول الفلسطينية نسرين شملخ (51 عاماً)، نازحة من شمال غزة، وتعيش وعائلتها المكونة من (5) أفراد في مخيم للنازحين بحي الشيخ رضوان بمدينة غزة: "الشتاء هنا يشبه السقوط في الماء البارد كل يوم، فلا يوجد شعور بالأمان، والمطر يدخل من السقف، والبرد يدخل من كل الاتجاهات، وأشعر بأنّني عاجزة عن حماية أطفالي."
وتوضح الأم أنّ (3) من أطفالها يعانون من التهاب رئوي منذ بداية الشتاء، وأنّ الحصول على الدواء بات شبه مستحيل، وتضيف: "أحياناً أضعهم بجانبي ليشعروا بالدفء، لكنّ الخيمة نفسها باردة كالثلاجة."
وتتابع: "نحاول إشعال النار، لكنّ الدخان يملأ الخيمة ويخنق الأطفال، وفي النهاية، لا يكفي الحطب كي نشعر بالدفء. والحصول على بطانية جديدة أصبح شبه مستحيل، فالشتاء الماضي كانت لدينا (3) بطانيات، اليوم واحدة فقط صالحة للاستخدام، والأطفال يبكون من البرد طوال الليل."
وتضيف: "عندما تمطر لا نستطيع الوصول إلى دورة المياه، ونقضي ساعات في تجفيف مسار صغير كي لا ننزلق، فأكثر من مرة سقطت وأبنائي أرضاً على الطين."
وتؤكّد أنّ "العمل أو الدراسة أو الحركة في المخيم تصبح شبه مستحيلة بعد كل موجة أمطار، ونشعر بأننا محاصرون داخل الطين، حتى الطعام لا نستطيع جلبه بسهولة."
البرد أقوى من كل ما نملكه
يقول المُسنّ الفلسطيني ميسرة الشاعر الذي نزح من رفح جنوب قطاع غزة إلى خان يونس، بعد أن فرغ من إصلاح فتحة جديدة في سقف خيمته: "الخيمة تصمد يومين بالكثير قبل أن تتشقق من جديد، والمطر لا ينتظر، وكل ليلة نسابق الوقت لسدّ الثقوب، وأحياناً ننام ونحن نسمع قطرات الماء تتساقط داخل الخيمة وكأنّها عدّاد يُذكّرنا بأننا بلا مأوى."
ويضيف الشاعر (56 عاماً) وهو يشير إلى زوايا الخيمة: "منذ سنتين لم أعرف ليلة ينام فيها أبنائي دون بكاء، مرة من البرد، ومرة من الخوف، ومرة من الجوع، فالشتاء مجرد فصل بالنسبة إلى الناس، لكنّه بالنسبة إلينا جدار آخر يسدّ طريق الحياة."
ويتابع: "عندما يهطل المطر أستيقظ طوال الليل لأراقب السقف، لا أعرف أيّ جزء سينهار أوّلاً، فنحن لا نعيش شتاء عادياً، نحن نعيش معركة كل ليلة. الأرض تصبح بركة ماء، ونرفع الفرش ونقف طوال الليل كي لا تبتل، لم نعرف النوم الدافئ منذ سنتين."
ويوضح: "أوّل ما يدخل المطر إلى الخيمة يتحول كل شيء إلى لون واحد، البني، ولا نملك سجاداً، ولا ألواحاً نضعها على الأرض، والنوم صعب، والوقوف صعب، والحركة صعبة."
مع ذلك، يبقى الأمل موجوداً لدى الشاعر الذي يقول: "لا نملك إلا الصبر، وربما يأتي يوم نعود فيه إلى بيتنا، وحتى ذلك الوقت سنحاول أن نعيش، ولو تحت المطر."
الشتاء محنة يومية
وتجلس الفلسطينية يسرا شاهين (43 عاماً) أمام باب خيمتها، وتصف شعورها بالشتاء قائلةً: "كنت أحبّ المطر، كان يعني الخير، الآن أخافه، فعندما أسمع صوت الرعد أشعر أنّ الأرض ستفتح وتبتلعنا."
وتضيف شاهين: "في الليل أشعر بأنّ الخيمة تتحرك، فالريح تهزها كأنّها تريد اقتلاعنا، وأخاف أن تنهار على أطفالي، لا أحد يعرف كم مرة أستيقظ وأنا أبحث عن الثقوب التي يدخل منها المطر."
وتشير بيدها إلى أرضية الخيمة، وتقول: "نفرش النايلون ونضع فوقه البطانيات، ومع ذلك الماء يصل إلينا، الشتاء هنا ليس طقساً، إنّه محنة يومية."
وتتابع شاهين: "عندما يهطل المطر لا ندرس، بل نحرس الخيمة، ونحاول منع الماء من الدخول، ونرفع الفرش، وننشغل طوال الليل، فكيف يمكننا التفكير في مستقبلنا بينما نخاف من سقف قد يسقط فوق رؤوسنا؟".
وتوضح: "أطفالي يرتجفون طوال الليل، نغطيهم بما لدينا، لكنّ البرد أقوى منّا، لا توجد ملابس شتوية، ولا حطب يكفي، وكلما اشتعلت النار، تنطفئ بسبب الرياح."
وتختم شاهين حديثها قائلة: "نحن لا نريد حياة فارهة، فقط حياة آمنة، ونريد سقفاً يحمينا، ومكاناً ندفن فيه خوفنا كلما جاء الشتاء."
أوضاع مأساوية صعبة
يرى المتحدث باسم المديرية العامة للدفاع المدني بغزة محمود بصل أنّ "الوضع الإنساني صعب للغاية، فالمخيمات المكتظة لا توفر الحدّ الأدنى من الحماية من البرد والمطر، ومع نزوح السكان للعام الثاني ازدادت هشاشة أوضاع الناس ونقصت إمكانياتهم الذاتية لتحمّل الظروف الجوية."
ويضيف بصل: "التحديات الحالية هي ضعف البنية التحتية، وغياب شبكات تصريف المياه، وعدم توفر خيام مقاومة للمطر والرياح، كما أنّ التجهيزات الطبية والمستلزمات الوقائية محدودة للغاية مقارنة بعدد السكان."
ويوضح: "نعمل ضمن الإمكانات المتاحة، وقد شكّلنا فرقاً خاصة للطوارئ الشتوية، ولكنّ محدودية المعدات ونقص الوقود تعيق التدخل السريع في بعض المناطق. وجزء كبير من معداتنا تضرّر أو أصبح خارج الخدمة، ونعمل بما تبقى من مضخات المياه وآليات الإنقاذ، ونحاول توزيعها وفق الأولويات."
ويتابع: "نحتاج إلى إعادة تأهيل البنية التحتية وتزويد فرقنا بالمعدات اللازمة، بدون ذلك ستتكرر الأزمة كل شتاء، وربما بشكل أشد."
وقد ارتكبت إسرائيل منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ولمدة سنتين، إبادة جماعية بغزة، خلّفت أكثر من (68) ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

