
هاني سالم مسهور
هل نواجه مشروعين متباينين، أم سردية واحدة بوجهين؟ هذا السؤال يفتح بابًا لفهم العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين ونموذج ولاية الفقيه. اختلاف المذهب يتراجع أمام قاسم أعمق، وهو تحويل الدين إلى سلطة، والسلطة إلى امتداد للعقيدة. من هنا تبدأ الحكاية، ومن هنا أيضًا تتكشف حدودها حين تُختبر في الواقع.
المسار لم يتشكل في لحظة واحدة. مع جمال الدين الأفغاني خرج الدين من فضاء الوعظ إلى أفق السياسة، فصار الحديث عن الأمة والخلافة إطارًا يتجاوز الفرد إلى الدولة. مع حسن البنا تحولت الفكرة إلى تنظيم يمتلك أدوات التعبئة، خطابًا يَعِد بالجمع بين الدين والدولة. مع سيد قطب بلغت الفكرة ذروتها: الحاكمية أصل، المجتمع مادة لإعادة الصياغة، والسلطة امتداد مباشر للعقيدة. هنا خرج المشروع من دائرة الفكر إلى مشروع حكم كامل يطمح لإعادة تشكيل الواقع وفق تصور واحد للحقيقة.
في مصر، جاء أول اختبار قاسٍ. الصدام بين الدولة والتنظيم لم يكن خلافًا عابرًا، بل مواجهة بين نموذجين للدولة. حادثة المنشية كشفت مبكرًا أن العلاقة بين المشروع المؤدلج والدولة الوطنية لا تحتمل التعايش الطويل. الاعتقالات توسعت، الأحكام صدرت، والتوتر بلغ ذروته. الرئيس عبد الناصر اختار المواجهة، والتنظيم اختار التصلب. اللحظة المفصلية جاءت عام 1966 مع إعدام سيد قطب. لم يكن إعدام رجل فقط، بل انتقال الفكرة إلى طور أكثر حدّة: القطيعة مع المجتمع تعمّقت، اليقين الأيديولوجي ازداد، والاعتقاد بامتلاك الحقيقة صار قاعدة لا تُناقش.
الأحكام القضائية التي صدرت بحق جماعة الإخوان كانت فرصة نادرة لإنهاء الفكرة من جذورها، لحظة حسم كان يمكن أن تُغلق هذا الملف نهائيًا. لكن ما جرى لاحقًا أعاد فتحه من جديد. تدخل السعودية منح الفكرة شريان حياة، وسمح لها بالتمدد خارج نطاقها الأول. كتب سيد قطب انتشرت، وشبكات تلاميذه تمددت داخل المجتمعات، وصولًا إلى أخطر نقطة وهي التعليم. هناك لم تعد الفكرة مجرد خطاب، بل تحولت إلى بنية تُغرس في العقول وتُعاد صياغتها جيلًا بعد جيل.
هذه الصيغة لم تبقَ داخل الإطار السني. في إيران، التقط الخميني مع ثورة 1979 هذا المسار وأعاد صياغته ضمن ولاية الفقيه. رجل الدين لم يعد مرشدًا روحيًا، بل صار مركز القرار السياسي، مصدر الشرعية، وحارس المعنى. الترجمة لم تكن لغوية فقط، كتب سيد قطب دخلت إلى البنية الفكرية للمؤسسات، تسللت إلى عقل الحرس الثوري الإيراني، وتحولت إلى أدوات تعبئة وتوجيه. هنا يتضح التقاطع: مشروعان مختلفان في الشكل، متطابقان في الجوهر.
السردية الجامعة التي تجمعهما تقوم على أربعة أعمدة واضحة: احتكار التفسير، تديين السلطة، نفي التعدد، وتجاوز الدولة الوطنية. الجماعة أو الولي يحتكر السلطة الروحية، يقدم نفسه ممثلًا للمقدس، ويطلب من المجتمع الانضواء تحت تعريف واحد للحقيقة. السياسة تختفي داخل العقيدة، والخلاف يتحول إلى خروج. هذا البناء يبدو متماسكًا في لحظات الصعود، يمنح أتباعه يقينًا، ويخلق شعورًا بالتفوق الأخلاقي. لكن أول احتكاك حقيقي يكشف هشاشته.
تجربة الإخوان في الحكم قدمت المثال الأقرب. الشعار لم يتحول إلى إدارة، والتنظيم لم يتحول إلى دولة. لحظة 30 حزيران/يونيو 2013 لم تسقط سلطة فقط، بل كشفت حدود السردية نفسها. الفكرة التي قدمت نفسها بوصفها الحل انكشفت بوصفها أزمة. في إيران، المسار يحمل المؤشرات ذاتها: أزمات اقتصادية تتراكم، احتجاجات تتكرر، فجوة تتسع بين الدولة والمجتمع. الشرعية التي استندت إلى القداسة تواجه اختبار الواقع، وتفقد قطعياً قدرتها على الإقناع.
المسألة لا تتعلق بسقوط أشخاص، بل بتآكل الفكرة التي تمنح السلطة غطاءها. حين تتحول السياسة إلى عقيدة، يصبح الفشل أكثر كلفة. السلطة تخسر، والتأويل الذي دعمها يفقد معناه. المجتمع لا يقبل أن يُختزل، والدولة لا تُدار بمنطق الاصطفاء. كل مشروع يحتكر المقدس يتحول إلى مصدر انقسام، لا أداة وحدة. السردية التي وعدت بجمع الأمة أنتجت العكس، عمّقت الانقسام، وفتحت الباب أمام صراعات لا تنتهي.
هنا يظهر السؤال الأهم: ما البديل؟ الإجابة لا تكمن في استبدال مشروع بآخر، بل في كسر الحلقة نفسها. تجديد الخطاب الديني لم يعد خيارًا نظريًا، بل صار ضرورة سياسية وأمنية. المطلوب فصل واضح بين الدين والسلطة، إعادة الدين إلى مجاله الأخلاقي والروحي، وتحرير الدولة من أي وصاية أيديولوجية. المجتمعات العربية لا تحتاج إلى من يحتكر الإيمان، بل إلى من يبني الدولة، من يعترف بالتعدد، ويُدير الاختلاف بدل قمعه.
التجربة في الإمارات تقدم نموذجًا مختلفًا يستحق التوقف. منذ التأسيس على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، اختارت الدولة مسارًا يقوم على تعميق الانتماء الوطني لا تسييس الدين. الهوية الوطنية قُدمت كإطار جامع، والمؤسسات بُنيت على مفهوم الدولة الحديثة لا الجماعة أو الولي. النتيجة ليست شعارات، بل واقع ملموس: نمو اقتصادي متصاعد، حضور متقدم في المؤشرات الدولية، واستقرار سياسي واجتماعي قائم على فكرة الدولة لا الأيديولوجيا. هذا النموذج يقدّم جوابًا عمليًا على السرديات المؤدلجة، ويثبت أن الدولة القوية لا تحتاج إلى احتكار المقدس، بل إلى مؤسسات فعّالة ورؤية واضحة.
الارتهان لأي من المشروعين يعيد إنتاج الأزمة. الارتهان للإخوان يعيدنا إلى فكرة الجماعة التي تتحدث باسم الدين، والارتهان لولاية الفقيه يعيدنا إلى فكرة الولي الذي يحتكر الحقيقة. النتيجة واحدة: دولة ضعيفة، مجتمع منقسم، صراع مفتوح. هذا المسار لا يبني استقرارًا، بل يخلق دورة مستمرة من التوتر.
الدرس واضح: الدين لا يسقط حين يفشل السياسي، السياسي هو من يسقط حين يحاول أن يحكم باسم الدين. الدولة التي تبني شرعيتها من الناس قادرة على الاستمرار، أما المشروع الذي يبني شرعيته من تفسير واحد للنص فينهار عند أول اختبار. المشكلة لم تكن في العقيدة، بل في من حوّلها إلى أداة حكم. كلما ابتعدت الدولة عن هذا المسار اقتربت من الاستقرار، وكلما اقتربت منه دخلت في دائرة صراع لا تنتهي. السردية الجامعة التي حاولت هذه المشاريع فرضها لم توحّد، لم تحمِ، لم تبنِ، بل تركت فراغًا أكبر مما وعدت بملئه، وتركت سؤال الدولة مفتوحًا أمام من يملك الشجاعة لإعادة تعريفه بعيدًا عن وهم القداسة السياسية.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B2-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AF%D9%87%D9%8A.jpg.webp?itok=tiXXhcD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88_0.jpg.webp?itok=5vQRr4dD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/81872688-fbc4-42e8-89c8-2a104ba8fefe.png.webp?itok=E_fyVLVH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_0.jpg.webp?itok=Di4TYWFQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=mo5Wod39)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_0_2.jpg.webp?itok=hQGL9w4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2_0.jpg.webp?itok=_sFlPzn8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_1_0.jpg.webp?itok=5LhvMVBt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kolds5bJ.jpg.webp?itok=XhkLPCxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/474d1761-eb23-42bc-9067-7e2924393dd2.jpg.webp?itok=B_iW5YGn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0.jpg.webp?itok=1nRP-ZIv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_90.png.webp?itok=nqFTAzIc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)