
حوار/ منى شكري
قال المحلل السياسي والباحث في الشؤون الإيرانية بـ (مركز الإمارات للسياسات)، محمد الزغول: إنّه رغم تعثُّر تجارب الإسلام السياسي في أعقاب "الربيع العربي"، فإنّ الظاهرة لم تنتهِ؛ بل أعادت تشكيل نفسها في بيئة جديدة؛ إذ إنّ الإيديولوجيات المرتبطة بأزمات الهوية والتمثيل لا تختفي بسهولة، وإنّما تتراجع لتنبعث بصيغ مختلفة.
ويوضح الزغول أنّ الإسلام السياسي لم يعد يُفهم اليوم بالأدوات التقليدية ذاتها؛ بعد أن غيّرت البيئة الرقمية طبيعة الظاهرة جذريًّا، لينتقل من نموذج التنظيمات الهرمية المغلقة إلى فضاء رقمي مفتوح ولا مركزي؛ فالشباب باتوا يتبنّون سرديات وخطابات سياسية ودينية عبر منصات مثل؛ "تيك توك" و"يوتيوب"...، دون ارتباط تنظيمي مباشر، ممّا جعل الظاهرة أكثر سيولة وأعقد قياسًا.
وفي هذا الحوار مع (حفريات) يتحدث الزغول عن تحولات الإسلام السياسي، وخطاب الاستقطاب، وتراجع التنظيمات التقليدية، إلى جانب انعكاسات الحرب الإيرانية الأخيرة وعسكرة الاقتصاد على مستقبل المنطقة.
التحليل المهني والخطاب التعبوي
نشهد تصاعدًا لما يمكن وصفه بـ "التفلّت التحليلي" وهيمنة القراءات الانفعالية وسط فائض المعلومات والاستقطاب؛ في هذا المشهد كيف تبني مقاربتك التحليلية للملفات الإقليمية؟ وكيف يمكن التمييز بين التحليل المهني، والخطاب التعبوي؟
ـ أعتقد أنّ واحدة من أكبر مشكلات المجال الإعلامي اليوم هي أنّ التحليل لم يعد يُستهلك بوصفه أداة للفهم، بل بوصفه جزءًا من الاستقطاب نفسه. بمعنى أنّ كثيرًا من الجمهور لم يعد يبحث عمّن يشرح له ما يجري، بل عمّن يؤكد له ما يريد تصديقه أصلًا. وهذه مشكلة لا ترتبط بالإعلام أو منصات التواصل فحسب؛ بل بطبيعة اللحظة السياسية والنفسية التي تعيشها المنطقة.
في السنوات الأخيرة، خصوصًا منذ الحرب الأوكرانية، ثم حرب غزة، والتصعيد الإقليمي اللاحق، أصبحنا نرى نوعًا من "التحليل اللحظي" الذي يولد ويموت خلال ساعات. كل حدث يتحول فورًا إلى سيل من التفسيرات القطعية. أحيانًا أشعر أنّ البعض يخلط بين التحليل، والتعبير عن الموقف السياسي أو الأخلاقي، مع أنّ المجالين مختلفان تمامًا.
بالنسبة إليّ، أحاول دائمًا أن أتعامل مع أيّ ملف من زاويتين متوازيتين: الأولى تتعلق بالبنية العميقة، والعوامل الهيكليّة للتفاعلات، والثانية مرتبطة باللحظة الراهنة، والعوامل المباشرة. البنية هنا تعكس كيف يفكر الفاعل السياسي أصلًا، وما هي عقيدته السياسية والأمنية؟ وما المحددات الجغرافية والتاريخية والثقافية الحاكمة لرؤيته تجاه نفسه، وتجاه العالم. وما الذي يعتبره تهديدًا وجوديًّا؟ وما الذي يعتبره قابلًا للتفاوض؟ وفي ظنّي أنّ كثيرًا من الأخطاء التحليلية تأتي من قراءة التصريحات، بدلًا من قراءة الأفعال والسلوك الفعلي على أرض الواقع، وحتى بدلًا من قراءة العقل الذي ينتج هذه التصريحات والخطاب السياسي الذي يقف خلفها.
لنأخذ مثلًا إيران؛ جزء كبير من التحليلات العربية يتعامل مع السياسة الإيرانية من منظورات مبسّطة وأحاديّة باعتبارها توسعًا إيديولوجيًّا أو تمدُّدًا طائفيًّا، أو رغبةً في الهيمنة الإمبراطورية ذات المنشأ القومي، أو مشروعًا لبسط النفوذ الإقليمي، بينما المسألة تركيب من كلّ ذلك مجتمعًا، وفوقه ذاكرة تاريخية، وعقلية حصار، وعقيدة أمن قومي تشكلت خلال وبعد الحرب العراقية - الإيرانية، إضافة إلى تصور خاص لدور إيران الإقليمي، والحدود التي تفرضها الجغرافيا السياسية، والبنى الهيكلية للمؤسسات، ومطبخ القرار. قد يربكنا هذا التصور المركّب للمشهد الإيراني أثناء عملية التحليل، لكن لا يمكن فهم السلوك الإيراني من دونه.
الأمر نفسه ينطبق على إسرائيل بعد السابع من أكتوبر. كثير من القراءات ذهبت مباشرة نحو الحديث عن "رد انتقامي" فقط، بينما ما كان يجري في العمق، هو أزمة تتعلق بصورة الردع الإسرائيلي نفسها، وبإعادة تعريف مفهوم الأمن داخل المؤسسة الإسرائيلية. وهذه نقطة مهمة؛ لأنّ الدول لا تتحرك فقط، وفق ما تقوله علنًا، بل وفق ما تخشاه في العمق.
أمّا الفرق بين التحليل المهني والخطاب التعبوي، فأظنه يظهر بسرعة عندما تقع الأحداث المعقدة. التحليل المهني عادة يزداد حذرًا كلما ازدادت الفوضى، بينما الخطاب التعبوي يصبح أكثر يقينًا وحدّة. المحلل الحقيقي يعرف أنّ المشهد الإقليمي مليء بالمناطق الرمادية، وأنّ الفاعلين أنفسهم متناقضون أحيانًا. أمّا الخطاب التعبوي، فيحتاج دائمًا إلى صورة مبسطة: خير مطلق مقابل شر مطلق، وانتصار حتمي أو هزيمة حتمية.
وأعتقد شخصيًّا أنّ أخطر ما يمكن أن يفعله الباحث هو أن يتحول، من حيث لا يشعر، إلى ناشط سياسي أو فاعل ضمن ماكينة التعبئة؛ لأنّ وظيفة التحليل ليست الدفاع عن موقف معين، أو منح الجمهور شعورًا نفسيًّا مريحًا؛ بل محاولة فهم ما يجري حتى عندما تكون الاستنتاجات غير مريحة للجميع.
التنظيمات الإسلاموية في العصر الرقمي
كيف أعادت الرقمنة ومنصات التواصل تشكيل خطاب الإسلام السياسي، خصوصًا لدى الأجيال الشابة؟ وهل نحن أمام أنماط جديدة من "الإسلامويّة" أقلّ تنظيمًا وأكثر تأثيرًا عبر الفضاء الرقمي؟
ـ أظن أنّ كثيرين ما زالوا يناقشون الإسلام السياسي بالأدوات القديمة، بينما الظاهرة نفسها تغيّرت جذريًّا. عندما نتحدث اليوم عن الإسلاموية، فنحن لم نعد نتحدث فقط عن تنظيمات كلاسيكية، لديها قيادة وهيكل وعضوية وتدرج تنظيمي ـ إيديولوجي، كما كان الحال قبل عشرين أو ثلاثين عامًا. البيئة الرقمية غيّرت كل شيء تقريبًا، بما في ذلك طريقة تشكل الهُويّة؛ السياسية والدينية، لدى الأجيال الجديدة.
في السابق كان الانخراط في الحركات الإسلامية يمرّ عبر عملية طويلة نسبيًّا من التصعيد: كانت نقطة البداية عادة من مسجد، أو حلقة تربوية، أو نشاط طلابي، أو شبكة اجتماعية مغلقة. أمّا الآن، فقد يستطيع شاب في السابعة عشرة أن يتبنّى خطابًا سياسيًّا دينيًّا حادًا خلال أسابيع فقط، عبر "تيك توك"، أو "يوتيوب"، أو "إكس"، دون أيّ احتكاك تنظيمي مباشر. وهذا التحول مهم جدًا؛ لأنّه نقل الإسلام السياسي من مرحلة "التنظيم المغلق" إلى مرحلة "المجتمع الافتراضي المفتوح". بمعنى أنّ كثيرًا من الشباب اليوم قد لا ينتمي إلى جماعة محددة، لكنّه يتبنّى سرديات، ومشاعر، ومواقف متأثرة بهذا الفضاء الإسلاموي الرقمي، وهذا ما يجعل الظاهرة أكثر سيولة وأصعب في القياس.
أذكر أنّه بعد السابع من أكتوبر كان لافتًا كيف تشكلت موجات تعبئة رقمية هائلة خارج الأطر التنظيمية التقليدية. لم تكن الجماعات الكلاسيكية هي التي تقود المشهد بالكامل، وإنّما خليط من المؤثرين، وصناع المحتوى، والحسابات اللامركزية، وحتى بعض الشخصيات التي تمزج بين الخطاب الديني، واللغة الثورية، وثقافة الإنترنت الحديثة. هنا نحن أمام شكل جديد تمامًا من التأثير السياسي.
المثير للاهتمام أيضًا أنّ الخوارزميات نفسها أصبحت جزءًا من البيئة الإيديولوجية. المنصات الرقمية لا تنقل الخطاب فقط، بل تعيد تشكيله. الخطاب الذي ينجح اليوم ليس الأكثر عمقًا بالضرورة، وإنّما الأكثر قدرة على إثارة الغضب أو التعاطف أو الإحساس بالمظلومية، ولذلك نلاحظ أحيانًا صعود لغة أكثر حدة واختزالًا، وأقلّ اهتمامًا بالبناء الفكري التقليدي.
حتى مفهوم "القيادة" تغيّر. في السابق كانت الجماعات الإسلامية تقوم على مرجعيات واضحة نسبيًّا، أمّا اليوم فقد يتحول "مؤثر" يمتلك مهارة خطابية أو حضورًا بصريًّا قويًّا إلى مرجعية مؤقتة لمئات الآلاف من الشباب، رغم أنّه لا يملك أيّ تكوين فكري أو معرفي أو تنظيمي متماسك. وفي تقديري، الخطأ الذي تقع فيه بعض الدول أو النخب هو الاعتقاد أنّ تراجع التنظيمات التقليدية يعني انتهاء الظاهرة. بينما الواقع ربما يشير إلى العكس: الأفكار لم تختفِ، لكنّها أعادت إنتاج نفسها في فضاء أكثر مرونة وانتشارًا وأقلّ قابلية للضبط.
بل قد أذهب أبعد من ذلك لأقول: إنّنا ربما دخلنا مرحلة يصبح فيها "المحتوى" أهم من التنظيم، ويصبح "التأثير الشبكي" أهم من البنية الحزبية. وهذا يطرح تحديات جديدة تمامًا، ليس فقط أمنيًّا أو سياسيًّا؛ بل ثقافيًّا أيضًا.
كانت حركات الإسلام السياسي من أكثر الفاعلين تأثرًا بتداعيات "الربيع العربي"، فيما أعاد "السابع من أكتوبر" طرحها من جديد كفاعل محتمل في المشهد المستقبلي؛ برأيك، هل تتجه هذه الحركات نحو "أفول تدريجي"، أم أنّها بصدد إعادة إنتاج نفسها بأشكال وأدوات جديدة تتكيف مع التحولات الإقليمية الراهنة؟
ـ اعتقد كثيرون بعد تعثر تجارب الإسلام السياسي عقب "الربيع العربي" أننا نقف على أعتاب نهاية تاريخية للظاهرة. في تلك الفترة سادت قناعة لدى بعض النخب بأنّ الإسلام السياسي استنفد نفسه بالكامل، خصوصًا بعد التجربة المصرية، والأزمات التي شهدتها بعض التنظيمات التقليدية، والانقسامات الداخلية، وتراجع صورتها لدى قطاعات من الرأي العام.
لكن ما حدث لاحقًا أظهر أنّ الظواهر الإيديولوجية الكبرى لا تختفي بهذه البساطة، خصوصًا عندما تكون مرتبطة بأزمات هوية وتمثيل ومعنى داخل المجتمعات. هي قد تتراجع تنظيميًّا أو انتخابيًّا، لكنّها غالبًا تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة عندما تتغير البيئة؛ السياسية أو النفسية.
السابع من أكتوبر كان لحظة كاشفة في هذا السياق. ليس فقط لأنّه أعاد الاعتبار لفكرة "المقاومة" لدى قطاعات واسعة من الشارع العربي والإسلامي؛ بل لأنّه أعاد تنشيط خطاب عابر للحدود يقوم على المظلومية والهوية والتعبئة الرمزية. ولاحظنا كيف استعادت بعض التيارات الإسلاموية ـ أو القريبة منها ـ جزءًا من حضورها داخل الفضاء الرقمي والإعلامي، حتى في دول كانت تعتقد أنّها نجحت في إنهاء نفوذ هذه الحركات بالكامل.
لكن في المقابل، لا أعتقد أنّنا سنعود ببساطة إلى نموذج الإسلام السياسي الذي عرفناه في التسعينيات أو مطلع الألفية. البيئة نفسها تغيرت. الجيل الجديد أقلّ التزامًا بالتنظيمات الهرمية، وأقلّ صبرًا على البنى الحزبية الثقيلة، وأكثر انجذابًا إلى الخطاب السريع والعابر للحدود. ولذلك أتصور أنّ النسخ القادمة من الإسلاموية ستكون أكثر سيولة، وأقلّ مركزية، وأكثر ارتباطًا بالفضاء الرقمي، وقضايا الهُوية العابرة للدولة الوطنية.
هناك نقطة أخرى أراها مهمة: كثير من الحركات الإسلامية التقليدية كانت تبني شرعيتها على فكرة "النقاء الأخلاقي" مقارنة بالدولة أو النخب القائمة. لكنّ تجربة السلطة بعد "الربيع العربي" كشفت أنّ الانتقال من المعارضة إلى الحكم أكثر تعقيدًا بكثير ممّا كانت تتصوره هذه الحركات نفسها. وهذا أحدث شرخًا داخل صورتها الرمزية. مع ذلك، المنطقة ما تزال تنتج الشروط التي تسمح بإعادة تشكل هذه التيارات: استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتغوله في غزة والضفة، أزمات اقتصادية، هشاشة بعض الدول، فجوات تمثيل، صراعات إقليمية، وحالة غضب لدى قطاعات شبابية واسعة. لذلك أظن أنّ السؤال الحقيقي لم يعد: هل انتهى الإسلام السياسي؟ بل: أيّ نسخة منه تتشكل الآن؟ وهل ستكون أكثر براغماتية أم أكثر راديكالية؟ وأكثر محلية أم أكثر عولمة؟
هل تراجع إيران سياساتها؟
إلى أيّ مدى تواجه إيران اليوم ما يمكن تسميته "فائض نفوذ"؛ أي اتساع ساحات التأثير بما يتجاوز قدرتها على الإدارة السياسية والاقتصادية؟ وهل قد يدفعها ذلك إلى مراجعة سياساتها تجاه الخليج والجوار بصورة استراتيجية لا تكتيكية؟
ـ أعتقد أنّ مفهوم "فائض النفوذ" يفسر جانبًا مهمًّا ممّا تواجهه إيران اليوم؛ لأنّ التوسع في بناء شبكات النفوذ الإقليمي خلال العقدين الماضيين منح طهران أوراق قوة مهمة، لكنّه في الوقت نفسه راكم عليها أعباء متزايدة؛ سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا.
إيران نجحت إلى حد بعيد في بناء نموذج نفوذ منخفض الكلفة نسبيًّا مقارنة بالقوى التقليدية، عبر الاعتماد على الحلفاء المحليين، والشبكات المسلحة، وأدوات الحرب غير المتماثلة. لكن مع الوقت بدأت بعض هذه الساحات تتحول من أوراق قوة إلى مساحات استنزاف معقدة. لنأخذ مثلًا الحالة السورية: صحيح أنّ إيران حافظت على موقعها داخل سوريا لعقد من الزمان، لكنّ الكلفة الاقتصادية والسياسية والأمنية في السنتين الأخيرتين من حكم الأسد أصبحت مرتفعة جدًا، في وقت يعاني فيه الداخل الإيراني نفسه من ضغوط متصاعدة.
الأمر نفسه ينطبق بدرجات مختلفة على العراق ولبنان واليمن. النفوذ الواسع لا يعني دائمًا القدرة على التحكم الكامل، وأحيانًا يصبح الحفاظ على التوازن بين الحلفاء أنفسهم تحديًا بحد ذاته. وهذا ما رأيناه في بعض التوترات داخل الساحات القريبة من إيران، سواء على مستوى الفصائل العراقية أو التعقيدات اللبنانية أو حتى الحسابات المرتبطة بالحوثيين في البحر الأحمر.
في تقديري، هناك إدراك داخل بعض دوائر الدولة الإيرانية بأنّ النموذج الحالي لا يمكن أن يستمر، خصوصًا في ظل نتائج الحرب الكارثية؛ العقوبات، والضغوط الاجتماعية، وتراجع القدرة الاقتصادية، والتغيرات داخل بنية المجتمع الإيراني نفسه. الاحتجاجات الشعبية الأخيرة لم تكن مجرد احتجاجات اقتصادية عابرة؛ بل كشفت حجم التآكل الذي يواجهه العقد الداخلي الإيراني، خاصة لدى الأجيال الشابة؛ وهو ما اضطر النظام إلى استخدام أقصى أدوات القمع المتاحة.
لكن في الوقت نفسه يجب الانتباه إلى أنّ النفوذ الإقليمي بالنسبة إلى المؤسسة الإيرانية ليس مجرد مشروع توسعي تقليدي، وإنّما جزء من مفهوم الأمن القومي ذاته. إيران تنظر إلى محيطها بوصفه خط دفاع متقدم، لا مجرد مجال نفوذ سياسي. ولهذا فإنّ أيّ مراجعة محتملة لن تكون انسحابًا جذريًّا بقدر ما قد تكون إعادة ضبط للأدوات والأولويات.
أمّا فيما يتعلق بالخليج؛ فأعتقد أنّ السنوات الأخيرة شهدت رغبة متبادلة نسبيًّا في خفض مستويات التصعيد، وهو ما ظهر مثلًا في الاتفاق السعودي - الإيراني برعاية صينية. وتبنّت دول الخليج الأخرى مقاربات مختلفة تجاه إيران لكنّها كلها تقريبًا كانت تنضوي تحت تعريف الاحتواء. لكنّ مقاربات خفض التصعيد هذه، ومحاولات الاحتواء كلها أخفقت أمام أول اختبار حقيقي حين بادرت إيران إلى الاعتداء على جميع دول الخليج العربية. وما تزال هذه الدول في مرحلة المراجعة وإعادة التقييم، والأيام المقبلة ستكشف عن ماهية المقاربات الخليجية الجديدة تجاه إيران.
"تسييس الاقتصاد" ومصير الحرب
يتجه العالم بصورة متسارعة نحو "عسكرة الاقتصاد"، من الطاقة وسلاسل الإمداد إلى التكنولوجيا؛ إلى أيّ مدى أسهمت الحروب الإقليمية في تسريع هذا التحول؟ وهل دخلت المنطقة بالفعل مرحلة "اللااستقرار الطويل"؟
ـ أعتقد أنّ العالم كان يتجه تدريجيًا نحو "تسييس الاقتصاد" حتى قبل الحرب الأوكرانية، لكنّ الحروب الأخيرة سرعت هذا التحول بشكل كبير. ما تغيّر فعليًّا هو أنّ الاقتصاد لم يعد يُنظر إليه بوصفه مجالًا منفصلًا عن الصراع الجيوسياسي؛ بل أصبح أحد ميادينه الرئيسية.
بعد الحرب الروسية الأوكرانية مثلًا رأينا كيف تحولت الطاقة إلى سلاح استراتيجي بصورة واضحة، وكيف أصبحت العقوبات، وسلاسل الإمداد، والموانئ، وأشباه الموصلات، وحتى الكابلات البحرية، جزءًا من معادلات الأمن القومي. ثم جاءت التوترات في البحر الأحمر والخليج العربي والهجمات على الملاحة الدولية لتؤكد هشاشة النظام التجاري العالمي نفسه.
الشرق الأوسط يوجد في قلب هذه التحولات، ليس بسبب النفط والغاز فقط؛ بل بسبب الجغرافيا أيضًا. المنطقة تتحكم بجزء كبير من الممرات البحرية الأكثر حساسية في العالم، من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس. ولهذا فإنّ أيّ تصعيد إقليمي لم يعد مجرد أزمة محلية؛ وإنّما حدث عالمي التأثير.
ما يلفتني هنا أنّ كثيرًا من الدول بدأت تعيد تعريف مفهوم السيادة الاقتصادية. لم يعد الأمر يتعلق بالنمو والاستثمار فحسب، بل بالأمن الغذائي، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيا، والقدرة على الصمود خلال الأزمات. حتى الشركات الكبرى أصبحت تفكر بمنطق جيوسياسي لم تكن تفكر به سابقًا.
أمّا بالنسبة إلى فكرة "اللّااستقرار الطويل"، فأظن أننا بالفعل دخلنا مرحلة من السيولة الاستراتيجية الممتدة. ليس بالضرورة بمعنى الحروب الشاملة المستمرة، وإنّما بمعنى غياب التوازنات المستقرة التي عرفها العالم في مراحل سابقة. هناك شعور عالمي متزايد بأنّ النظام الدولي نفسه يعيش مرحلة انتقالية لم تتضح معالمها بعد. ولدينا هشاشة واضحة في البنى الهيكلية للتحالفات، وطغيان للتفرُّد، ومسارٌ معكوس للعولمة.
في المنطقة تحديدًا، المشكلة أنّ الأزمات لم تعد منفصلة عن بعضها بعضًا. الاقتصاد متداخل مع الأمن، والهويات مع الجغرافيا السياسية، والتكنولوجيا مع الصراع العسكري. ولذلك تصبح التسويات أصعب؛ لأنّ كل ملف يرتبط بعدة ملفات أخرى في الوقت نفسه. أحيانًا أشعر أنّ أخطر ما في المرحلة الحالية هو اعتياد المنطقة على إدارة الأزمات بدلًا من حلّها. بمعنى أنّ الجميع يتكيف مع مستوى معين من التوتر بوصفه "الوضع الطبيعي الجديد". وهذه بيئة مرهقة جدًّا على المدى الطويل، سواء للدول أو للمجتمعات.
إذا قرأنا خريطة الشرق الأوسط بعد عقد من الآن، كيف تتصور موازين القوى فيه؟ وما السؤال الجوهري الذي تعتقد أنّ الباحثين العرب لا يطرحونه بما يكفي عند دراسة الحالة الإيرانية؟
ـ لا أحد يمكنه تخيل الشرق الأوسط بعد عشر سنوات على نحو دقيق. لا شكّ سيكون مختلفًا عن الصورة التقليدية التي اعتدناها خلال العقود الماضية؛ لأنّ طبيعة القوة نفسها تتغير. في السابق كان النفوذ يُقاس أساسًا بالقوة العسكرية أو الإيديولوجية، أمّا اليوم فهناك عناصر أخرى أصبحت حاسمة: الاقتصاد، والتكنولوجيا، والقدرة على بناء مؤسسات مرنة، وحتى إدارة السكان، والشباب والتحولات الاجتماعية.
الدول التي ستنجح في العقد المقبل ليست بالضرورة الأكثر ضجيجًا سياسيًّا، إنّما الأكثر قدرة على التكيّف مع العالم الجديد. وهذا ما يفسر تركيز عدد من دول الخليج اليوم على ملفات الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والاقتصاد الرقمي، ومحاولة تقليل الاعتماد الأحادي على النفط. هناك إدراك متزايد بأنّ النفوذ المستقبلي لن يُبنى فقط عبر السلاح أو الخطاب الإيديولوجي. في المقابل، أعتقد أنّ بعض القوى الإقليمية ما تزال تتحرك بذهنية صراعات القرن الماضي، بينما العالم يتغير بسرعة هائلة. وحتى القوى الكبرى نفسها لم تعد تملك القدرة ذاتها على فرض نظام إقليمي مستقر كما كان الحال بعد الحرب الباردة.
أمّا فيما يتعلق بإيران، فأظن أنّ كثيرًا من الدراسات العربية تقع في خطأ شائع: التركيز على سؤال ماذا تريد إيران؟ من دون التوقف بما يكفي عند سؤال أعمق: كيف ترى إيران نفسها في هذا العالم أصلًا؟
هذا سؤال مهم جدًّا؛ لأنّ السلوك الإيراني لا يمكن فهمه من خلال المصالح المباشرة أو الحسابات التكتيكية فقط. هناك مزيج معقد من التاريخ الإمبراطوري، والعقيدة الثورية، والشعور بالمظلومية، والهواجس الأمنية، والطموح الجيوسياسي. إيران ترى نفسها دولة مركزية في الإقليم، لكنّها ترى أيضًا أنّها محاصرة ومهددة باستمرار، وهذا التناقض يفسر جانبًا كبيرًا من سلوكها.
أحيانًا ألاحظ أنّ بعض القراءات العربية تتعامل مع إيران كأنّها فاعل عقلاني بارد، أو فاعل إيديولوجي، بينما الحقيقة أنّها تجمع بين الاثنين بصورة معقدة جدًا. هي ليست دولة قومية تقليدية بالكامل، وليست مشروعًا ثوريًّا خالصًا أيضًا. وهذا ما يجعل قراءتها صعبة أحيانًا.
بعد عقد من الآن أتصور أنّ المنطقة ستتجه نحو توازنات أكثر مرونة، وأقلّ حدّة إيديولوجية، لكن ليس بالضرورة أكثر استقرارًا. سنرى على الأرجح تحالفات متغيرة، وأدوارًا أكبر للتكنولوجيا والاقتصاد، وربما تراجعًا نسبيًّا لفكرة الهيمنة الإقليمية المطلقة لصالح إدارة النفوذ والتنافس المرن.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح دول المنطقة في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء نظام إقليمي قابل للحياة فعلًا؟ حتى الآن لا أعتقد أنّ الإجابة واضحة بالكامل.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_10_0_0_1.jpg.webp?itok=0f-1FFDX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lJWyrFd1-PvxSTMILakYA8eUa1rBXRdWb5zTJngd5eReSyCuseMjqeIegNLWjJ9M76g6DqCzwKDppspZax0C5PPtkanTXa2OtXSYPMK97EA1ZOuP4cd7er0SwiyJSgbMKZ_VtUHEG0aSr6Ppfnq6zkFhwcWP5khAAtIjIZ46tnXNCwDgytxO5ljuv5MUG9nb.jpg.webp?itok=91VJ71XV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1_0.jpg.webp?itok=-ZdP-YMY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%B4%D9%81_0_0.jpg.webp?itok=Y7VIkmJL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vaPrwFOUH4VjpQS7EdWqfQSlzEjZMW6VgKxQ0dIaW3PU9U1_hXDHECaeA7BMcMD3flCmwtgfBWFTJOXvdhq8BpAtulu7wH_yZmA8ZCi3xjQDKvS1lGBAcdDp60wTCitbtSrMG80FFolApACEpcdHn_dHMmhNoOj-tdpF9IEMkYCLLXBtRqv4Hpfqs60aLRBX.jpg.webp?itok=y6HtYZa9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8_1_0.jpg.webp?itok=rqVgmbXM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/JZbuG0wQvr6_QiEb7vzOagjG_lB3PfiWhD3ps_yaETI5ABjRM-oCt9h75lWXaCb_FxsDYh6lS4h-NFzg7-lFrokb-yOfmP3Dg2O0xfBtL_qPari8L6-_5QqYAhFScPEQcbBu383xvpyFowtuRJff8Olr_aSbUjWOtf0buA53_y26z4ZFGRnKfmpMZkIOih2W.jpg.webp?itok=TmDbz35q)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_13_0_0.jpg.webp?itok=oTq1LTjX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vnXftEgrfkO1CGM4zGgpuo55bYYqqWhVbB03QWvXHraNNsEDZ2aVBAkUs5c2tU8YcfGycikZJ3jMOhlWlLJq0O-lOyXc0dnbNuOSEjJet2NJ0V3SFV4xt-hJbQFQIeCDow379WL_U-cB-oSyAfJ_qgitFMqtv5XFbMJ-YOK5wHYavNyGtfEhkusfmBbCSYbf%20%281%29.jpg.webp?itok=uooKA4ey)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/JiUmulAvG5TPh8zWyakp-FL14zNIBlm0urf-14t8uLuTK-raq6CwblRh_jdpJgN4u1W7eBtPfANffaupapcJJZO1TW3zzBupUzUBWlWTM-V2sCOwebouZdYNETDEQVld6wcWackNeqBlbAYLWlC1LeqKM9xRt1gPf_vOMN_DhE6BroKywDzD05ULRWTyObEW%20%281%29.jpg.webp?itok=Id8if0dt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/QvGc2o7EX1o2CzIPBgLddiTZQyD71TveweE5qdUtvw1y9WjbEsV3ZpHfeZmFu3s6xbr1ulENRq7kGUCqowKXuh5GHT-PjDP8e1Y7-Sac0Z0i73fKwep0opf9e3DwC4VyPj87bL63fxfNndYQyOsFtBf7P68dYan15WZJnZZjhXYL7VUjxDGS3hWD7g5JqqsI%20%281%29.jpg.webp?itok=O3hK4uqu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_50_1.jpg.webp?itok=DHEZ1fIx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/qEWJqXPGmbzXKM99HPH5psDoGcfN1xchEip4Vg_4mhS25Oty7btQsb2OESdPsk7nNFB6XUh4m05KA7CTNOnKvA1kBqQbzMBN-pZAyjLfkoptmCVaTO5OUmTpK5BN2UQU8dPWJUHegxzzeIIx8Z36EAEH88eFfWPdtnc9GVzFXK1AFwqQ5A_L5B8Mcdv9sVkq%20%281%29.jpg.webp?itok=WX5ijxG7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/tnHVtV6ifw1Ks9JnLeV0tCPmRVjQDFMTxTje9D9EL0nOqB72KQa7KgJr96eNdBDQJ-NJ8OxYm1BdHp2kYKEFLY11v6mVZOd7V4cbdC9BU8pVS6Hx610oNVAaX9k6Q0U6b-URV_Uhevemkz09dRrkqtBdy2PQFc1f3Rt5Qgc0QMj-Zk6wykYSa0E5GkUi-7PL.jpg.webp?itok=iGcjBWTo)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Jl9PyZfh0X4p-IcZLUVNE6P9JjaRoHAhCqawF546FwGtMC1TpgJ2EWlMduYwx0Wc_Hp6B_1WYl_mVQzCBdbqh9_5k4Uiotd8fguW9rLgL-eBbIR4Yc5uv0LqzOEr6SSd8FzvoKxn8JeAJ8ECzpJc8VWGpzQHi1DiOVGFRmviLcNJdUHQcxOiKlRh9ndv2xXQ%20%281%29.jpg.webp?itok=EZ1rThKB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=WOJjHIwZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%87%D9%85_0_0.jpg.webp?itok=U_ZuewlY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9_10_1_1.jpg.webp?itok=KqbN9NCK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_32_0_1.jpg.webp?itok=fuqjBCi5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yrUPkob4ak7vpMn1SRcEv5tLTUYc68C9ITcEMUQsnW4CSvmC3CTwwPnvorMsFp5-THys6D79GxT423FXIRcsE7x1g0q_AwTNmmAHKLQH0Pt47mRP0RA9ty8-tcXFd2mXVGXMCxKD9vD6FgJFrqmIQBIae0768OkQg3VDuw6WJuWusdenrvILUum1CXHtHQGo%20%281%29.jpg.webp?itok=DbY2je40)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5H2mK5LTDe2wX4369ozLuSHhgt7Uhz1SJarKfStYKg91fjJPStY_kRRncOem9zEL8YcqKuG9d95SMGnn1wTFXmbQcYjPVTmQlhQjk9gyNyBj-yHr9rfZPYyW6k9hlqJZ-FzgwoN9VHyhxYs8NrIsoxCfRgN9441gbOxhHVqEOC_JHLzveJHhpu15-n4PQt4O%20%281%29.jpg.webp?itok=GbkwgDN0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)