
لم يعد السجال بشأن الحرب اليمنية محصوراً في البيانات العسكرية والمواقف الدبلوماسية، بل امتد إلى المؤسسات الدينية التي تقدم قراءات متباينة لطبيعة الصراع وشروط إنهائه. وبينما أعلنت القاهرة استعدادها لتقديم الدعم اللازم للسعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، دعا شيخ الأزهر أحمد الطيب إلى تشكيل لجنة وساطة عربية وإسلامية لوقف الحرب، في تزامن يسلط الضوء على تعدد المسارات التي تتحرك من خلالها مصر في إدارة الأزمة.
وفي اليمن، بدت البيانات الصادرة عن هيئات دينية أقرب إلى الخلاف السياسي بين معسكري الحرب منها إلى سجال فقهي مستقل؛ إذ طالبت هيئة علماء اليمن بموقف واضح من سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة، فيما رحبت رابطة علماء اليمن، التي تنشط في مناطق سيطرة الجماعة، بمبادرة الأزهر وحذرت الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من التدخل العسكري.
ويطرح هذا التباين سؤالاً حول الدور الذي يؤديه الخطاب الديني في الصراعات الإقليمية: هل يقتصر على الدعوة إلى وقف القتال، أم يتحول أيضاً إلى وسيلة لمنح المواقف السياسية غطاءً أخلاقياً وشرعياً، والتأثير في تعريف الأطراف المسؤولة عن الحرب وشروط التسوية؟
وجاءت دعوة الأزهر إلى الوساطة في توقيت بالغ الحساسية. ففي 18 أكتوبر، أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري، برئاسة السيسي، تضامن القاهرة الكامل مع السعودية، وتعهد بتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة لحماية أمنها واستقرارها، والدفاع عن مواردها وسلامة أراضيها ومقدساتها الإسلامية. لكنه شدد في الوقت نفسه على تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد والتوصل إلى حلول سلمية للأزمات الإقليمية.
وكان السيسي قد أعلن قبل ذلك استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية حلفائها الخليجيين. وفي اليوم نفسه الذي أصدر فيه مجلس الدفاع الوطني بيانه، دعا شيخ الأزهر إلى تشكيل لجنة عاجلة تضم شخصيات من الدول العربية والإسلامية، للعمل على تقريب وجهات النظر ووقف القتال والتدمير.
ويكشف التزامن عن مسارين متوازيين في الموقف المصري: تأكيد الاستعداد لدعم السعودية في مواجهة التهديدات الأمنية، والإبقاء على باب الوساطة مفتوحاً لتجنب اتساع الحرب. وقد يتيح هذا الجمع للقاهرة مساحة للتحرك بين التزاماتها الأمنية ومخاوفها من كلفة التدخل العسكري، خصوصاً مع ارتباط أمن البحر الأحمر وباب المندب بقناة السويس ومصالح مصر الاقتصادية.
وعلى الجانب اليمني، أظهرت الرسائل المتبادلة أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ وقف الحرب وحده، بل بتعريف طبيعة الصراع والجهة التي ينبغي أن تتحمل المسؤولية عنه.
فقد رحبت هيئة علماء اليمن بدعوة شيخ الأزهر، لكنها حذرت من تحول التهدئة إلى غطاء لاستمرار سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة. وطالبت علماء المسلمين بتوضيح الحكم الشرعي للخروج المسلح على الدولة، وبأن تتضمن الوساطة موقفاً واضحاً يدعم استعادة مؤسسات الدولة اليمنية. كما ثمّنت موقف مصر الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
وبذلك وضعت الهيئة التهدئة ضمن تصور سياسي يبدأ، بحسب موقفها، من إنهاء سيطرة الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة، لا من وقف القتال بمعزل عن أسبابه. ويتقاطع هذا الخطاب مع موقف الحكومة اليمنية والسعودية من الجماعة، لكنه يظل موقف الهيئة نفسها، ولا يكفي وحده لإثبات أنها تتحدث بتكليف رسمي منهما.
في المقابل، رحبت رابطة علماء اليمن في صنعاء بدعوة الأزهر، ودعت إلى أن تقف لجنة الوساطة على مسافة واحدة من الأطراف. لكنها حذرت السيسي من التورط في تدخل عسكري ضد اليمن، وركزت على ما تصفه بالخطر الإسرائيلي، مستحضرة الحرب في غزة والتطورات في لبنان وسوريا.
وتتقاطع هذه اللغة مع رواية الحوثيين التي ترفض تقديم الصراع باعتباره مواجهة بين الجماعة والدولة اليمنية فحسب، وتربطه بالمواجهة الإقليمية مع إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما. وبذلك لا تكتفي الرابطة بالتفاعل مع مبادرة الأزهر، بل تسعى أيضاً إلى رسم الحدود التي ترى أن الوساطة ينبغي أن تتحرك ضمنها.
وتعكس هذه البيانات قدرة المؤسسات الدينية على توسيع المعركة السياسية إلى مستوى المفاهيم والمشروعية. فالدعوة إلى السلام قد تبدو صيغة جامعة، لكن الخلاف يبدأ عند تحديد معنى السلام: هل يكفي وقف الهجمات وفتح باب الحوار، أم ينبغي أن يسبق ذلك موقف من شرعية السلطة والسيطرة على مؤسسات الدولة؟ وهل تعني الوساطة الوقوف على مسافة واحدة من الأطراف، أم أن الحياد يصبح، في نظر أحد المعسكرين، تجاهلاً لفارق المسؤولية بين المتنازعين؟
وتمنح المرجعيات الدينية هذه الأسئلة وزناً يتجاوز الخطاب السياسي المباشر، لأنها تخاطب جمهوراً يتأثر بمفاهيم الواجب والعدل وحرمة الدماء وشرعية السلطة. ومن هنا يمكن للبيانات الدينية أن تؤدي وظيفة موازية للموقف الرسمي: توسيع مساحة التأييد، أو الاعتراض على مسار عسكري، أو تحديد الشروط المقبولة للتسوية.
ومع ذلك، فإن التشابه بين خطاب هيئة دينية وموقف سياسي لا يثبت وحده وجود تنسيق أو توجيه مباشر. كما أن البيانات محل السجال ليست كلها فتاوى فقهية بالمعنى الاصطلاحي، بل تتضمن مواقف سياسية وأخلاقية تستخدم المرجعية الدينية لتفسير الحرب والتأثير في مسارها.
وتظل الخطوة المصرية التالية مؤشراً مهماً على اتجاه الأزمة، بعدما أرجأ مجلس النواب إلى 26 أكتوبر التصويت على تفويض محتمل لدعم السعودية عسكرياً إذا طلبت ذلك. وبينما تتحدد القرارات العسكرية في المؤسسات الدستورية والسياسية، يستمر الخطاب الديني في رسم تصورات الأطراف عن الحرب ومشروعيتها ونهايتها. وهكذا تصبح بيانات العلماء ساحة موازية للصراع، لا لأنها تحسم قرار الحرب، بل لأنها تنازع على المعنى الذي ستُخاض الحرب أو تُنهى باسمه.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_3.jpg.webp?itok=KZZ588Io)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D8%BA%D9%84%D9%8A_4.jpg.webp?itok=UjZdLLZJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%841.png.webp?itok=nwq8Wzqq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1_41.jpg.webp?itok=YPKND63T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_16.jpg.webp?itok=fsYQqBqU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_3.jpg.webp?itok=6htzJ3Po)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_8.jpg.webp?itok=BHvtNmN2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%AA%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_0_3.jpg.webp?itok=L7rfYgOp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_14.jpeg.webp?itok=KAY4rmTp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200_3.jpg.webp?itok=3OqZRePk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_22.jpg.webp?itok=MSXkqIkV)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA_2.jpg.webp?itok=sHPL2DbK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8600_2.png.webp?itok=F3fyxXXC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_10.jpg.webp?itok=n1QF3bgu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%843.png.webp?itok=DQdyvsNz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85.jpeg.webp?itok=ZrkL3mfV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%842.png.webp?itok=qg4TXCst)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%88%D8%B2%D9%8A_2.png.webp?itok=zIM7ZHbc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%A1_0.jpg.webp?itok=zmMt-g73)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_11.jpg.webp?itok=XKFZ_04A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_3.jpg.webp?itok=nAqwYt3Q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_21.jpg.webp?itok=7QoqemGI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_7.jpg.webp?itok=wRDX_4Wm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=SXMpXSdR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_19.jpg.webp?itok=tsPUuxGM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
