الخطاب الديني السلفي وصناعة الأسطورة 2/2

الخطاب الديني السلفي وصناعة الأسطورة 2/2

مشاهدة

19/07/2018

كيف تتم صناعة الأسطورة؟

في الجزء الأول من المقال، تعرضنا للدور الذي تلعبه السردية الأسطورية لقصة "محنة الإمام أحمد بن حنبل" في بنية الخطاب الديني السلفي، وبعض التقنيات التي يتم استخدامها لتحويل "التاريخ" البشري الطبيعي، إلى "أسطورة"، وفي هذا الجزء نستكمل الحديث عن تقنيات "الحذف" و"الإضافة"، التي يستخدمها الخطاب للغرض نفسه.

ثاني هذه التقنيات التي يتبعها الخطاب لخلق قصته الأسطورية، هي: الحذف؛ أي إخفاء الكثير من التفاصيل العادية، أو التفاصيل التي تتعارض مع الرؤية الأسطورية المثالية التي يريد أن يضفيها على الحدث.

وكثير من هذه التفاصيل الأخرى، يمكنك أن تجدها في المصادر التي تنتمي إلى مذاهب أخرى؛ أي التي ليس لديها توجه لتبجيل الحدث؛ بل على العكس، يمكن أن تكون منحازة في الاتجاه المقابل، كالمصادر المعتزلية والمصادر الشيعية.

اقرأ أيضاً: "السلفية المدخلية" في مصر.. التمدّد فوق الركام

يحكي الجاحظ، الأديب والمفكر المعروف والذي كان معتزلياً، كما هو معلوم في كتاب "خلق القرآن"، تفاصيل الأزمة كما عاصرها، وبعد أن ذكر حواراً طويلاً دار بين الخليفة المعتصم وأحمد بن حنبل، قال فيه ابن حنبل كلاماً يفيد تراجعاً غير مباشر عن موقفه، فـ "قيل للمعتصم في ذلك المجلس: ألا تبعث إلى أصحابه حتى يشهدوا إقراره ويعاينوا انقطاعه فيقنض ذلك استبصارهم، فلا يمكنه جحد ما أقرّ به عندهم، فأبى أن يقبل ذلك وأنكره عليهم"[1]، وكان مبرر الخلفية المعتصم الذي ذكره؛ هو عدم رغبته في "فضح" أحمد ابن حنبل، وهو سبب غير حقيقي على الأغلب، بينما الأهم، كان عدم رغبته في الوقوع في حرج مع جماعة العلماء من أهل الحديث، حتى لا يضطر إلى إقامة الحجة عليهم جميعاً، بمعنى عدم رغبته في الدخول في مواجهة مفتوحة مع قطاع أوسع من العلماء، وقد كانت الأزمة قد استفحلت بالفعل، "قال: لا أريد أن أوتي بقوم إن اتهمتهم ميزت فيهم بسيرتي، وإن بان لي أمرهم أنفذت حكم الله فيهم...، وما من شيء أحبّ إليّ من الستر، ولا شيء أولى بي من الأناة والرفق، وما يزال به رفيقاً، وعليه رقيقاً"[2]، والكلام الأخير للجاحظ بالطبع، ويبدو فيه انحيازه لموقف المعتصم.

يتبع الخطاب تقنية الحذف لخلق قصته الأسطورية أي إخفاء الكثير من التفاصيل المتعارضة مع الرؤية الأسطورية التي يريدها

وفحوى الرواية التي يرويها الجاحظ تحمل اتهاماً صريحاً لأحمد بن حنبل "بنفاق العامة"، وعدم رغبته في أن يعلن موقفاً عكس هوى أصحابه وأنصاره، حتى لا يفقد تأييدهم، "وكان آخر ما عاند فيه، وأنكر الحق وهو يراه، أنّ أحمد بن أبي دؤاد (قاضي القضاة) قال له: أليس كلّ شيء إلا قديم أو حديث؟ قال: نعم، قال: أوليس القرآن شيئاً؟ قال: نعم، قال أوليس لا قديم إلا الله؟ قال: نعم، قال فالقرآن إذاً حديث! قال: ليس أنا بمتكلم، وكذلك يصنع في جميع مسائله، حتى كان يجيبه في كلّ ما سأل عنه، حتى إذا بلغ المخنق والموضع الذي إن قال فيه كلمة واحدة برئ منه أصحابه قال ليس أنا بمتكلم! فلا هو قال في أول الأمر لا علم لي بالكلام (أي علم الكلام)، ولا هو حين تكلم فبلغ موضع ظهور الحجة خضع للحق"[3].

اقرأ أيضاً: السلفية الجهادية في الأردن.. منظّرون وتنظيمات

وفي النهاية، يقلل الجاحظ كثيراً من حجم المبالغات التي تناقلها الناس حول تعذيب أحمد بن حنبل، وما رواه الناس عما رآه من أهوال السجن، فيؤكد الجاحظ "أنه لم ير سيفاً مشهوراً، ولا ضرب ضرباً كثيراً، ولا ضرب إلا بثلاثين سوطاً مقطوعة الثمار مشعشعة الأطراف (يعني أنها كانت غير مؤذية) حتى أفصح بالإقرار مراراً، ولا كان في مجلس ضيق، ولا كانت حاله مؤايسة، ولا كان مثقلاً بالحديد، ولا خلع قلبه بشدة الوعيد، ولقد كان ينازع بألين الكلام، ويجيب بأغلظ الجواب، ويرزنون ويخف، ويحملون ويطيش"[4].

شجاعة ابن حنبل ليست دليلاً على صحة موقفه ولا صحة الرأي الذي تبناه بعد ذلك العقل الإسلامي السنّي

وهذا التعنت في النقاش، الذي تتحدث عنه العبارات الأخيرة للجاحظ (ولقد كان ينازع بألين الكلام، ويجيب بأغلظ الجواب)، هو بالفعل ما تلمسه حين تقرأ الأحداث برواية أحمد بن حنبل نفسه، والتي أوردها ابن الجوزي في كتاب "مناقب الإمام أحمد"؛ حيث يقول ابن حنبل: "فجعلوا يناظروني، ويتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئ إليّ بيده"[5]، وكما روى ابن حنبل، كان الخليفة المعتصم يصرح لأحمد بأنّه بشكل أو بآخر متورط في الأمر، حيث استلم السلطة من أخيه المأمون بعد وفاته، والحال على ما هي عليه، وكيف أنه - أي المعتصم- حاول أن يتودد إليه كثيراً، أملاً في أن يساعده ابن حنبل في الخروج من هذا المأزق المحرج عن طريق أن يدفع إليه بمن يناظره مرة تلو أخرى، لكن علي ما يبدو فإنّ أسلوب ابن حنبل في المراوغة ألجأ الخليفة إلى ضربه بالسوط، في محاولة للضغط عليه من ناحية، ومن ناحية أخرى؛ كبديل عن الاضطرار إلى قتله، كما أشار بعض من حضر المجلس من منافقي الخليفة، حيث يحكي الجاحظ: "فمقته الخليفة، وقال عند ذلك: أفٍّ لهذا الجاهل مرة والمعاند مرة"[6].

اقرأ أيضاً: السلفية المغربية.. وتحولات "الربيع" العربي

وتبدو كذلك من رواية الجاحظ؛ أنّه يوجد تراجع ضمني أقرَّ به ابن حنبل لاحقاً، على عكس ما تردد الأسطورة السلفية، وبناء على هذا التراجع الضمني يعلّق الجاحظ، وقد كان فيما يبدو يخاطب بهذا الكتاب رجلاً من أهل الحديث: "وقد كان صاحبكم هذا يقول: لا تقية إلا في دار الشرك، فلو كان ما أقرّ به من خلق القرآن كان منه على وجه التقية، فقد أعمل التقية في دار الإسلام، وقد أكذب نفسه، وإن كان ما أقرّ به على الصحة والحقيقة، فلستم منه، وليس منكم"[7].

وتتوافق هذه الأجزاء الأخيرة من رواية الجاحظ مع رواية اليعقوبي، صاحب التاريخ المعروف الذي كان شيعي المذهب؛ حيث روى أنّه قد "امتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن، فقال أحمد أنا رجل علمت علماً، ولم أعلم فيه بهذا (يشير هنا إلى ما أوضحناه في البداية من احتجاجه فقط بغياب النص المباشر لا أكثر)، فأحضر له الفقهاء وناظر عبد الرحمن بن إسحاق وغيره، فامتنع أن يقول إنّ القرآن مخلوق، فضرب عدة سياط، فقال إسحاق بن إبراهيم: ولِّني يا أمير المؤمنين مناظرته، فقال: شأنك به، فقال إسحاق: هذا العلم الذي علمته نزل به عليك ملك أو علمته من الرجال؟ قال: بل علمته من الرجال، قال: شيئاً بعد شيء، أو جملة؟ قال: علمته شيئاً بعد شيء، قال: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟ قال: بقي عليّ، قال: فهذا مما لم تعلمه وقد علمكه أمير المؤمنين، قال: فإني أقول بقول أمير المؤمنين، قال: في خلق القرآن؟ قال: في خلق القرآن، فأشهد عليه وخلع عليه وأطلقه إلى منزله"[8].

اقرأ أيضاً: "السلفية العلمية" في الأردن.. سلمية تيار متشدد

طبعاً، كل هذه التفاصيل البشرية البسيطة، مثل أسلوبه المراوغ في النقاش، ومثل تراجعه اللاحق ولو بشكل ضمني غير مباشر عن موقفه، لا تذكرها المصادر السنية على الإطلاق، بل وتنفيها نفياً مطلقاً، رغم أنها تتوافق مع النهاية الفعلية للأحداث، حيث أطلق ابن حنبل بالفعل إلى بيته، دون

أن تذكر لنا الرواية السنية كيف تم ذلك، إذا كان قد أصرّ على موقفه، ولا تذكر كذلك لماذا قتل الواثق، ابن المعتصم، بعد ذلك أحمد بن نصر الخزاعي وأربعة نفر آخرين باتهامهم في رفض مقولة خلق القرآن، ولم يتعرض لأحمد بن حنبل!

"الأسطورة" يتم توظيفها لشحن الأتباع الذين سيجد كلّ منهم أية تضحية يقوم بها أمراً هيناً ومن هنا يولد التطرف!

كل هذه التفاصيل البشرية البسيطة التي تحدثنا عنها بالمناسبة لا تعيب ابن حنبل، وليست طعناً فيه، فليس أحمد بن حنبل في النهاية إلا بشر يجوز عليه ما يجوز على الناس كافة، ولا شك كذلك في أنّ ابن حنبل كان أشجع من غيره من العلماء، الذين أجابوا السلطان إلى طلبه مباشرة، وإلا لما ذكره التاريخ دونهم، ولا شكّ كذلك في أنّ محاولة المأمون ومن جاء بعده فرض عقيدة خلق القرآن بقوة الدولة كان خطأ فادحاً، والأدهى تطور ذلك إلى سجن المخالفين وتهديدهم وتعذيبهم، أياً كان حجم هذا التعذيب، لكن من ناحية أخرى، فإن شجاعة ابن حنبل ليست بالضرورة دليلاً على صحة موقفه، ولا على صحة الرأي الذي تبناه بعد ذلك العقل الإسلامي السنّي لقرون طويلة، بسبب "أسطرة" هذه القصة التاريخية، ولا خطأ المأمون ومن جاء بعده يعني بالضرورة خطأ عقيدتهم وتجريمها، واعتبارها "خروجاً عن الملة"، كما استقرّ في الوجدان السنّي أيضاً بعد ذلك، بعد أن سيطر "أهل الحديث" على الأمور مع الخليفة المتوكل.

اقرأ أيضاً: ركائز التأسيس الثاني للإخوان المسلمين.. البحث عن بطل أسطوري

كل ما أردت أن أوضحه هنا؛ هو الطريقة التي يقوم بها الخطاب الديني المؤدلج برسم تفاصيله الخاصة للأحداث التاريخية، والتي يضيف إليها ما يجعلها مبهرة وإعجازية، وينزع عنها كلّ ما يجعلها بشرية وعادية يمكن تصورها في حياة الناس، بحيث تتحول من "تاريخ" إلى "أسطورة" يتم توظيفها لاحقاً لشحن وتعبئة الأتباع، والذين سيجد كلّ منهم أية تضحية يقوم بها، حتى ولو كانت بالنفس ذاتها، أمراً هيناً بجانب هذه التضحيات الأسطورية التي نشأ على سماعها، ومن هنا بالتحديد يولد التطرف!

هوامش:


[1] الجاحظ، عمرو بن بحر، كتاب خلق القرآن، منشور كملحق في: الخيون، رشيد 2011، جدل التنزيل، مدارك للنشر والترجمة، بيروت، صفحة 404.

[2]  نفسه، الصفحة نفسها.

[3]  نفسه، صفحة 405.

[4]  نفسه، صفحة 407.

[5]  ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن، مناقب الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق عبد الله عبد المحسن التركي، صفحة 441.

[6]  الجاحظ، عمرو بن بحر، كتاب خلق القرآن، منشور كملحق في: الخيون، رشيد 2011، جدل التنزيل، مدارك للنشر والترجمة، بيروت، صفحة 405.

[7]  نفسه، صفحة 406.

[8]  اليعقوبي، أحمد بن واضح، 1883، تاريخ اليعقوبي، مطبعة بريل، ليدن، صفحة 576.

الصفحة الرئيسية