"الحظيرة العربية": كيف اضطهدت إيران المكون العربي في خوزستان تحت وطأة "التفريس"

"الحظيرة العربية": كيف اضطهدت إيران المكون العربي في خوزستان تحت وطأة "التفريس"

"الحظيرة العربية": كيف اضطهدت إيران المكون العربي في خوزستان تحت وطأة "التفريس"


19/04/2026

تمثل قضية العرب في إيران، وتحديداً في إقليم "خوزستان" (عربستان تاريخياً)، واحدة من أكثر الملفات إثارة للحرج الإيديولوجي في بنية النظام الإيراني، فهذا الإقليم الذي يضم الرئة الاقتصادية للبلاد يمثل في الوقت ذاته ساحة لمعركة هوية مستمرة منذ أكثر من قرن.

تنطلق مأساة هذا المكون من مفارقة صارخة؛ إذ تدّعي طهران حماية "المستضعفين" ومناصرة القضايا العربية في الخارج، بينما تمارس في الداخل سياسة "الاستعمار الداخلي" تجاه عرب الأحواز.

المشهد هناك ليس مجرد خلاف حدودي أو إداري، بل هو استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تفكيك الكتلة البشرية العربية وتحويلها إلى مجرد "أقلية مبعثرة" في محيط جغرافي تتم إعادة هندسته ديموغرافياً لصالح المركزية الفارسية، وهو ما يضع المنطقة على فوهة بركان من الاحتقان القومي والاجتماعي.

وتضرب جذور الأزمة منذ عام 1925 حين سقطت "إمارة المحمرة" تحت قبضة رضا شاه بهلوي، ليتم طي صفحة الحكم الذاتي لآخر حكامها الشيخ خزعل الكعبي. ومنذ ذلك الحين شرعت الدولة المركزية في تنفيذ خطة "فرسنة" شاملة بدأت بتغيير المسمّى التاريخي من "عربستان" (أرض العرب) إلى "خوزستان". لم يكن هذا الإجراء مجرد تبديل في الأوراق الرسمية، بل كان محاولة لمحور الذاكرة الجمعية العربية وربط المنطقة بهوية قومية إيرانية قسرية.  

شط العرب، الذي كان تاريخياً جسراً للتواصل بين الأحواز ومحيطها العربي في العراق والخليج، تحول في العقيدة الأمنية الإيرانية إلى "جدار عازل" ومنطقة تماس عسكري، ممّا جعل الوجود العربي في الإقليم يُعامل بمنطق "الريبة الأمنية" الدائمة، وكأنّ العربي في أرضه يمثل "آخر" مهدداً للوحدة الوطنية الإيرانية.

لعنة الموارد واقتصاد التهميش

على صعيد الثروة، يغذي إقليم خوزستان الخزينة الإيرانية بنحو 80% من إيرادات النفط وحصة الأسد من الغاز الطبيعي، إلا أنّ هذه الثروة تحولت إلى أداة للقهر لا للتنمية، إذ تُدار المنشآت النفطية العملاقة في مدن مثل عبادان والأهواز كجزر معزولة عن محيطها السكاني.   

وتكشف التقارير الميدانية أنّ نسبة البطالة في أوساط الشباب العربي تتجاوز أحياناً ضعف المعدل الوطني، نتيجة سياسات التمييز في التوظيف التي تمنح الأولوية للقادمين من المحافظات المركزية مثل أصفهان وشيراز.  

هذا الواقع خلق حالة من "الفقر الهيكلي" وسط فيض من الثروة، حيث يرى الأحوازي أنابيب النفط تمر فوق أرضه لتغذي الرفاه في العاصمة، بينما يعاني هو من تدهور البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية، ممّا يكرس شعوراً عميقاً بـ "الاستلاب المادي" الذي يغذي الاحتجاجات المتكررة.

الهندسة الديموغرافية والزحف الاستيطاني

تُعدّ "الهندسة الديموغرافية" أخطر الأدوات التي يستخدمها النظام لتغيير هوية الأرض. فالدولة دأبت على بناء مدن ومستوطنات نموذجية مخصصة لغير العرب، مثل مدينتي "شيرين شهر" و"رامين"، مع تقديم حوافز مالية ووظيفية مغرية للمهاجرين الفرس واللور للاستقرار فيها. يتزامن ذلك مع حملة شرسة لمصادرة الأراضي الزراعية التابعة للقبائل العربية تحت لافتة "مشاريع قصب السكر الوطنية" أو "قانون الأراضي الموات". 

هذا الاقتلاع الممنهج للفلاح العربي من أرضه أدى إلى تدمير النمط المعيشي التقليدي، ودفع بآلاف الأسر نحو "أحزمة البؤس" وعشوائيات المدن الكبرى، ممّا يسهل عملية السيطرة الأمنية عليهم وإذابتهم في واقع اجتماعي غريب عنهم، بهدف خلق واقع ديموغرافي جديد يجعل من العرب أقلية عددية في عقر دارهم.

ثقافياً، يواجه المكون العربي حصاراً يستهدف لغته، بوصفها الحصن الأخير للهوية. فرغم نصوص الدستور الإيراني التي تبيح استخدام لغات الأقليات في التعليم، إلا أنّ التطبيق الفعلي يشهد حظراً صارماً لتدريس اللغة العربية في المدارس الابتدائية والثانوية. يُجبر الطفل العربي على تلقي تعليمه بلغة فارسية يجهلها، ممّا يؤدي إلى فوارق تعليمية هائلة وارتفاع معدلات التسرب الدراسي بين العرب مقارنة بالقوميات الأخرى.

ويمتد هذا الحصار ليشمل الأسماء الجغرافية؛ حيث تم تغيير أسماء المدن من العربية إلى الفارسية، فغدت "المحمرة" خرمشهر، و"الخفاجية" سوسنغرد، و"الفلاحية" شادغان. هذا المسعى يهدف إلى قطع الصلة الرمزية بين الإنسان وجغرافيا مكانه، وتحويل اللغة العربية إلى لغة "منزلية" فقط، فاقدة للقدرة على التعبير السياسي أو الثقافي المؤسسي.

العنصرية البيئية وسياسة "تعطيش الأراضي"

في السنوات الأخيرة برز سلاح "المياه" كأداة قمعية جديدة فيما يسمّى "العنصرية البيئية". قامت السلطات ببناء عشرات السدود على نهري الكارون والكرخة لتحويل مجاريهما نحو المحافظات المركزية العطشى في هضبة إيران الوسطى.  

أدى هذا الإجراء إلى جفاف "الأهوار" (المستنقعات) التي تُعدّ تراثاً إنسانياً وبيئياً مسجلاً عالمياً، وتسبب في نفوق الثروة الحيوانية وتدمير الزراعة. "انتفاضة العطش" في تموز /يوليو 2021 كانت صرخة احتجاجية ضد هذا النهج الذي يرى في مياه الإقليم ملكية خاصة للمركز. إنّ تجفيف الأنهار لا يقتل الأرض فقط، بل يقتل الإنسان الأحوازي عبر تلويث بيئته وتدمير أمنه الغذائي، ممّا يدفعه قسراً للهجرة نحو مدن المركز، وهو ما يخدم في النهاية هدف "التغيير الديموغرافي" الشامل.

القمع الأمني وصناعة الرعب

حقوقياً، يُعامل الإقليم كمقاطعة عسكرية تحت طوارئ غير معلنة. تتصدر خوزستان قوائم الإعدامات السياسية في إيران، حيث تُوجه للناشطين العرب تهم فضفاضة مثل "المحاربة" أو "الإفساد في الأرض". 

وتؤكد منظمات دولية أنّ المحاكمات تفتقر لأدنى معايير العدالة الدولية، وغالباً ما تُبنى على اعترافات تُنتزع تحت وطأة التعذيب النفسي والجسدي. هذا المناخ الأمني الخانق يهدف إلى شل قدرة المجتمع المدني الأحوازي على التنظيم، وتحويل أيّ مطالبة بالحقوق إلى "قضية أمن قومي". 

 القبضة الأمنية الحديدية لا تستهدف الناشطين السياسيين فحسب، بل تمتد لتطال الشعراء والمعلمين والبيئيين، في محاولة لتجفيف المنابع الفكرية والروحية لأيّ حراك يطالب بالاعتراف بالخصوصية العربية.

في المقابل، يصرّ الخطاب الرسمي الإيراني على إنكار وجود "مسألة عربية" في الداخل. تدّعي طهران أنّ التهميش هو نتاج ظروف اقتصادية عامة وعقوبات دولية، وتتهم أيّ صوت أحوازي يرتفع بالمطالبة بالحقوق بأنّه جزء من "مؤامرة صهيونية-أمريكية" أو تحريض من دول إقليمية لتمزيق وحدة البلاد.  

وتستخدم السلطات وجود شخصيات من أصول عربية في مجلس الشورى أو في مناصب محلية كدليل على "الاندماج". إلا أنّ هذا الاندماج الشكلي لا يلامس الجوهر؛ إذ أنّ هؤلاء المسؤولين لا يملكون القدرة على تغيير السياسات الهيكلية التمييزية، وغالباً ما يكون دورهم "وظيفياً" لتجميل وجه النظام وتمرير سياساته المركزية، بينما تظل القاعدة الشعبية العربية تعاني من إقصاء مُركّب يجمع بين العرق والمذهب والطبقة.

ويظل ملف العرب في إيران اختباراً أخلاقياً وسياسياً لمفهوم "المواطنة" في الجمهورية الإسلامية. إنّ السياسات التي تتبعها طهران في الأحواز، من نهب للثروات وتجفيف للأنهار وطمس للغة، لم تنجح في إنهاء الهوية العربية، بل زادت من صلابتها وتحولها إلى "فعل مقاوم". 

إنّ الاستقرار الحقيقي في إيران لا يمرّ عبر تعزيز القبضة الأمنية، بل عبر الاعتراف الصريح بالتعددية القومية وإنهاء عقلية "المركز المتسلط" الذي يرى في الأطراف مجرد خزانات للنفط. وإنّ صرخة الأحوازي اليوم هي إنذار بأنّ "جغرافيا القهر" لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وأنّ الشعوب التي تفتقد للعدالة في توزيع ثرواتها وهويتها ستظل دوماً قنبلة موقوتة في قلب مشاريع الهيمنة الإقليمية. إنّ الأحواز ليست مجرد إقليم حدودي، بل هي ميزان العدالة الذي يكشف زيف الشعارات الأممية لطهران أمام واقع الاضطهاد القومي المرير.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية