الحاكمية: كلمة حق أريد بها باطل

الحاكمية: كلمة حق أريد بها باطل
تحقيقات

الحاكمية: كلمة حق أريد بها باطل


28/05/2018

تحقيقات

بعد تسعة أيام من القتال الدامي بمعركة صفين التي قيل إنها حصدت أكثر من 70 ألفاً من المسلمين في شهر صفر العام 37 للهجرة، اتفق الطرفان على كتابة صحيفة التحكيم حقناً للدماء، ورضي بها علي بن أبي طالب على مضض بعد أن كاد النصر أن يكون حليفه على معاوية بن أبي سفيان، وذلك بضغط من قالوا له من أنصاره "أجب إِلى كتاب الله إذا دُعيت إليه وإلا ندفعك برمتك إلى القوم أو نفعل ما فعلنا بابن عفان"، كان هؤلاء هم ذاتهم من عادوا ليقولوا "أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء" فقال‏ علي:‏ "إنا لسنا حكّمنا الرجال إنما حكّمنا القرآن وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال"، ثم صعد المنبر فذكر أمرهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون‏:‏ لا حكم إلا لله فقال عليّ‏:‏ كلمة حق أريد بها باطل‏.‏

وثبوا من نواحي المسجد يقولون‏:‏ لا حكم إلا لله، فقال عليّ‏:‏ كلمة حق أريد بها باطل

الخوارج.. بداية الفتنة

لم يكد يمضي عام واحد بعد "صفين"، حتى وجد الإمام علي نفسه مجبراً على قتال هؤلاء أنفسهم ممن عُرفوا بالخوارج بعد أن استفحل أمرهم واستحلوا دماء المسلمين ونساءهم وأموالهم باسم "إن الحكم إلا لله"، فكانت معركة النهروان التي أباد فيها معظمهم.

تؤرخ واقعة مجادلة الخوارج لعلي بن أبي طالب لظهور الحاكمية في التاريخ الإسلامي، ورغم ما بذله الخليفة الراشدي الرابع من محاولات لوأد هذه الفتنة بمنطق المجادلة إلا أنّها ظلت تطل برأسها كل ردح من الزمن كما تنبّأ لها، فبعد معركة النهروان جعل علي يمشي بين القتلى منهم ويقول: بؤساً لكم! لقد ضرّكم من غرّكم، واستبشر الناس يقولون: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي قطع دابرهم، فقال: كلا والله، إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، فإذا خرجوا من بين الشرايين فقلَّ ما يلقون أحداً إلا ألّبوا أن يظهروا عليه.

تؤرخ واقعة مجادلة الخوارج لعلي بن أبي طالب لبداية ظهور الحاكمية في التاريخ الإسلامي

شاع مفهوم الحاكمية في الدول الإسلامية والعربية عقب ظهور حركات التحرر من الاستعمار، وقد أصبح مرادفاً للحكم في اصطلاح كثير من المتأخرين، ويراد به عند الإطلاق الشرعي "إفراد الله بالتحكيم والتشريع، وتفويض الحكم إليه في جميع الأمور"، وهو لم يرد صراحة بهذا المعنى ولكن تم استنباطه من نصوص كثيرة في القرآن والسنة، كقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُواْ إِلاّ إِيَّاهُ)، وسوء الفهم الحاصل هذا أدى إلى سلسلة من القناعات المتطرفة أوصلت في النهاية إلى تكفير المجتمعات لدى "الخوارج الجدد" أسوة بأسلافهم نتيجة "الجهل بمقاصد الشريعة، والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت، أو الأخذ فيها بالنظر الأول، ولا يكون ذلك من راسخ في العلم" كما يرى الشاطبي في كتابه الاعتصام.

كتاب "الاعتصام" لأبي إسحق الشاطبي

يقول الدكتور محمد الناصري في كتابه (مفهوم الحاكمية.. من أجل تجاوز إشكالات المفهوم والتوظيف الإيديولوجي) إن الحاكمية الإلهية تُقابل لدى المتطرفين اليوم بالحاكمية الوضعية التي ينتجها الإنسان دون التزام بالشرع الإلهي، "وبما أنّ الحاكمية الوضعية تخالف الحاكمية الإلهية، فإنّ المنطق يتداعى لتترادف الحاكمية الوضعية مع الكفر والشرك، فتتكرس دائرة التناقض ضمن ثنائية حادة، فإما الحاكمية الإلهية وإما الكفر، وعلى هذا الأساس تعد جميع المجتمعات ذات الأنظمة الوضعية مجتمعات كافرة، ولا توسط بين الأمرين".

اقرأ أيضاً: مأزق الدولة والحاكمية في خطاب الإسلام السياسي

ويرى الناصري أنّه بهذا "المضمر الفكري" تتجه بعض الحركات الإسلامية إلى تمييز نفسها عن الآخرين في مجتمعاتنا بوصفها -أي هذه الحركات- مجسدة في ذاتها وتكوينها إطاراً لحاكمية الله؛ أي إنّ في داخلها الحركي يكمن "الخلاص"، فهي دون غيرها "مدينة الله" والآخرون "مدن الشيطان""!

محمد الناصري وكتابه "مفهوم الحاكمية.."

سراب التأويل

اعتمد القائلون بمبدأ الحاكمية برفض أي تشريع وضعي وإدخالها مجال السياسة على تأويلات لبعض الآيات تؤيد ما ذهبوا إليه، جعلت العديد من الشباب بدءاً من نهاية الستينيات ينضمون إلى الجماعات التكفيرية على اختلافها وتعددها، ومن هذه الآيات: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (النساء:65)، وقوله سبحانه: "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ" (المائدة:50)، بعد قوله: "وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ" (49)، ثم قوله تعالى: "َأفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُون"َ (المائدة:50).

شاع مفهوم الحاكمية عقب ظهور حركات التحرر من الاستعمار وأصبح مرادفاً للحكم في اصطلاح الكثيرين

ومن سورة المائدة أيضاً يتم الاستشهاد على الحاكمية بقوله تعالى: "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"(44)، و"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"(45)، و"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"(47).

في مقابل هذا الفهم ظهر في الفكر الإسلامي المعاصر تيار آخر يؤكد أنّ الذهاب بالحاكمية في هذا الاتجاه يؤدي إلى تحريف المعنى القرآني لمصطلح الحكم؛ الذي منه اشتقت لفظة الحاكمية، إلى معنى "موضوع" آخر لم يكن مقصوداً به النظام السياسي أو السلطة السياسية وفق المفاهيم المعروفة اليوم.

اقرأ أيضاً: فريد العليبي: الإسلام السياسي يراوغ وصولاً إلى الحاكمية

وردت الكلمات التي ترجع إلى الجذر (ح ك م) 210 مرات في القرآن الكريم، منها ما يشير إلى الحكمة، وعكس المتشابه، أو بمعنى حكْم الله بين الناس يوم القيامة، مثل قوله تعالى: "فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" (السجدة 25)،  أو بمعنى القضاء بين الناس، مثل قوله تعالى: "لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ" (البقرة 213)، وقوله: "وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" (النساء 58)، وقد يأتي حكْم الله بمعنى القضاء والقدر، مثل قوله تعالى: "فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ" (يوسف 80). وقوله سبحانه: "وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا" (الطور 48).​

تعد الحاكمية أهم المبادئ التي تم الاستناد إليها لتكفير الحكام وأجهزة الدولة والمجتمعات المسلمة نفسها

إن استقراء الكلمات المشتقة من الجذر اللغوي (ح ك م) التي استشهد بها من تبنوا معنى الحاكمية في القرآن الكريم يقود أن دلالاتها تدور حول معنى القضاء والتشريع؛ أي الفصل في المنازعات والخصومات، وكل ما يقع من خلاف بين الناس.

يقول الراغب الأصفهاني في (مفردات ألفاظ القرآن): "حَكَمَ أصله: منع منعاً لإصلاح،.. والحكم بالشيء: أن تقضي بأنه كذا أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه"، ومما يستشهد به الأصفهاني على هذا المعنى الآية 50 من سورة المائدة، ويتابع "ويُقال: حاكمٌ وحكّامٌ لمن يحكم بين الناس، قال تعالى: "وتدلوا بها إلى الحكّام" (البقرة 188)".

غلاف كتاب "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني

ولعل الآية 44 من سورة المائدة هي أشهر ما يتخذه القائلون بكفر من لم يأخذ بمبدأ الحاكمية واتخاذ تشريعات وضعية أياً كانت حتى لما لم يرد فيه نص، يقول الطبري (ت 310هـ): "من حكم بكتابه الذي كتب بـيده وترك كتاب الله وزعم أنّ كتابه هذا من عند الله، فقد كفر"، مختتماً "من لـم يحكم بـما أنزل الله جاحداً به، هو بـالله كافر، كما قال ابن عبـاس لأنه بجحوده حكمَ الله بعد علـمه أنه أنزله فـي كتابه نظير جحوده نبوّة نبـيه بعد علـمه أنه نبـيّ".

ويقول ابن كثير (ت774هـ): "قال ابن طاوس وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، رواه ابن جرير. وقال وكيع، عن سعيد المكي، عن طاوس "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ"، قال ليس بكفر ينقل عن الملة. وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ" قال ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".

اعتمد القائلون بمبدأ الحاكمية ورفض أي تشريع وضعي على تأويلات تؤيد ما ذهبوا إليه

يقول الفخر الرازي (ت606هـ) في تفسيره: "قالت الخوارج: كل من عصى الله فهو كافر، وقال جمهور الأئمة: ليس الأمر كذلك، أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية وقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله، فوجب أن يكون كافراً".

ويبدو من سياق هذه التفاسير وضوح معنى "من لم يحكم بما أنزل الله" أي تركَ "حُكماً" واضحاً أنزله الله في كتابه وذهب إلى غيره، وليس المقصود وضع تشريعات لم ينص صراحة على حكم فيها كآليات تبادل السلطة السياسية وقوانين تنظيم التعاملات بين الناس والدولة ومخالفات السير وحتى التشريعات الرياضية التي تم إدخالها جميعاً تحت هذا الفهم عند بعض التكفييرين.

ومما ينفي أن يكون الحكم مقصوداً به الشأن السياسي والسلطة السياسية أنّ القرآن الكريم عبّر عن هذين المعنيين صراحة بلفظ "الأمر" وليس "الحكم"، كقوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" (الشورى 38)، ومن الواضح أنّ الإشارة هنا إلى شأن دنيوي عام بين المسلمين، وتقول الآية 32 من سورة النمل على لسان ملكة سبأ للملأ من حولها: "أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون"، ليردوا عليها في الآية التالية: "..والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين"، وللتعبير عن أصحاب السلطة السياسية استخدم القرآن أيضاً تعبير أولي الأمر وليس أولي الحكم؛ "يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ" (النساء 59).

في سبيل تكريس الاستبداد

إن الجانب الأكثر خطورة في الحاكمية هو استغلالها السياسي لتكريس الاستبداد باسم تطبيق شرع الله، وذلك بإعطاء صفة المقدس على الحاكم البشري بخلاف المعنى المزعوم للحاكمية، فبقي سؤال من يُمثِّل "حاكمية الله" في الأرض، مشرعاً على احتمالات عديدة راجعة في النهاية إلى فهم بشري يدعي احتكار الحقيقة الكاملة حتى بين الحركات التكفيرية ذاتها، وهذا ما يمكن ملاحظته اليوم مثلاً في تكفير كل من "داعش" و"النصرة" لبعضهما باسم الحاكمية.

"داعش" و"النصرة" يكفر كل منهما الآخر باسم الحاكمية!

لعلّ من عواقب الحاكمية بعد جرائم الخوارج كانت مبدأ الجبرية التي اعتنقها الأمويون ومن بعدهم باعتبار السلطة السياسية ممثلة لحاكمية الله وظله على الأرض، يقول أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام: "وبنو أمية كما يظهر كانوا يكرهون القول بحرية الإرادة لا دينياً فقط ولكن سياسياً كذلك؛ لأن الجبر يخدم سياستهم. فالنتيجة للجبر أن الله الذي يسير الأمور قد فرض على الناس بني أمية كما فرض كل شيء، ودولتهم بقضاء الله وقدره فيجب الخضوع للقضاء والقدر".

غلاف كتاب "ضحى الإسلام" لأحمد أمين

لذلك كانت مسألة الحاكمية في التاريخ الإسلامي مثار جدل ونزاع بين مختلف طوائف المسلمين، كالخوارج والشيعة وغُلاة المكفرين في زماننا ممن أساءوا فهمها ووضعها في غير موضعها، فتحولت، وفق ما يقول الدكتور الحسن العلمي في بحثه (الحاكمية وظاهرة الغلو في الدين) ضمن كتاب (حكم الشرع في دعاوى الإرهاب)، "من "حاكمية الله" إلى "حاكمية الطوائف" التي نصّبت نفسها وكيلاً عن صاحب الشريعة، وأرهجت بذلك بلاد الإسلام فتناً، وانقلبت الحاكمية عندها إلى "كلمة حق أريد بها باطل" كما قال علي رضي الله عنه".

الجانب الأكثر خطورة في الحاكمية هو استغلالها السياسي لتكريس الاستبداد باسم تطبيق شرع الله

وامتداداً لمن سبقها فإنّ حركات الإسلام السياسي كافة نشأت بشكل أساسي على مبدأ الحاكمية، بحجة الاحتكام إلى الله وتطبيق شرعه، لكن الأمر كالعادة لم يخرج عن كونه مطالبة بأن يكون الاحتكام إلى من يعتقدون أنّهم أصحاب الحق في تفسير كتاب الله وتشريعه؛ مما يمنحهم بالتالي الحق الحصري في تمثيل الإرادة الإلهية على الأرض ككل الأنظمة الكهنوتية التي عانت منها البشرية على مر تاريخها.

الحاكمية الجديدة

لم يكن حدود تحكيم الشرع مثار أي التباس أو سوء فهم في صدر الإسلام، والعديد من الباحثين يتجه إلى أنّ الحاكمية ليست مفهوماً أصولياً وإنما أحدثه الخوارج؛ اعتراضاً على واقعة التحكيم ثم أعاد إحياءه في العصر الحديث بهذا اللفظ المحدث (الحاكمية) أبو الأعلى المودودي، الذي يقول في كتابه (الحكومة الإسلامية): "ينبغي علينا لكي نفهم نطاق التشريع الإنساني ومنـزلة الاجتهاد في الإسلام أن ننبه لأمرين: الأول أنّ الحاكمية في الإسلام خالصة لله وحده؛ فالقرآن يشرح عقيدة التوحيد شرحاً بين أن الله وحده لا شريك له، ليس بالمعنى الديني فحسب بل بالمعنى السياسي والقانوني كذلك، فهو الحاكم والمطاع وصاحب الأمر والنهي، والمشرع الذي لا شريك له. يوضح القرآن توضيحاً تاماً حاكمية الله القانونية ويقدمها جنباً إلى جنب مع عقيدة معبوديته الدينية، ويؤكد على أن هاتين الصفتين هما المقتضيات اللازمة لألوهيته تعالى، وأنّ كلاً منهما لا تنفصم عن الأخرى، وإنكار إحداهما يستلزم بالضرورة إنكار ألوهية الله".

أبو الأعلى المودودي

وقد روّج لهذا المفهوم عربياً سيد قطب في مؤلفاته المتأخرة كـ"معالم في الطريق" وتفسيره "في ظلال القرآن"، وسار على نهجه شقيقه محمد قطب وغيره الكثير وخاصة من التيار السلفي.

يقول الشيخ ناصر الدين الألباني -مؤيداً المودودي وقطب فيما ذهبا إليه- في كتابه "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام": "في الوقت الذي علموا فيه - بفضل جهود وكتابات بعض الكتاب الإسلاميين مثل سيد قطب رحمه الله تعالى والعلامة المودودي حفظه الله وغيرهما أنّ حق التشريع إنما هو لله تعالى وحده لا يشاركه فيه أحد من البشر أو الهيئات وهو ما عبّروا عنه بـ"الحاكمية لله تعالى""، ويضيف "في الوقت هذا نفسه فإنّ كثيراً من هؤلاء الشباب لم يتنبه بعد أنّ المشاركة المنافية لمبدأ الحاكمية لله تعالى لا فرق فيها بين كون البشر المتسع من دون الله مسلماً أخطأ في حكم من أحكام الله أو كافر نصّب نفسه مشرِّعاً مع الله وبين كونه عالماً أو جاهلاً كل ذلك ينافي المبدأ المذكور الذي آمن به الشباب والحمد لله تعالى".

 

 

ثم يصل إلى قوله الخطير الذي جرّه عليه هذا الاستنباط "فقد سمعت كثيراً منهم يخطب بكل حماسة وغيرة إسلامية محمودة ليقرر أنّ الحاكمية لله وحده ويضرب بذلك النظم الحاكمة الكافرة وهذا شيء جميل وإن كنا الآن لا نستطيع تغييره بينما هناك في نفوس الكثيرين منا ما ينافي المبدأ المذكور"، واستناداً إلى هذا النص الأخير ذهب التكفيريون إلى أنّ "الشيخ الألباني يقر بكفر الأنظمة التي تحكم المسلمين بغير شريعة الإسلام".

 

 

كل الطرق تؤدي إلى التكفير

تعد الحاكمية أهم المبادئ التي تم الاستناد إليها في تكفير حكام المسلمين، والمنتديات الجهادية وقبلها العديد من الكتب تذهب كلها في هذا الاتجاه وصولاً إلى تكفير المجتمعات المسلمة نفسها وأجهزة الدولة التي يتعاملون معها.

يقول عبد القادر بن عبد العزيز في رسالته المسماة "العمدة في إعداد العدة للجهاد": "ذكرت في الباب الثالث - في واجبات الطائفة المنصورة - جهاد الحكام المرتدين الذين يحكمون بلدان المسلمين بغير شريعة الإسلام، وذكرت هناك فتاوى أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ في تكفير هؤلاء الحكام، ومما قاله الشيخ أحمد شاكر: (أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلدهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربة الوثنية الملحدة؟)، إلى قوله: (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة)".

عبد القادر بن عبد العزيز ورسالته المسماة "العمدة في إعداد العدة للجهاد"

وحتى يتم إدراك خطورة الاستدلالات التي يقود إليها الأخذ بمبدأ الحاكمية يتابع صاحب "العمدة": "فمتى وقع الحاكم في الكفر الصريح كالحكم بغير ما أنزل الله فقد سقطت طاعته وخرج عن حكم الولاية ووجب الخروج عليه.. مما سبق ترى يا أخي المسلم أنه لا مجال للاستدلال بالأحاديث الواردة في أئمة المسلمين في حق هؤلاء الطواغيت المرتدين، وترى كذلك خطورة التلبيس الناشئ عن هذا الاستدلال الذي يترتب عليه صرف المسلمين عن جهاد الطواغيت الواجب عليهم"!

حركات الإسلام السياسي كافة نشأت على مبدأ الحاكمية بحجة الاحتكام إلى الله وتطبيق شرعه

ولعلّ أكثر ما اتكأ عليه المتطرفون في مسألة الحاكمية من كلام المتأخرين رسالة "تحكيم القوانين" الصادرة العام 1960، لمفتي المملكة العربية السعودية الراحل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في أنواع من حكم بغير ما أنزل الله، فاستغلّ كلامه بعض التكفيريين كما فعل عبد القادر بن عبد العزيز في النص السابق، وأبو محمد المقدسي في معظم كتبه ورسائله مثل "الديمقراطية دين".

وكعادة منظري الجماعات التكفيرية في انتقاء النصوص التي تخدم أهدافهم تغاضوا عما ذكره مفتي المملكة الراحل عبدالعزيز بن باز، الذي خالف سلفه في هذه المسألة، وهاجم مَن رجح رأي شيخه مجرداً عن الدليل، إذ يقول رداً على سؤال حول هذه المسألة  في العدد 82 من مجلة الفرقان: "محمد بن إبراهيم ليس بمعصوم فهو عالم من العلماء، يخطئ ويصيب، وليس بنبي ولا رسول. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير، وغيرهم من العلماء كلهم يخطئ ويصيب، ويؤخذ من قولهم ما وافق الحق، وما خالف الحق يرد على فاعله".

رسالة "تحكيم القوانين" للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

بين سيد قطب والمودودي

يدعو سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق" إلى "الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرّد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور، ذلك أنّ الحكم الذي مردّ الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أرباباً من دون الله. إنّ هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان المغتصب وردّه إلى الله، وطرد المغتصبين له، الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم، فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مكان العبيد، إنّ هذا معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض".

غلاف كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب

من جهته يقول المودودي في كتابه  "تدوين الدستور الإسلامي": "تطلق هذه الكلمة (يعني الحاكمية) على السلطة العليا والسلطة المطلقة، على حسب ما يصطلح عليه اليوم في علم السياسة.. وإذا ضربنا الصفح عن كون كل شيء على الحق أو الباطل وعهدنا بمنصب الحاكمية إلى سلطة إنسانية، فهل نضمن بذلك فلاحاً للإنسانية؟.. لا، والله لا يستطيع الإنسان أن يتحمل هذه التبعية الثقيلة على كاهله. وأيما سلطة إنسانية أوتيت مثل هذه الصلاحيات يكن الظلم وينتشر الفساد".

ويتابع: "لأجل كل هذا قد بت الإسلام في مسألة الحاكمية القانونية وقضى أنها لله تعالى وحده، الذي لا يقوم هذا الكون ولا تسير شؤونه إلا على حاكميته الواقعية، والذي له حق الحاكمية على الناس من غير مشارك ولا منازع".

هل كان المودودي "حاكمياً"؟

يبدو كلام المودودي السابق صريحاً في نفي الدور البشري في الحاكمية بالمطلق، وأنّ السلطان السياسي في المجتمع ليس حقاً من حقوق الناس؛ فالحاكم الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، بما يعني أنّ الأمة ليست مصدراً للسلطات، كما تقول معظم الدساتير، ولكن المضي في قراءة كتابه، تصل بالمتلقي إلى نتيجة لا تقبل الجدل بعدم وضوح هذا التصور لديه هو نفسه، أو بالأحرى استحالة تحققه، إذ يقول: "وأما الأمور التي لم ترد فيها أحكام في الشريعة، فللمجلس التشريعي أن يضع فيها القوانين الجديدة جاعلاً نصب عينيه المبادئ الدينية العامة أو يختار فيها من القوانين المدونة في كتب الفقه القديمة"!

اقرأ أيضاً: المودودي: الحاكمية غطاء الانفصال والتمايز

ثم يمضي على هذا المنوال موضحاً: "وأما الأمور التي لم ترد في شأنها عن الشرع قواعد أصولية، فمعنى ذلك أن الله قد خولنا حق التشريع فيها، فللمجلس التشريعي أن يضع فيها بنفسه قانوناً يراه أنسب وأوفق لصالح الناس. بشرط ألا يكون منافياً لحكم أو مبدأ شرعي. فالقاعدة في ذلك أن كل شيء ليس بمحظور فهو مباح".

المودودي يصل في النهاية إلى نسف الحاكمية بمعناها السياسي التي طالما دعا إليها من هلّلوا لكلامه

والعجيب أن المودودي يصل في النهاية إلى نسف الحاكمية بمعناها السياسي التي طالما دعا إليها من هلّلوا لكلامه حين يقول: "فهذا ما كان عليه تصرف الصحابة في أمر تولية رئيس الدولة في عهد الخلافة الراشدة، والظاهر أن الذي أسس عليه بنيان هذا التصرف هو سكوت النبي صلى الله عليه وسلم في باب الخلافة وقول الله تعالى "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" الشامل لجميع شئون المسلمين الجماعية. والذي يثبت من هذه السابقة الدستورية ثبوتاً قاطعاً، هو أن انتخاب الرئيس في الدولة الإسلامية متوقف على رضاء عامة المسلمين ولا يحق لأحد أن يسلط نفسه على رؤوسهم بالقسر والإكراه، ولا اختصاص بهذا المنصب لأسرة أو طبقة خاصة. وينبغي أن يجري الانتخاب برضا المسلمين من غير ما عنف ولا تدليس. أما كيف يتبين رضا عامة المسلمين، فإن الإسلام لم يضع لهذا الغرض طريقاً محدداً، ومن الممكن أن نختار له مختلف الطرق والمناهج على حسب أحوال المسلمين وحاجاتهم بشرط أن نتمكن بهذه الطرق من معرفة الذين يحوزون ثقة جمهور الأمة"!

من الطريف أنّ "خصوم الحاكمية" لن يجدوا خيراً من كلام المودودي السابق في الرد على غلاة الحاكمية ممن جاءوا بعده وخاصة سيد قطب، باعتبار أنّ "الحاكمية التشريعية" من الأمور التي ناط الله تطبيقها وتنزيلها بالأنبياء وولاة الأمر من بعدهم، وأنها مجال اجتهاد بشري وهي مجال تنويع الوسائل وسن القوانين التي تحفظ مصالح الناس.

ما ينفي أنّ المقصود بالحكم السلطة السياسية أن القرآن الكريم عبر عنها صراحة بلفظ الأمر لا الحكم

ولعلّ الدكتور محمد عمارة أبرز من تنبّه إلى هذا التناقض الداخلي في فكر المودودي وإن جاء في سياق الدفاع عنه، وذلك في كتابه (معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام)، إذ يقول : "أما إذا كان النص الشرعي ظني الثبوت أو ظني الدلالة أو ظنياً في الثبوت والدلالة معاً، فإن اختلاف الأفهام وتعدد الاجتهادات وتنوّع الأحكام المستنبطة منه تتسع فيها وأمامها الميادين والآفاق"، بل يؤكد أيضاً أنّ "حكم الشريعة حتى عندما يرد في نص قطعي الدلالة والثبوت فإنه لا يمنع التعددية في فقه النص وفهمه، ومن ثم التعددية في استنباط الحكم من هذا النص والتعددية في نظام الصياغة لهذا الحكم صياغة قانونية".

غلاف كتاب "معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام" لمحمد عمارة

وفي هذا السياق فإنّه حتى بعض الأحكام الشرعية المستقرة كانت منذ صدر الإسلام خاضعة للتغيير باعتبار المصلحة العامة؛ فمن المعروف أن عمر بن الخطاب "جمّد" عقوبة حد السرقة في عام الرمادة، بحكم الشبهة القائمة آنذاك؛ فقد كان الناس في مجاعة؛ فخشي عمر أن يكون هذا السارق مضطراً إلى الطعام ومُنع منه، فتحيّن الفرصة فسرق، لذلك منع هذا الحد.

ينقل الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" عن أبي بكر ابن العربي المالكي قوله: "فأما قولهم لا قول إلا ما قال الله فحق، ولكن أرني ما قال وأما قولهم لا حكم إلا لله فغير مسلم على الإطلاق بل إنّ من حكم الله أن يجعل الحكم لغيره فيما قاله".

غلاف كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي

الصفحة الرئيسية