الجدل حولَ تغيير العاصمة الإيرانية طهران: "ضرورة مُلِحَّة" وإمكانات غير متوفرة

الجدل حول تغيير العاصمة الإيرانية طهران: «ضرورة مُلِحَّة» وإمكانات غير متوفرة

الجدل حولَ تغيير العاصمة الإيرانية طهران: "ضرورة مُلِحَّة" وإمكانات غير متوفرة


25/11/2025

تَجدّدَ النقاش في إيران مُؤخّراً حول ضرورة تغيير العاصمة طهران، وانتقال المؤسسات الحكومية والإدارية إلى جديدة. ومنذ نحو أربعة عقود، يتفاعل ملف نقل العاصمة مع جملة ملفات أخرى، ضاغطة على صانع عاصمة القرار الإيراني في مجالات: البيئة، والمياه، والاقتصاد، والديموغرافيا، ودعوات اللامركزية. 

الجدل الإيراني المتجدد حول نقل العاصمة

قال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في أكتوبر الماضي: إنّ انتقال العاصمة من طهران إلى منطقة أخرى، ما عادَ خياراً مطروحاً على الطاولة إلى جانب عدّة خياراتٍ أخرى، بلْ أصبح ضرورةً لا مناصَ منها، بسبب طبيعة الأزمات التي تواجهها العاصمة طهران. وكان بزشكيان قد أعلن في وقت سابق أنّ استمرار اعتماد طهران عاصمةً لإيران، ما عادَ ممكناً لأسباب موضوعية، وأنّ على الجميع التفكير في بديلٍ لهذه المدينة التي ظلّت عاصمة لإيران منذُ أكثر من قرنين. 

وما اقتصر الحديث حول ضرورة انتقال العاصمة على الرئيس بزشكيان؛ إذْ تكرّر هذا الموقف أيضاً على لسان مسؤولين آخرين في الحكومة الإيرانية، من بينهم نائب الرئيس، محمد رضا عارف، الذي بيّن أنّ الحكومة لن تتردّد في العمل على نقل العاصمة من طهران إلى مدينة أخرى، وأنّ من بين المناطق المرشحة لإنشاء العاصمة الجديدة، منطقة مكران المطلة على بحر عُمان جنوب شرقي إيران، وقَدَّر تكلفة إنشاء العاصمة الجديدة بنحو 25 مليار دولار. 

وركّزت حكومة الرئيس بزشكيان منذ الأشهر الأولى من عملها على موضوع نقل العاصمة. لكنّ الحديث عن انتقال العاصمة ليس جديداً في إيران، وليس مرتبطاً بحكومة بزشكيان؛ فالكلام عن ضرورة انتقال العاصمة التي يبلغ عدد سكانها اليوم نحو 14,5 مليون نسمة (بما في ذلك سكّان الضواحي المحيطة بها) كان قد بدأ في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. إذْ دفعت الأزمات المستفحلة بسبب الحرب الإيرانية - العراقية، وموجات الهجرة، والنزوح الجبري من المدن المنكوبة إلى طهران، حكومة الرئيس الأسبق ميرحسين موسوي إلى بدء دراسات أوليّة حول إمكانية انتقال العاصمة. لتكون النتيجة مقترحاتٍ قدمتها وزارة الإسكان الإيرانية بالبحث عن موقعٍ جديد لإنشاءِ عاصمةٍ إداريّةٍ وسياسيّة للبلاد، على ألّا تبعد عن العاصمة الرّاهنة أكثر من 200 كيلومتر

واقترحت أطراف مختلفة في إيران عدّة مدن ومواقع لاستبدال العاصمة طهران، من بينها: مدينة سمنان، التي تقع على بعد نحو 220 كيلومتراً شرقي طهران. ولمّا عاد الحديث عن انتقال العاصمة في عهد الرئيس حسن روحاني، أُقِرَّ قانون "دراسة إمكانية انتقال العاصمة الإدارية والسياسية من طهران"؛ حيث أوكلت مهمة مناقشة الانتقال إلى "مجلس أعلى لدراسة انتقال العاصمة الإدارية والسياسية" يتكون من: رئيس الجمهورية، وسبعة من أعضاء الحكومة، وأربعة من نواب البرلمان، إلى جانب عُمدة العاصمة طهران، ورئيس المجلس البلدي للعاصمة، وقائد هيئة الأركان المسلحة الإيرانية.

ضرورات مُلحّة تدعم فكرة نقل العاصمة

يأتي الحديث عن ضرورة انتقال العاصمة من طهران إلى مدينة أخرى، نتيجةً لأزمات مُتفاقمة تعيشها المدينة، وتبدو مُستعصية على الحلّ إلى حدٍّ بعيد. وتضع تلك الأزمات المدينة الإيرانية الكبرى على حافّة الانهيار الصّحي والاجتماعي؛ وهو ما يضغط بقوة صانع القرار الإيراني للبحث عن حلول جذريّة لتلك الأزمات، من بينها نقل العاصمة الإدارية والسياسية إلى موقع آخر.

وتعد العاصمة طهران التي يعيش فيها، وفي ضواحيها ما يقارب 20% من الشعب الإيراني، مدينةً ذاتِ كثافةٍ سُكانيّة مرتفعة، لا تتناسب مع البُنية التحتية اللازمة للعيش فيها، خصوصاً على صعيد النقل، والصّرف الصحي؛ وهو ما يُؤدي إلى أزمة تلوث خانقة استعصت على الحلول بالرغم من الجهود التي بُذِلت لتحسين مستوى العيش فيها. وتُظهِرُ الأرقام أنّ سكان طهران يعانون من تلوث الهواء مرة واحدة تقريباً كل ثلاثة أيام، وما عادت تعرف المدينة سوى أياماً قليلة جداً من الهواء النظيف. وفي حين أدّى التلوث إلى 6000 وفاة في العام الماضي، فإنّه يبدو أزمةً آخذة في التصاعُد في الأعوام المقبلة، بسبب مناهج استحصال الطاقة، وسياسات التصنيع في المدينة التي تستوعب 25% من الناتج المحلي الإيراني.

وتبدو الأزمة التي تعاني منها العاصمة أكثر صعوبةً إذا أخذنا بالحسبان قضايا بنيويّة، مثل: شُحّ مصادر المياه، وانزلاق التربة. فعلى صعيد المياه، ثمّة مشكلة حقيقية في تأمين مصادر المياه للعاصمة التي تُظهِرُ الأرقام حاجتها السنوية إلى نحو 1.5 مليار متر مكعب من المياه العذبة (أي ما يعادل 23% من إجمالي مياه الشرب في البلاد). وتُعدُّ طهران من أكثر المدن الإيرانية تعرُّضاً لظاهرة انزلاق التربة، بمعدل سنوي يتراوح بين 20 و25 سنتيمتراً وفق المصادر الرسمية، وذلك في مقابل معدل سنوي عالمي أقلّ من نصف سنتيمتر، ويرتفع هذا الرّقم بشكل مُطرد بسبب تفاقُم الجفاف، والاستهلاك المجحف للمياه للجوفية؛ ما يشكل تهديداً واضحاً للمنشآت المدنية، والبُنية التحتية. 

وإذا وضعنا ذلك إلى جانب أزمات مُضافة أخرى، مثل أزمة الهجرة السنوية إلى العاصمة بمعدل 200 ألف شخص في العام الواحد، وأزمة السّكن في العاصمة؛ حيثُ بلغ سعر المتر المربع من العقار السكني فيها نحو 123 مليون تومان (يبلغ هذا الرقم نحو 10 أشهر من الحدّ الأدنى للراتب)، فيما بلغت نسبة المستأجرين في المدينة حوالي 51% من إجمالي السكان، فيما يعيش نحو 43% من الأسر هناك تحت خط الفقر السَّكني. ويُضافُ إلى كلّ ذلك، أزمة توفير الطاقة الكهربائية والغاز للعاصمة؛ ما يجعل التفكير في نقل العاصمة أمراً ضروريّاً لتفادي الأسوأ. 

إمكانات غير متوفرة، وعقبات سياسية وأمنيّة جمّة

على الرغم من إدراك مُختلف مستويات صُنع القرار في إيران بأنّ مسألة انتقال العاصمة طهران باتت ضرورةً ملحة للغاية، لكنّ اتخاذ القرار بنقل العاصمة لا يبدو قريباً على الإطلاق؛ إذْ يتطلّب نقل العاصمة إلى مدينة أخرى، أو العمل على إنشاء عاصمة جديدة، توفر إمكانات وشروط لا تبدو مُتاحةً في المديَيْن القريب والمتوسط، وذلك لعدّة أسباب، أبرزها الآتي: 

  • ارتفاع التكلفة الماليّة لانتقال العاصمة، وعدم توفر مصادر التمويل. حيث تُظهِر الأرقام الرسمية أن عملية انتقال العاصمة إلى مدينة أخرى، ستكلّف ما لا يقل عن 23 مليار دولار، بينما تُظهر تقديرات غير رسمية بأن إنشاء عاصمة متكاملة جديدة يتكلّف أكثر من ذلك بكثير. وحتى إذا اعتمدنا التقديرات الرسميّة فإن هذا المبلغ يفوق إمكانات الاقتصاد الإيراني الذي عملت الموجات المتتالية من العقوبات والعزلة الاقتصادية على تقليص حجمه إلى 284 مليار دولار. ويعني ذلك أنّ عملية نقل العاصمة سوف تكلف الاقتصاد الإيراني نحو 9% من إجمال إنتاجه المحلي؛ هذا إن لم نأخذ بالاعتبار دراسات أخرى، تُشير إلى أرقام أكبر من ذلك. وتُظهِرُ التجارب الدولية السابقة لنقل العواصم اعتماد العملية على الاستثمارات الخارجية، لكنّ ضآلة توافُد الاستثمارات الدولية إلى الاقتصاد الإيراني تجعل العملية أقرب إلى المُحال.

استمرار التحدّيات البنيويّة المتعلقة بالبيئة والمياه في أيّ عاصمة جديدة. إذْ تبقى أي عاصمة إدارية وسياسية جديدة عرضة لتوافد موجات كبيرة من المهاجرين، بسبب طبيعة النظام السياسي والاقتصادي المركزي الذي تتبناه السلطة في إيران. وستبقى التحديات التي تواجهها العاصمة الإيرانية الراهنة على صعيد توفير المياه وتوفير الطاقة قائمةً، خصوصاً إذا أخذنا بالحسبان أنّ أزمة الجفاف، وشُحّ المياه العذبة، لا تقتصرُ على العاصمة طهران، وإنّما تتجاوزها لتشمل معظم المدن الإيرانية. وعلى الرغم من جاذبية الأحاديث حول نقل العاصمة إلى ضفاف بحر عمان للاستفادة من مصادر المياه هناك، فإن التكاليف المرتفعة لتحلية كمّيات مياه كافية لتأمين احتياجات عاصمة جديدة يجعله مشروعاً طموحاً لا يتناسب مع المعطيات الواقعية للاقتصاد الإيراني.

ويمكنُ إضافة عقباتٍ أخرى، تحول دون انتقال العاصمة، ومن ضمنها: المعارضة الشعبية والنيابية المحتملة للقرار، والتي ستستند إلى اعتبارات مناطقية. كما يمكن الحديث عن  مُعوّقات ومحدّدات ترتبط بالأمن والرّدع الاستراتيجي للعاصمة الجديدة. 

خطط ومقترحات بديلة

في ظلّ كل هذه العقبات التي تجعل فكرة نقل طهران بعيدة المنال إلى حدٍّ بعيد، فإن الأزمات المتفاقمة التي تواجهها العاصمة الإيرانية الرّاهنة من منطلق تمركز الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية فيها، دفعت صانع القرار الإيراني إلى التفكير في وضع خطط بديلة، ومنها:

  • قدَّم بعض الأطراف مُقترحاً لنقل الصلاحيّات من الحكومة المركزية إلى المحافظات، وذلك في إطار تطبيق نمط من اللامركزية الاقتصادية والسياسية، وبما يحدُّ من استمرار الهجرة إلى العاصمة. لكنّ مثل هذا المقترح يعدُّ طموحاً للغاية؛ إذْ من المرجح أنْ تحول الطبيعة الشموليّة للنظام السياسي، والهواجس الأمنية والاعتبارات الأيديولوجية دون إمكانية تحقُّقِه على أرض الواقع.

ولا تزال كُلّ تلك البدائل المطروحة -حتى الآن- مُجرّد مشاريعَ على الورق؛ إذْ لم تتجاوز مستوى الأفكار والمقترحات إلى مستوى التخطيط العمليّاتي، وذلك بسبب المعارضة التي واجهتها تلك المقترحات من الأوساط السياسية، ونواب البرلمان، أو بسبب العقبات الناجمة عن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي الإيراني الذي يرفض بشكل قاطع الاتّجاه نحو اللامركزية من منطلق الهواجس الأمنية، والحساسيّات المتعلقة باحتمالات الانفلات الأمني، أو تعزيز التوجهات الانفصالية لدى المكوّنات الإثنية والعرقية لدى سكّان المحافظات والأقاليم الإيرانية غير الفارسية.

الخلاصة والاستنتاجات

يُمكنُ عَدُّ المواقف التي صدرت عن الحكومة الإيرانية في الآونة الأخيرة حول موضوع نقل العاصمة طهران، مُجرّد محطّة أخرى، من محطّات جدال قديم، يدور حول الموضوع في إيران مُنذ نحو أربعة عقود. ويتواصلُ هذا الجدل حول نقل العاصمة، نتيجة خليط من الأزمات المتفاقمة التي تعاني منها العاصمة طهران، والتي تجعل استمرار العيش فيها أمراً مُستعصياً في حال استمرار تلك الأزمات. ومن المرجّح أنْ يبقى هذا الجدل محصوراً على صعيد النقاشات السياسية، دون أنْ يتجاوزها إلى مرحلة اتّخاذ القرار، وذلك بسبب عقبات عديدة تحول دون ترجمة هذه المقترحات والأفكار إلى خطّة عمليّة. 

وربما دفعت المقاومة التي نتجت عن تلك العقبات، حكومة بزشكيان إلى التّراجع عن الفكرة على لسان المفوض السامي للرئيس الإيراني في مجال تطوير الاقتصاد البحري، ومدير حملته الانتخابية، ووزير الإسكان الأسبق، عبدالعلي زادة؛ حين قال: إن موضوع انتقال العاصمة أصبح خارج أجندة حكومة بزشكيان، وأن الحكومة تركز في الوقت الراهن على حلّ الأزمات التي تعاني منها العاصمة على صعيد المياه والبيئة بواسطة التقنيات الحديثة. 

وفي غضون السنوات القليلة المقبلة، ستكون المؤسسة الرسمية في إيران، مُخيّرةً بين السّماح للأزمات المتراكمة التي تعاني منها الحياة الاجتماعية والاقتصادية في العاصمة طهران بالاستمرار والاستفحال، أو اللجوء إلى سلسلة حلول ميدانيّة، تعمل على تخفيف تلك الأزمات، ومن بينها: تعزيز شبكة النقل العام داخل العاصمة، وتوسيع شبكة النقل بين طهران والمدن المحيطة من أجل إعادة توزيع السكان بين طهران وهذه المدن. إلى جانب العمل على نقل بعض الصلاحيات الإدارية إلى المحافظات والأقاليم، والتأسيس لنظام سياسي لا مركزي، ووضع قيود على الهجرة إلى العاصمة، والعمل بشكل مُتزامن على تعزيز موارد المياه والطاقة، لاسيما الطاقة النظيفة للحدّ من أزمة التلوُّث. وكُلّ ذلك يتطلّب توفر تمويل واستثمارات خارجية لا يبدو أنها ستكون مُتاحةً من دون حلول سياسية، وانفتاح على الداخل والخارج. 

مركز الإمارات للسياسات




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية