الثقافة في محنة.. أم كان الجاحظ يدخن البانجو؟! ‎

الثقافة في محنة.. أم كان الجاحظ يدخن البانجو؟! ‎

مشاهدة

24/12/2018

هذا مدخل مستوحىً من إرث التاريخ الأوروبي في القرن الثامن عشر، حين سعت أوروبا إلى وحدتها، وكانت قد بقيت على قيد الحلم بالإمبراطورية الألمانية أو ما عرف في عصره بـ (الرايخ الألماني)، زمناً طويلاً، منذ عصر الثورات الأوروبية إلى تاريخ الرايخ الثاني في 1871، وخلال كل هذا الزمن الممتد من خسارة ألمانيا في إقامة وحدة إمبراطوريتها كانت قد أحالت فكرة الوحدة إلى إطارها الثقافي، من خلال الاتكاء على الفعل الثقافي القادر على تحقيق استدراك في حياة المجتمع يوجه طاقة الأفراد نحو إعادة إنتاج دورهم وصياغة فعاليتهم وفقاً للمعنى الثقافي العام الذي حدده علماء الأنثروبولوجيا بأنه، والتعريف لـ "بانزيو"، ذلك المجموع الكلي لذلك النسق الكلي من المفاهيم والاستعمالات والتنظيمات والمهارات والأدوات التي تتعامل بها البشرية مع البيئة لإشباع حاجاتها، وكان لألمانيا ما أرادت، استثمرت في الثقافة وربحت، وراهنت على المعرفة فتقدمت وصنعت معجزتها الخاصة.

العرب قدموا نظريات كثيرة في العلم والمعرفة، وأنتجوا مصنفات تملأ عين الشمس ونقلوا وترجموا ومنحوا الكتب وزنها ذهبا

الحديث ليس عن ألمانيا فحسب، الحديث عن عالم لم يرقص مسعوراً حول ذاته المفقودة، ولا خيباته ولا إرثه ولا ميراث الأسلاف، فتلك أشياء لا يمكنها، كما يقول عبدالله العروي، أن تبعث ذاتها تلك من رمادها. لقد كرس العالم المتقدم الثقافة لخدمة مشروعه الحضاري الكبير، وأصبح يقدم كل يوم تكريساً ممنهجاً للمعرفة في سبيل خدمة أغراض التنمية والتطوير والوصول بالغايات الكبرى لديه إلى أقصى حدود الطموح الحضاري، فهو عالم يفرض على المقدمات أن تكون محكومة بنتائجها، وعلى العلم والثقافة والمعرفة أن تكون محكومة باستعمالاتها وآثارها وقدرتها على الخلق والتطوير وصنع الحضارة.

اقرأ أيضاً: مستقبل الثقافة.. تحديات كبيرة وفرص هائلة

ولأننا شعوب لا تكف عن المقارنات، وهذا قد لا يبدو سلبياً دائماً؛ إذ أحياناً تكون المقارنات ضرورة خاصة إذا كانت مقارنات مرجعية؛ لأننا كذلك، فإنّ العرب قدموا نظريات كثيرة في العلم والمعرفة، وأنتجوا مصنفات تملأ عين الشمس، ونقلوا وترجموا ومنحوا الكتب وزنها ذهباً، وقال قائلنا الكبير الذي علمنا البيان والتبيين أبو عثمان الجاحظ أنه "لولا استخدام المعرفة لما كان للمعرفة معنى"، لكن هذه العبارة بقيت مجرد عبارة، ينقصها الاستعمال، تماما كما ينقص مشاريع محمد عابد الجابري ومحمد أركون وجورج طرابيشي وعلي حرب أن تخرج من حيز النظرية إلى الاستعمال، ولعل الأخير، أقصد "حرب" نبش عبارة الجاحظ ذاتها بلغة مختلفة، معتبراً أن المفهوم الثقافي في "مصائر المشروع الثقافي العربي" لا يمكن أن تتحدد ماهيته وهويته دون العمل عليه وتصنيعه بالإحالة أو التطعيم والتهجين أو بالصرف والتأويل أو بالتفكيك وإعادة التركيب، وعندما يتحول المصطلح إلى أداة معرفية فعالة .. ينتقل عبر الفاعلية من كونه مجرد معنى أوَّلي أو تصور ساذج أو مقولة عامة لكي يصبح منهجاً للمقاربة أو صعيداً للفهم أو فرعاً من فروع المعرفة أو نظرية علمية أو صيغة عقلانية أو شخصية مفهومة أو ممارسة فكرية مبتكرة.

اقرأ أيضاً: كأنما قدر الجاحظ أن يموت مرتين وينبعث من جديد

لقد ألف وكتب وساجل وجادل الجابري وأركون وغيرهم كثير، ومضوا، وقال الجاحظ كلمته ومضى، ونحن على ما يبدو حوّلنا كل ذلك السجال إلى خواء وصراخ في واد سحيق، وجعلنا الجاحظ كما لو أنه كان يدخن البانجو لا أنه كان يعلم ويكتب ويضع لنا نظريات في المعرفة والاستعمال الثقافي.

نحتاج أن نعيد الاعتبار للقيمة الثقافية في حياتنا وفي الفعل اليومي العام، من خلال قدرة هذه القيمة على خلق الفكر

نحتاج أن نعيد الاعتبار للقيمة الثقافية في حياتنا وفي الفعل اليومي العام، من خلال قدرة هذه القيمة على خلق الفكر وإنتاج المعرفة واستخداماتها المختلفة حسب فكرة الجاحظ، بالإضافة إلى أنّ القيمة الثقافية ومن خلال الخاصية التراكمية لها والقوة التأثيرية في الأفراد والجماعات والمجتمعات، تستطيع إعادة إنتاج وتوجيه طاقة المجتمعات نحو أهدافها وغاياتها الكبرى، فأزماتنا ثقافية، والمحنة التي دخلها العرب منذ قرون هي محنة ثقافية، لم تسعفنا مئات الأرفف في مئات المكتبات التي تحتفظ بفتوحات المؤلفين والمصنفين من كتاب وأدباء وفقهاء ومحدّثين على تجاوز هذه المحنة، لسبب بسيط وهو أنّ كل هذه الكتلة من التراث التأليفي استعمل فعلاً، ولكن على نحو مغاير لمفهوم الاستعمال الذي ينتج تمايزات ثقافية قابلة للالتقاء والتشارك، بل هو استعمال أنتج تمايزات قابلة دوماً للصراع من أجل مكتسبات أو مصالح سلطوية أو مذهبية شغلت تاريخ العرب منذ عهد الخلافات إلى اليوم.

اقرأ أيضاً: الثقافة الشعبية بين السخط والامتداح.. من يملأ فراغ الهدم؟

أختم هذا المقال بما نبه إليه البروفسور الأمريكي، آلن بلوم، في كتابه "إغلاق العقل الأمريكي"، وهو الكتاب الصادر في العام 1988 محدثاً ضجة في الأوساط الأكاديمية الأمريكية، عن إخفاق التعليم العالي وفشل المدارس في بث الثقافة الأساسية، حيث قال: "إن معاهد الدراسة أصيبت بداء الكسل الفكري فأنتجت جيلاً يفتقر إلى مقومات الحس الحضاري"، لا نريد أن نقول إننا وصلنا حتماً إلى هذا الإخفاق وهذا الافتقار الحضاري المذهل، لكن، علينا على الأقل أن نبدأ من عتبة الإيمان بهذا الخيار الثقافي، وإلا فالأزمة والمحنة الثقافية ستتحول أكثر فأكثر إلى محنة وثقافة قاتلة.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية