التهديدات الإيرانية… بنك أهداف أم بنك رسائل؟

التهديدات الإيرانية… بنك أهداف أم بنك رسائل؟

التهديدات الإيرانية… بنك أهداف أم بنك رسائل؟


01/11/2026

محمد الصالحين الهوني

ليس كل تهديد مقدمة لحرب، كما أن ارتفاع نبرة التصعيد لا يعني بالضرورة أن لحظة الانفجار أصبحت وشيكة. ففي الصراعات الدولية، كثيراً ما تتحول اللغة العسكرية إلى أداة سياسية، ويصبح التلويح بالقوة جزءاً من مفاوضات لا تجري بالضرورة حول طاولة، بل عبر الرسائل والتحذيرات واستعراض القدرة على إلحاق الضرر.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التهديدات الإيرانية الأخيرة بتوسيع بنك الأهداف ورفع مستوى الرد على أي هجوم أميركي أو إسرائيلي. فطهران لا تتحدث عن مواجهة محدودة أو رد رمزي، بل تحاول ترسيخ معادلة تقول إن أي ضربة ضدها لن تبقى محصورة في حدود الجغرافيا الإيرانية، وإن كلفتها قد تمتد إلى مصالح وقواعد وممرات حيوية في المنطقة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نحن أمام بنك أهداف يجري الإعداد لاستخدامه، أم بنك رسائل يراد به تعديل حسابات الخصم قبل أن يضغط على الزناد؟

يبدو أن الهدف الأول من الخطاب الإيراني ليس إعلان الحرب، بل منع وقوعها وفق شروط الخصم. فالدول التي تتجه إلى مواجهة مفتوحة تحتاج عادة إلى تهيئة داخلية وميدانية، وإلى حشد مواردها وتحديد أهدافها العملياتية. أما طهران، في خطابها الحالي، فتركز على العواقب والكلفة أكثر من تركيزها على توقيت العمليات أو تفاصيلها. إنها تريد إقناع واشنطن وتل أبيب بأن الضربة التي قد تبدو سهلة من الناحية العسكرية لن تكون بالضرورة سهلة في نتائجها السياسية والاقتصادية والأمنية. فامتلاك القدرة على الرد، أو إقناع الخصم بوجودها، يصبح جزءاً من الردع، حتى إن لم تستخدم تلك القدرة فعلياً. وبذلك يتحول التهديد إلى وسيلة لإغلاق الطريق أمام الحرب، أو على الأقل لجعل قرار إشعالها أكثر تعقيداً.

لكن توسيع بنك الأهداف يحمل رسالة تتجاوز إسرائيل، وتتجه في جوهرها إلى واشنطن. فإيران تدرك أن القرار الأميركي لا يتحدد فقط بمدى القدرة على توجيه ضربة عسكرية، وإنما بحسابات ما سيترتب عليها: حجم الرد المتوقع، ومصير القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، وتأثير التصعيد في أسواق الطاقة، واحتمالات انجرار الحلفاء إلى مواجهة أوسع. ولهذا تحاول طهران نقل النقاش من سؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران؟ إلى سؤال أكثر إحراجاً لصانع القرار الأميركي: كم ستدفع الولايات المتحدة وحلفاؤها إذا فعلت ذلك؟ فالردع لا يبدأ عند إطلاق الصواريخ، بل عندما تصبح كلفة القرار جزءاً من القرار نفسه.

وهنا تظهر أهمية الجغرافيا الإقليمية. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى مواجهة مباشرة ومتكافئة مع الولايات المتحدة كي ترفع كلفة الحرب؛ يكفي أن تجعل مصالح واشنطن وشبكة وجودها العسكري في المنطقة جزءاً من الحسابات. غير أن هذه الإستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة، لأن توسيع دائرة الرد قد يحول أي مواجهة ثنائية إلى أزمة إقليمية يصعب ضبط مساراتها. فكلما اتسعت قائمة الأهداف المحتملة، ازدادت احتمالات سوء التقدير، وارتفع خطر أن يؤدي هجوم محدود إلى سلسلة من الردود المتبادلة التي لا يملك أي طرف ضماناً كاملاً للتحكم في نهايتها.

وتجد دول الخليج نفسها في قلب هذه المعضلة، حتى عندما تؤكد طهران أنها لا تستهدف دول الجوار ولا تسعى إلى الإضرار بها. فالفصل النظري بين استهداف المصالح والقواعد الأميركية واستهداف الدول التي تستضيف هذه المنشآت ليس سهلاً في الواقع العملي. إذ قد تقع القواعد والمنشآت العسكرية ضمن نطاق جغرافي يرتبط مباشرة بأمن الدولة المضيفة، كما أن أي تصعيد واسع قد ينعكس على المطارات والموانئ والممرات البحرية ومنشآت الطاقة والاستثمارات. ولا يتوقف الخطر عند احتمال تعرض منشأة بعينها لهجوم، بل يمتد إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل والطاقة، وتراجع ثقة الأسواق، واضطراب حركة التجارة. وهذا يعني أن المنطقة قد تدفع ثمناً اقتصادياً وأمنياً حتى من دون أن تكون طرفاً مباشراً في قرار الحرب.

ومن هنا، فإن القلق الخليجي لا يرتبط فقط باحتمال اندلاع المواجهة، بل باتساع جغرافيتها الاقتصادية. فدول المنطقة التي بنت نماذج تنموية واستثمارية على الاستقرار والانفتاح تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على علاقاتها الأمنية مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تتجنب التحول إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران؟ وكيف تحمي مصالحها من دون أن تنجر إلى مواجهة لا تخدم حساباتها؟ إن دول الخليج لا تريد حرباً جديدة، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل المخاطر التي يفرضها خطاب يضع القواعد والممرات والمنشآت الحيوية ضمن معادلة الردع المتبادل.

ومع ذلك، فإن استمرار طهران في التلويح بالرد لا يعني أنها أغلقت باب التفاوض. بل إن الجمع بين التصعيد والقبول بالوساطات يعكس استراتيجية مزدوجة: رفع كلفة المواجهة من جهة، والإبقاء على قنوات الاتصال من جهة أخرى. فالوساطات القطرية وغيرها من التحركات الدبلوماسية تكتسب أهميتها من أنها توفر للطرفين مساحة لتبادل الرسائل واختبار الشروط من دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات علنية قد تُفسر داخلياً باعتبارها تراجعاً. ولا يبدو هذا السلوك متناقضاً؛ فالتفاوض في مثل هذه الظروف لا ينفصل عن استعراض القوة، بل قد يصبح امتداداً له بوسائل أخرى.

تريد إيران أن تدخل أي مسار تفاوضي وهي قادرة على القول إن تجاهل مطالبها قد يفتح أبواباً لا تستطيع واشنطن التحكم فيها بالكامل. وفي المقابل، تستخدم الولايات المتحدة العقوبات والضغط السياسي والعسكري لإظهار أن استمرار المواجهة الاقتصادية والاستراتيجية سيجعل كلفة الرفض الإيرانية مرتفعة. وهكذا يجد الطرفان نفسيهما في سباق لتحسين الموقع التفاوضي، لا في سباق عسكري فحسب. فواشنطن تريد انتزاع تنازلات أكبر في الملفات التي تعتبرها مرتبطة بأمنها وأمن حلفائها، بينما تسعى طهران إلى منع تحويل الضغط إلى استسلام، وإلى انتزاع ضمانات أو مكاسب تخفف من عزلتها وتحد من قدرة خصومها على استهدافها.

المشكلة أن هذه اللعبة تنطوي على تناقض يصعب تجاهله. فكل طرف يريد أن يبدو مستعداً للذهاب بعيداً كي يقنع الآخر بالتراجع، لكنه لا يريد بالضرورة دفع ثمن مواجهة شاملة. والتهديد الذي يُستخدم لإقناع الخصم بالتفاوض قد يتحول، إذا أسيء تفسيره، إلى سبب إضافي للتصعيد. كما أن كثافة الرسائل العسكرية قد تضيق هامش المناورة أمام القيادات السياسية؛ إذ يصبح التراجع عن تهديد معلن مكلفاً داخلياً، ويصبح الرد على حادث محدود ضرورة للحفاظ على صدقية الردع، حتى عندما لا يكون الرد هو الخيار الأكثر عقلانية.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية