التنافس الفرنسي التركي المتصاعد في أفريقيا... صراع النفوذ العسكري والاقتصاد والقوة الناعمة

التنافس الفرنسي التركي المتصاعد في أفريقيا... صراع النفوذ العسكري والاقتصاد والقوة الناعمة

مشاهدة

17/05/2021

تسعى تركيا للاحتفاظ بمكانتها ضمن الاقتصادات الـ20 الأكبر على مستوى العالم، مع تطلع للصعود إلى مصافّ الاقتصادات الـ10 الأكبر في العالم، وهو ما يتطلب مزيداً من التوسّع في الاستثمارات  والصادرات حول العالم باستمرار، والتوجّه نحو أسواق جديدة مهيأة، وفي حاجة لاستقبالها.

وتبدو الأسواق الأفريقية بحكم كونها ضمن الاقتصادات النامية من أفضل الوجهات، إلا أنها ساحة تعرف مزاحمة من قبل منافسين آخرين، وفي مقدمتهم فرنسا، صاحبة الحضور الواسع هناك منذ الحقبة الاستعمارية.

الاستثمارات ومشاريع البنى التحتية... حضور متزايد

بحسب تقديرات منظمة "أونكتاد"، فإنّ إجمالي استثمارات تركيا القائمة في أفريقيا قُدّرت مع نهاية العام 2019 بنحو 100 مليار دولار، وبلغ عدد المشروعات التي أنجزتها تركيا خلال فترة 15 عاماً، منذ العام 2005، أكثر من (1150) مشروعاً، بقيمة إجمالية ناهزت 65 مليار دولار.

محطة توليد كهرباء عائمة في غانا تابعة لشركة كارباورشيب التركية

وشملت مشاريع الشركات التركية مجالات عديدة؛ من البنى التحتية، إلى إنشاء الموانئ، إلى تشييد الطرق والسدود. وتبدو دولة السنغال نموذجاً واضحاً لمدى التغلغل والتصاعد للاستثمارات التركية في أفريقيا خلال الأعوام الأخيرة، فقد حصلت الشركات التركية هناك على عطاءات خلال الأعوام الـ5 الأخيرة بقيمة إجمالية وصلت إلى نحو 700 مليون دولار، كـ: مشروع مطار "بليز دياغني" الدولي، ومركز المؤتمرات الدولي، وتشييد خطوط السكك الحديدية، ومشروع المدينة الجديدة قرب العاصمة السنغالية داكار، وبدأت في العام 2017 شركة "توسيالي" التركية للحديد والصلب بالاستثمار في السنغال، وهي الشركة التي كانت قد دخلت القارة الأفريقية منذ أن بدأت بالاستثمار في الجزائر في العام 2013.

جاءت الاتفاقية العسكرية التركية مع النيجر لتزاحم النشاط العسكري الفرنسي في الساحل الأفريقي

وقد برز الحضور التركي المتزايد في أفريقيا على مستوى الطاقة، وتوسع حضور شركة "كارباورشيب" التركية المتخصصة في مجال محطات توليد كهرباء العائمة، وباتت تزوّد عدداً كبيراً من الدول الأفريقية بالكهرباء، إذ تمدّ الشركة اليوم دولة غامبيا بـ (60%) من احتياجاتها من الكهرباء، وفي غانا تقدر مساهمتها بـ (26%)، و(100%) في غينيا بيساو، و(10%) في غينيا، و(10%) في موزمبيق، و(15%) في السنغال، و(80%) في سيراليون، و(10%) في السودان، و(16%) من احتياجات زامبيا. وفي ليبيا تنتج شركة "تشاليك إنرجي" التركية قرابة (6%) من احتياجات الكهرباء في الغرب الليبي، في حين أنشأت مؤخراً شركة "إنكا" التركية محطات طاقة كبيرة هناك، تتهيأ للدخول في مرحلة الإنتاج.

اقرأ أيضاً: بعد القوقاز وأفريقيا.. تركيا تعزز نفوذها في آسيا الوسطى

وبدأت الاستثمارات التركية تنفذ إلى صناعات حيوية في أفريقيا، ففي عام 2016 افتتحت شركة المقاولات التركية "إنجي"، بحضور الرئيس التركي أردوغان، مصنعاً للخرسانة في إقليم "أتاكوب" في ساحل العاج، بات إنتاجه اليوم يغطي نحو (40%) من إجمالي احتياجات سوق البناء في ساحل العاج.

مزاحمة الاستثمارات الفرنسية

هذا الحضور المتصاعد وضع تركيا في مواجهة مباشرة مع فرنسا وشركاتها، التي حظيت دائماً بنصيب الأسد في الاستثمارات وعلى صعيد أرقام التبادل التجاري مع الدول الأفريقية، وهو الحضور الذي يعود إلى زمن كان فيه عدد كبير من الدول الأفريقية خاضعاً لحكم الاستعمار الفرنسي، حتى مطلع عقد الستينيات من القرن الماضي.

تتواجد خدمات شركة الاتصالات الفرنسية أورانج في 17 دولة أفريقية

وتسيطر الشركات الفرنسية على عدد من القطاعات الحيوية كالطاقة، والاتصالات، والمقاولات، والنقل، وتتواجد خدمات شركة الاتصالات الفرنسية أورانج في 17 دولة أفريقية، ويفوق عدد عملائها فيها 120 مليوناً. أمّا شركة توتال الفرنسية، فتعتمد على أفريقيا في (28%) من إنتاجها للغاز والنفط، وتتولى شركة "فولتاليا" تشييد وتشغيل محطات الطاقة الشمسية في عدد من الدول الأفريقية، وتقوم شركتا "شنايدر إلكتريك" و"أوربان سولار" الفرنسيتان بمدّ شبكات الكهرباء، إلى جانب تدشين مشاريع الطاقة المتجددة، ويحضر اسم مجموعة شركات فرنسية على صعيد المقاولات، كـ: "فانسي كونسينيون"، و"سوجا"،  و"ساتوم"، و"ميريديان"، إذ تُحال إليها مناقصات إنشاء مشاريع البنى التحتية كالسدود وشبكات الطرق، وتحضر مجموعة "ترانسديف" على صعيد تطوير وإنشاء شبكات النقل العام بما في ذلك سكك حديد.

صراع على النفوذ العسكري

لم يتوقف التمدد التركي في القارة السمراء على مستوى الحضور الاقتصادي، وإنما برز كذلك على الصعيد العسكري، وبدأ هذا الحضور يتصاعد بشكل لافت في العام الماضي، 2020، وبالتحديد مع زيارة وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو إلى النيجر، في تموز (يوليو) 2020، والإعلان الذي رافق الزيارة عن توقيع اتفاق عسكري بين تركيا والنيجر، وهو الاتفاق الذي من شأنه السماح لتركيا بإنشاء قاعدة عسكرية في دولة أفريقية جديدة، هي النيجر. جاء هذا التعاون تحت عنوان مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية، إلا أنّ الراجح أنه يحمل أهدافاً قد تتجاوز تلك النطاقات، وخاصة فيما يتعلق بدعم التوجهات والتحركات التركية في ليبيا.

قوّات صومالية تتلقى التدريبات في القاعدة العسكرية التركية بالصومال

وقبل ذلك بأشهر، كان التحرك التركي باتجاه ليبيا، إثر التوقيع مع حكومة طرابلس على اتفاقية للتعاون الأمني في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، تلاها قيام تركيا بإرسال مساعدات عسكرية وإرسال مستشارين أتراك لدعم قوات الوفاق الليبية، ومن ثم تمركز الوجود العسكري التركي في قاعدة الوطية الجويّة.

اقرأ أيضاً: هل ستكون أفريقيا ساحة الجهاد العالمية؟... مؤشرات جديدة تجيب

وكان التواجد العسكري التركي في أفريقيا قد بدأ من جهة الشرق، من الصومال تحديداً، مع تشييد تركيا قاعدة عسكرية في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، ومن ثم كان التوجّه في العام 2018 لإيجاد موطئ في السودان، وتحديداً في جزيرة سواكن، قبل أن تنتكس المساعي تلك إثر الإطاحة بنظام عمر البشير في ربيع العام 2019، إذ قام النظام الجديد بإلغاء الاتفاق مع الجانب التركي.

في دول غرب أفريقيا تعمل تركيا على بث دعاية مضادة لفرنسا بالاستناد إلى الصورة السلبية المرتبطة بالتاريخ الاستعماري

ويأتي هذا الحضور العسكري التركي المتزايد ليزاحم الوجود العسكري الفرنسي صاحب الحضور الأهم على مستوى القارّة، حيث توجد قواعد عسكرية فرنسية رئيسية في كل من جيبوتي، والسنغال، والغابون، وكذلك في جزيرة ريونيون الفرنسية في المحيط الهندي بالقرب من سواحل جزيرة مدغشقر. وقد شهد العقد الأخير حضوراً عسكرياً فرنسياً واسعاً في دول ما يعرف بـ "الساحل الأفريقي" (وهي: تشاد، والنيجر، ومالي، وبوركينافاسو، وموريتانيا)، وذلك منذ تدخّل القوات الفرنسية ضد حركة الانفصال في أزواد، شمال مالي، ومن ثم أطلقت القوّات الفرنسية عملية "سرفال" عام 2013، تلتها عملية "برخان" عام 2014، والتي ما تزال مستمرة إلى الآن، ويشارك فيها نحو (4500) جندي فرنسي ينتشرون في دول الساحل، وذلك تحت عنوان مكافحة الحركات الإرهابية. وجاءت الاتفاقية العسكرية التركية مع النيجر (إحدى دول الساحل) تحديداً لتزاحم النشاط العسكري الفرنسي هناك، وهو ما أثار القلق والانزعاج الفرنسي.

الصراع على المستوى الناعم

تتمتع الشركات الفرنسية العاملة في أفريقيا بمزايا عديدة، يأتي في مقدمتها انتشار اللغة الفرنسية، وخاصة في غرب وشمال القارّة، وتضمّ المنظمة الفرنكوفونية، التي تشمل الدول الناطقة بالفرنسية، 30 دولة أفريقية. وفي مواجه هذا الواقع، بدأت تركيا بمساعٍ حثيثة لنشر اللغة التركية بين الأفارقة، والاعتماد الأساس في ذلك هو على معاهد "يونس إمرة" المخصصة لنشر اللغة والثقافة التركية.

طلاب سنغاليون يدرسون اللغة التركية بمعهد يونس إمرة في داكار

وتوجد هذه المعاهد اليوم في كل من السودان، والمغرب، ومصر، وتونس، والسنغال، وجنوب أفريقيا، ويخطط المعهد لافتتاح مراكز جديدة قريباً في كل من: العاصمة النيجيرية أبوجا، والعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والعاصمة الكينية نيروبي، ودار السلام عاصمة تنزانيا. ويتولى المعهد تدريس اللغة التركية في 3  جامعات إثيوبية، يدرس فيها نحو 2000 طالب اللغة التركية.

وعلى مستوى آخر، كثّفت تركيا من استقطاب الطلاب الأفارقة إلى الجامعات التركية، وذلك عبر تخصيص المزيد من المنح للدول الأفريقية من قبل وزارة التعليم التركية.

من خلال مساعداتها المتصاعدة في أفريقيا، بدأت الوكالة التركية (تيكا) بمزاحمة مساهمات الوكالة الفرنسية للتنمية في القارة

وفي دول غرب أفريقيا ذات الغالبية المسلمة تعمل تركيا على بثّ خطاب يقوم على استغلال البعد الإسلامي، مع بثّ دعاية مضادة لفرنسا بالاستناد إلى الصورة السلبية المرتبطة بالتاريخ الاستعماري الفرنسي في تلك البلدان، وهو ما أدانه صراحة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلة مع مجلة "جون أفريك" الفرنسية أواخر العام 2020م، حين اتهم تركيا بأنها (تستغل المشاعر القومية والإسلامية لحشد سكان المنطقة ضد "المحتل الفرنسي السابق").

وضمن مستوى النفوذ الناعم كذلك، سعت تركيا لمضاعفة حجم المساعدات التي تقدّمها للدول الأفريقية، وذلك إثر الإعلان التركي بأنّ العام 2005 هو عام الانفتاح على أفريقيا، إذ زار رئيس الوزراء التركي في حينه، رجب طيب أردوغان، كلاً من إثيوبيا وجنوب أفريقيا، وعقب ذلك افتحت وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) مكتبها الأول في أفريقيا بإثيوبيا، ومن ثم تلته مكاتب في السودان والسنغال، وتشمل المساعدات التي تقدمها "تيكا" في أفريقيا مجالات الصحة، والتعليم، والزراعة، والمياه، والصرف الصحي، والمساعدات الإنسانية. وفي العام 2013 حصلت أفريقيا على قرابة ربع المساعدات التي تقدمها الخارجية التركية بمبلغ إجمالي فاق الـ (781) مليون دولار.

وعبر هذه المساعدات بدأت الوكالة التركية بمزاحمة مساهمات الوكالة الفرنسية للتنمية في القارّة، والتي تشير الإحصاءات إلى أنها كانت قد خصصت نحو (36.5%) من إجمالي مساعداتها المقدمة حول العالم في العام 2014 للقارة الأفريقية، بقيمة إجمالية ناهزت 3 مليارات دولار.

انعكست نتيجة هذا التنافس المتصاعد عبر تصريحات ومواقف فرنسية متكررة نددت بالسياسات التركية، وخاصة في ليبيا وشرق المتوسط، وهو ما أعقبه توتر واضح وتبادل للتصريحات المنتقدة بين مسؤولي البلدين خلال العام 2020، وصلت حدّ اتهام أردوغان لماكرون بأنه "مريض نفسياً"، وامتد الخلاف ليتقاطع مع تصعيد وتنديد تركي واسع بخصوص ما تم اعتباره أنه هجمات من قبل الصحافة الفرنسية والرئيس ماكرون على الإسلام. وبالرغم مما وصله مستوى وشكل الخلافات إلا أنّ العودة إلى الجذور الكامنة في التنافس على النفوذ في القارّة السمراء تبقى الأقدر على التفسير ورسم الأبعاد الكاملة للصورة.

 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية