التعصّب غولٌ يؤمن أنه ابن الدين

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
8109
عدد القراءات

2017-11-08

كان التعصبُ عبر العصور محرك اللاتسامح.  مصطلح التعصب Fanatism في اللغة اللاتينية كان يشير في الأصل إلى النشوة العميقة التي كانت تميّز كهنة مئات الآلهة الوثنية، الذين كانوا بعد دخولهم في حالة جذبٍ يسُوطُون ويجلدون ويجرحون أنفسهم، ويُشوّهون ويُدمُون أجسادهم، تعبيرًا عن استسلامهم الكلي للآلهة. ونجد أمثلةً على هذا التعذيب المقدس في القصة التوراتية لأنبياء البعل الـ 450 على جبل الكرمل. وفي وقتٍ لاحق أصبح التعصبُ مرادفًا لوجدٍ عنيفٍ وعدائي وغير متسامح، دفاعًا عن معتقدٍ ديني، أو سياسي، أو غير ذلك.
بدأ فكُّ التشفيرِ السيكولوجي للتعصّب في نهاية القرن الثامن عشر من خلال كتابات فلاسفة عصر التنوير. وفي القرن التاسع عشر بدأ الأطباءُ المختصون بعلاج المجانين يهتمّون بالآليات المرتبطة بولادة العقلية المتعصّبة. ففي رأي بعض الأطباء النفسيين يُشكل التعصبُ اضطرابًا عقليًا حقيقيًا يشهد على تدهورٍ في الحُكم الرشيد. واعتبَر جوستاف لوبون أن هناك صلةً وثيقة بين التعصّب وسلوك الحشود الخاضعة لتأثيرِ إيحاءاتٍ قويّة المفعول. ومن وجهة النظر هذه صار التعصبُ بالنسبة لِـ لوبون ذا طبيعة دينية. فهو مُتجذّر في المعتقدات التي تقاوم أيّ نقاش مطروح، سواء كانت هذه المعتقدات دينيةً خالصة، مثل معتقدات محاكم التفتيش، أو معتقدات عِلمانية، مثل معتقدات يعاقبة (أو يعقوبيّي) الثورة الفرنسية. كان أيّ مؤسسٍ لعقيدة دينية، أو زعيم لأي حركة سياسية يستطيعان أن يفرضا على الجماهير الشعبية شعورَ التعصب المقدس. فالإنسان العالق في الصهارة الجماعية يعتقد أنه يجد السعادة في الولع والافتتان والعبادة، وعلى استعدادٍ لأن يضحي بحياته من أجل معبودِه.
استمر التعصبُ الديني في عصر العقلانية الوهمية والحداثة. إذ صارت الحشود الكافرة لا تقل تعصّبًا وتطرفًا عن الجماهير المؤمنة. جوستاف لوبون، في سيكولوجية الجماهير (1895) ماثل بين الإلحاد، والحروب الدينية والإرهاب.

الشخص الذي يعتنق التعصبَ لا يعِي العناصرَ الهيكلية القديمة التي تكشف عن أصولِ سلوكه. فلهذا السبب سيربِط المتعصبُ عملَه بالربّ

ومن منظور التحليل النفسي، يمكن فك شفرةِ التعصب باعتباره تدميرية مكثفة وعنيفة موجَّهة ضد "فكرة سيئة"، أي ضد تسلل الإيحاءات النجِسة، والشيطانية والشريرة إلى العقل، وهي الإيحاءات التي يدافع المتعصبُ عن نفسه ضدها بالاضطهاد، أي بمحاولة تنقية العالم من خلال العنف. ويندرج التعصب في ثنائية إيروس (إله الحب) وثاناتوس (إله الموت)، بين دافِعية الحياة ودافِعية الموت.
المحلل النفسي الكبير سيغموند فرويد، في كتابه "قلق في الحضارة" (1930) يُقدّر أن التعصب يمكن أن يُعبِّر عن العدوانية الموجّهة ضد العالم الخارجي، في حين يُستبقَى الحبُّ للعالم الباطني. ثنائيةُ فرويد الغريزية في الحب والكراهية تجعلنا نكتشف في الولعِ التعصبي مخرجًا للعدوانية التي تسمح الحضارةُ بممارستها تجاه الأجانب.

حول علاقة التعصب بالأمراض النفسية يقول حاييم حربون، وهو دكتور في علم النفس ومدير الأبحاث في جامعة إيكس مرسيليا، إنه ينبغي أن نكون جدّ دقيقِين حول المصطلحات المستخدمة: "يقال بأن التعصب هو أقصى تعبيرٍ عن العنف، والحال أنه يجب أن نميّز جديًا الفروق الدقيقة، لأنه منذ اللحظلة الأولى التي يُعبّر فيها الإنسان عن ذاتِه تصبح مواجهة أو معارضةُ العالم الخارجي تتطلب وجودَ قوة حياتية لا غنى عنها. فاشتقاق كلمة عنف يحمِل في طياته بُعدَين اثنين. الأول عنصرٌ إيجابي، وهو المُكون للشخص، والثاني ديناميكيةٌ كامنة جد خطرة على صاحبِها وعلى الآخرين على السواء".
يقول حربون "الإنسانُ عنيف بطبعه، مثل أي كائن حي، لأن العنفَ هو التعبير عن قوة الحياة المتمدّدة المنفتحة. ولكنْ هناك عنفٌ جيّدٌ وآخر سيّئ. والمشكلة هي أنه لا العقلُ ولا الوعيُ يسمحان بالفصل بينهما. إنه العنف نفسُه الذي يبدو للبعضِ وكأنه عملٌ بطولي، فيما هو عملٌ همَجيّ ومدمّر عند البعض الآخر، بحسب المعسكر الذي يقف فيه هذا البعض أو ذاك. عنفُ الآخرين هو الذي يبدو لنا آثِمًا وجانيًا، وعُنفُنا نحن هو الذي نراه مشروعًا، بل ويبدو لنا في كثير من الأحيان واجبًا مقدسًا.

الإنسان العالق في الصهارة الجماعية يعتقد أنه يجد السعادة في الولع والافتتان والعبادة، وعلى استعدادٍ لأن يضحي بحياته من أجل معبودِه

الشخص الذي يعتنق التعصبَ لا يعِي العناصرَ الهيكلية القديمة التي تكشف عن أصولِ سلوكه. فلهذا السبب سيربِط المتعصبُ عملَه بالربّ ضمن رؤيةٍ فلسفية. ويمكن القول إن الأسوأ لا يكمنُ في أن تكون مُخطئًا وإنما يكمن في يقينك بأنك لست مخطئا. لا شيءَ أكثر مرضَا وخَطرًا على التوازن العقلي من الاعتقاد أنك المترجم الأصيل، والمطلق، للإرادة الإلهية. كان هذا مصدر كل التنويريين (حركة الفكر الفلسفي والتنويري القائمة على فكرة التنوير في القرن الثامن عشر) وجميع المتعصّبين الأكثر وحشية، وكل  التبشيريين، وباختصارٍ فهذا هو مصدر التعصب، الأمر الذي يتجسّد في الانقسام الكلي بين مجالَيْ الأخلاق والدين. الضميرُ فكرةٌ فلسفية جوهرية، تثق في الإنسان، وفي حدسِه بالخير والشر. الضميرُ الإنساني يؤسّس المبادئ، ثم استنتاجًا لهذه المبادئ تنشأ المدارس الأخلاقية الاجتهادية المختلفة. وعلى العكس من ذلك فإنّ المتعصب، في سلوكه، لا يُلقي أيّ بالٍ للمبدأ مَهما كان ساميًا، قدْرَ اهتمامِه بالسير وراء ما يمليه عليه عقله الباطني. والحال أنه حتى لا يتعارض سلوكُه مع وعيه سيربِط العنفَ - عن غير وعيٍ - بالإرادة الإلهية.

عن موقع leconflit.com

اقرأ المزيد...

الوسوم: