التسلل الإعلامي الإخواني… اختراق ناعم لبنية الوعي وتفعيل هادئ لمنبر أيديولوجي

التسلل الإعلامي الإخواني… اختراق ناعم لبنية الوعي وتفعيل هادئ لمنبر أيديولوجي

التسلل الإعلامي الإخواني… اختراق ناعم لبنية الوعي وتفعيل هادئ لمنبر أيديولوجي


23/02/2026

علا الشربجي

بات الإعلام الإخواني، أو ما يمكن وصفه بـ”الإعلام البديل” المنتمي لفكر التنظيمات الإخوانية، وسيلة رئيسية لتشكيل الوعي المجتمعي، إذ لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد قناة لنقل الرسائل، بل هو أداة فعالة لتمرير أجندات سياسية وأيديولوجية متخفية تحت غطاء الاستقلالية والموضوعية. ويتسم الإعلام الأردني بالتنوع، وهو ما يجعله عرضة للتغلغل الإعلامي الإخواني الذي يُعد أخطر من أي تحركات سياسية أو اجتماعية أخرى.

الإعلام الإخواني ليس بريئًا، فبعض الإعلاميين المرتبطين بحركة الإخوان المسلمين يتعمدون توجيه الرأي العام لصالح أجندات خاصة، حتى وإن كانت تلك الأجندات تتناقض مع مصلحة الدولة الأردنية. بذلك يتجاوزون دورهم الطبيعي في نقل الأحداث أو المعلومات بموضوعية، ويخفون ولاءً عميقًا للأيديولوجيا الإخوانية التي تتجاوز الحدود الوطنية، وتعمل على إشاعة خطاب يعزز ثقافة الاستقطاب والتقسيم بين فئات المجتمع بحجة حرية الرأي والتعبير. ومن خلال التركيز على قضايا إنسانية مثل حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والفقر، يحاولون استقطاب قطاعات واسعة من الجمهور دون أن يظهروا علنًا انتماءاتهم الحزبية.

إن الإعلام في أي دولة يُعد أحد أهم مؤشرات القوة الناعمة، وعندما يتحكم فيه تيار له أجندات سياسية متشابكة مع الخارج يصبح تأثيره أكبر وأخطر من أي تحرك سياسي علني. وفي الحالة الأردنية، حيث يتسم الوضع الإقليمي بالقلق والتوترات، يكتسب الإعلام الإخواني دورًا مزدوجًا، فهو من جهة يدعي الدفاع عن مصالح المواطنين، ومن جهة أخرى يسعى لتوجيه النقاش العام بما يتماشى مع أجندة التنظيم. وبهذا يصعب على المواطنين التفريق بين الحقيقة والتحريف، نظرًا لقدرة الإعلام الإخواني على بناء سردية بديلة عن الواقع، حيث يعيد صياغة الأحداث ويمنحها سياقًا يتناسب مع رؤيته الخاصة، وهو ما يؤدي إلى تشويش الوعي العام.

أهم ما يميز الإعلام الإخواني عن السياسيين الإخوان هو قدرته على الانتشار والانتقال بين الأجيال والأوساط الاجتماعية المختلفة. إذ يمكن للإعلاميين أن يظهروا في صورة “مستقلين” و”محايدين”، لكنهم في الواقع ينقلون خطابات مشبعة بالأيديولوجيا الإخوانية التي تتنكر تحت مسميات مثل “الحرية” و”العدالة الاجتماعية”. وفي حال فقدت التيارات السياسية التقليدية بعض قوتها، فإن الإعلام الإخواني يملأ الفراغ تدريجيًا عبر ترويج أفكاره بين الشباب والأجيال الجديدة. الخطاب الإعلامي الإخواني يتسلل بلطف عبر منصات الأخبار والمواقع الإلكترونية وحتى برامج الترفيه، ليزرع في عقول المتلقين صورة مشوهة عن الحقائق، ويستمر في بناء مجتمع منقسم يضع مصالح التنظيمات العابرة للحدود قبل مصلحة الوطن.

الإعلام لا يشكل فقط الوعي العام، بل يسهم في تشكيل القيم والمفاهيم المتداولة، مما يعزز إمكانية تكوين حركات اجتماعية وشبابية لا تعي حقيقة الأجندات التي تديرها تلك التنظيمات. وهذا هو ما يسمى بالتأثير الناعم للإعلام الإخواني الذي يتجاوز التصريحات السياسية إلى تغيير طويل الأمد في بنية المجتمع الأردني. فإذا تُرك هذا التغلغل الإعلامي دون معالجة جدية، سيؤدي إلى إضعاف الهوية الوطنية الأردنية، ويساهم في إطالة أمد الاستقطاب الطائفي والفكري بين أفراد المجتمع. فالوعي الجمعي للأمة يتأثر بما يُبث في الإعلام، وإذا سيطرت هذه الأيديولوجيات على المنصات المؤثرة، ستصبح القيم الوطنية في خطر.

السؤال المطروح هو كيف يمكن للدولة مواجهة التغلغل الإعلامي للإخوان؟ إن حل التنظيمات أو الاكتفاء بالتصريحات السياسية لم يعد كافيًا في ظل الانفتاح الإعلامي، بل يجب أن يكون هناك وعي حقيقي بأخطار الإعلام كأداة لفكر الإخوان. مواجهة هذا التغلغل لا يمكن أن تتحقق بالرقابة القانونية وحدها، بل تتطلب بناء استراتيجيات إعلامية وطنية قادرة على تقديم خطاب موازٍ يستند إلى القيم الوطنية والتنوع الثقافي والحقوق السياسية والاجتماعية. ويجب الحرص على تفعيل الرقابة الإعلامية على المحتوى الذي يُروج من قبل الإعلاميين المرتبطين بالإخوان المسلمين، مع تعزيز الشفافية والمصداقية في الإعلام الوطني لضمان أن يبقى هذا المنبر مسؤولًا عن نقل الحقيقة بعيدًا عن الأيديولوجيات الخفية، والدفع نحو تشاركية البناء مع المواطن وحمايته من الخروقات الفكرية التخريبية التي تُبنى مصالحها ضد مصلحة الوطن.

وأخيرًا، قد يظن البعض أن الإعلام ليس أداة فاعلة بما يكفي، لكن في ظل المتغيرات السياسية الحالية أصبح من الضروري التسلح بالوعي الإعلامي لمواجهة الفكر الإخواني الذي يعيد تشكيل المشهد الأردني بأساليب ناعمة ولكن خطيرة.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية