التدخل التركي في سوريا.. نهب يتستر بشعارات الإنسانية

التدخل التركي في سوريا.. نهب يتستر بشعارات الإنسانية

مشاهدة

07/07/2020

بدأت تركيا تدخلاتها في سوريا منذ توفير أراضيها للمعارضين السوريين، ودعمها للجيش السوري الحر آنذاك، ولكن، شهدت علاقة تركيا بالثورة السورية تقلبات عديدة، بدأت في العام 2012، وتطورت في 2016 بإعلان عملية "درع الفرات"، وبعدها عملية "غصن الزيتون" في 2019 التي هدفت كلها، وفق تركيا، إلى الحفاظ على أمنها من قوات سوريا الديموقراطية الكردية، إضافة لادعاءات محاربة الإرهاب، رغم تقارير عالمية بوجود ميليشيات متشددة عديدة في سوريا تغض أنقرة النظر عن عمل بعضها، وتدعم بعضها الآخر رغم مجازرها ضد الأكراد تحديداً.

تركيا تذرعت طوال تدخلها في سوريا بوجود قوات كردية قريبة من حدودها

ولكن ما لم يلق اهتماماً مماثلاً رغم خطورته، هو قيام تركيا طوال الأعوام الماضية وحتى الآن، بعملية نهب اقتصادية منظمة في شمال سوريا وأجزاء قريبة منها، إضافة لاستنزاف موارد مائية ونفطية وطبيعية، والقيام بعمليات إحلال ديموغرافي وثقافي، مستغلة الأزمة السورية العميقة. فما هي أبرز الانتهاكات التركية بحق الشعب السوري في هذا السياق؟

تركيا وشريان الحياة

لطالما زعمت تركيا أنّها تريد حماية الشعب السوري في شمال سوريا، خصوصاً عفرين، ومن ثم إدلب وحتى حلب، وأنها تريد الحفاظ على حياة السوريين هناك، لكن في المقابل، تقوم بقطع شرايين الحياة عنهم، بسرقة مياههم ونفطهم ومحاصيلهم، وذلك بحجة مقاومة الإرهاب على حدودها.

السدود التركية قنبلة موقوتة تهدد بجفاف سوريا وعطش شعبها

وتكشف تقارير عديدة "قيام تركيا بسرقة مياه سوريا، وتحديداً في الشمال، من خلال إقامة سدود لتعطيش الشعب السوري، ومن أبرزها إقامة سد الريحانية مطلع هذا العام، إضافة لتطوير سد أتاتورك، وسد أليسو الذي يتحكم في مياه نهري دجلة والفرات في سوريا والعراق" وفق تقريرٍ لموقع "EBER24" وكذلك صحيفة "روز اليوسف" مطلع العام الجاري.

ويضيف تقرير "روز اليوسف"، أنّه وفي ظل "نقص المياه الحاد في شمال سوريا، تعلن تركيا تحقيقها حلم خمسين عاماً بخرق جميع الاتفاقيات الدولية بينها وبين سوريا للاستيلاء على مياه سوريا وكذلك العراق".

لم تقدم تركيا أي حلول اقتصادية للشعب السوري بل عملت على استغلال الحرب ومآسيه لدعم اقتصادها

أما الهدف من ذلك كله، فهو في رأي الباحث والكاتب حافظ البرغوثي، في مقال نشره موقع "الخليج" العام 2028، يكمن في "السيطرة على سوريا وإضعافها وكذلك العراق، من أجل الخضوع لسيطرة ومصالح تركيا". وهو ما ينفي أي هدفٍ آخر يروِّجه الإعلام التركي، عن الدور الإنساني في سوريا. كما إنّ تحالفات تركيا الغريبة، ومنها تحالفها مع أثيوبيا، وعلاقتها المحتملة معها في ملف سد النهضة ومحاولات الأخيرة خنق مصر مائياً، تعيد أصابع الاتهام إلى أنقرة في ملفات المياه، وتعطيشها مئات آلاف السوريين في الشمال، إضافة إلى أنّ السيطرة على المياه، تسمح لتركيا بالسيطرة على أراض زراعية سورية تقدر بآلاف الدونمات، والتحكم فيها.

اقرأ أيضاً: تقرير: التدخل التركي في سوريا يخدم المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية

وغير بعيد عن الماء، يأتي ملف النفط، حيث قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في نهاية 2019 إنّ بلاده تلقت عروضاً لتقاسم النفط السوري مع دول غربية لكنه رفضها "من أجل الإنسان في سوريا"، بحسب "وكالة الأناضول" في 2019!

تقيم تركيا السدود لخنق سوريا والعراق مائياً من أجل فرض سيطرة مستقبلية على مصائرهما

لكن ما كان يجري على أرض الواقع منذ 2015 ينبئ بعكس ذلك، إذ "قالت وزارة الدفاع الروسية إنّ القيادة التركية العليا والرئيس رجب طيب أردوغان متورطون شخصياً في الاستخراج غير الشرعي للنفط السوري والعراقي وتهريبه إلى أراضي تركيا" بحسب تقرير لشبكة "روسيا اليوم".

وأضافت الوزارة في حينه أنّ هذا النشاط غير المشروع يتم عن طريق تنظيمات إرهابية "كتنظيم داعش الذي أثرى بالملايين في حينه من وراء هذه الصفقات المشبوهة" بحسب التقرير ذاته. إضافة إلى تقارير أخرى تحدّثت عن تمويل المنطقة الآمنة التركية على حدود سوريا، من أموال النفط السوري.

يذكر أنّ تركيا تذرعت طوال تدخلها في سوريا، بوجود قوات كردية قريبة من حدودها، لكنّها اكتفت بإيذاء المدنيين السوريين، ونهب مقدراتهم، وقد تجاوز الأمر المياه والنفط، ليصل إلى المحاصيل الزراعية والآثار والمصانع، فماذا بشأنها أيضاً؟

سلب السوريين

اشتهرت مدينة حلب عبر التاريخ بصناعاتها اليدوية والمتنوعة، وأبسطها الأقمشة والملابس والأحذية، وكذلك صناعات القطن والمواد الغذائية وغيرها الكثير. وقد نافست الصناعات في حلب وبعض مناطق الشمال السوري الصناعات التركية عبر عقود، لكن، قامت تركيا خلال سنوات الثورة بالإسهام في "تفكيك الكثير من مصانع حلب والشمال، مع كامل معداتها وقدراتها، ونقلها إلى تركيا" بحسب تقريرٍ لـ"إندبندنت عربية" في 2019.

نهب محاصيل سوريا ومصانعها في حلب والشمال تم برعاية تركية حسب تقارير دولية

ويؤكد التقرير، أنّ هذه المعلومة ليست ضرباً من الخيال، بل إنّه "في العام 2013 وصل عدد المصانع السورية المنهوبة إلى نحو ألف معمل، وفق اتحاد غرف الصناعة السورية، وأرسلت دمشق حينها رسالتين إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، واعتبرت تصرف تركيا من أعمال القرصنة والجرائم العابرة للحدود، وأنّها ستوجب رد فعل دولي، وطالبت بإلزامها إعادة المعامل إلى أصحابها ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بهم. وقد قبلت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ شكوى مقدمة ضد رئيس الحكومة التركية في 22 نيسان (إبريل) 2014، بتهمٍ، من بينها التورّط في تيسير سرقة معامل حلب والضلوع في تدمير البنية التحتية للاقتصاد السوري" وفق التقرير نفسه، وهو ما يشير إلى أنّ السلب والسيطرة أهداف أساسية من خلف التدخل التركي في سوريا.

تقارير دولية: مصانع نفط ومنتجات زراعية منها القمح والزيتون تسمح تركيا بنهبها لتمويل ميليشيات متشددة

أيضاً، قامت تركيا منذ احتلالها مساحات في الشمال السوري، وأجزاء قرب إدلب، عدا عن دعمها المستمر لميليشيات متشددة هناك، بسرقة المحاصيل الزراعية من عفرين وأجزاء من سوريا، وحرمت الشعب السوري هناك من محاصيل أساسية كالزيتون والقمح والبندورة. وفي 2019 نشرت وكالة "فوكس نيوز" الأمريكية تحقيقاً مثيراً قالت فيه إنّ "الحكومة التركية متهمة بسرقة الزيتون السوري وتصديره في صورة زيت تركي إلى دول الاتحاد الأوروبي لتحقيق أرباح كبيرة"، واستندت الشبكة الأمريكية في تحقيقها إلى انفراد "وكالة فرات للأنباء" بنشر وثائق تثبت تورط الدولة التركية في سرقة الزيتون السوري.

ونقلت الشبكة الأمريكية في حينه عن بيرنهارد غوهل، عضو الحزب الديمقراطي المحافظ في سويسرا، قوله إنّه "اتصل بالحكومة بشأن مزاعم بن تركيا تحاول بيع الزيتون المسروق على أنّه زيتون تركي، واستخدام عوائده لتمويل الميليشيات المدعومة من أنقرة في سوريا والتي تقوم بسرقة تلك الحقول".

اقرأ أيضاً: أطماع استعمارية وأوهام الخلافة .. أردوغان صانع انقسام الأوطان

وقال السياسي السويسري: "في عفرين التي تحتلها تركيا، يتم نهب بساتين الزيتون من قبل القوات التركية والميليشيات التي تدعمها، الزيتون الذي يسرقونه بيع إلى إسبانيا وسيستمر البيع" بحسب تقرير الوكالة في ذلك الحين.

هذه الجرائم شملت حتى محاصيل القمح والبندورة وغيرها من منتجات سوريا الزراعية، التي يتم الاستيلاء عليها بذات الطريقة. وكل ذلك تحت شعار تركيا حامية الشعب السوري، ومنقذته، رغم أنّها تحتل مساحات من أراضيه، وتجبر شعبه على خيارات مؤلمة، منها التعامل والدراسة باللغة التركية كما في عفرين، وكذلك إطلاق يد الميليشيات المتشددة ضد معارضي أنقرة هناك بحجة أنهم أكراد أو داعمون للأكراد! فأين هي تركيا اليوم من شعاراتها المزعومة عن الإنسانية والحرية؟


الصفحة الرئيسية