التجنيد الرقمي وخطر استهداف "جيل زد" من قبل الجماعات المتطرفة

التجنيد الرقمي وخطر استهداف "جيل زد" من قبل الجماعات المتطرفة

التجنيد الرقمي وخطر استهداف "جيل زد" من قبل الجماعات المتطرفة


31/12/2025

تستخدم الجماعات المتطرفة الألعاب الجماعية الإلكترونية لاستهداف شباب يعانون العزلة، الأمر الذي يجعل "التطرف" يتحول في بعض الحالات إلى تخطيط فعلي لأعمال عنف، مثل حادثة سيدني الأخيرة في عيد حانوكا التي استهدفت اليهود على شاطئ بوندي بأستراليا، ولم يكن منفذ العملية تنظيمياً، وإنّما جرى تجنيده عبر الإنترنت مثل حالات مماثلة للذئاب المنفردة، وذلك بحسب الباحثة الأمريكية إيرينا تسوكرمان، في تصريحات خصت بها (حفريات).

أهمية الدعم المالي

بدوره، أكد مركز "صوفان" للدراسات الأمنية أنّ تقليص التمويل المخصص للبرامج الوقائية من التطرف والإرهاب قد يقوض فاعليتها، في وقت تتسارع فيه وتيرة تطرف الشباب عبر الإنترنت، وهو ما يجعل الظاهرة أحد أبرز التحديات الأمنية والاجتماعية في العالم بالوقت الراهن. إذ تشهد فرنسا في العام الحالي تصاعداً لافتاً في قضايا الإرهاب، خصوصاً تلك التي تنطوي على الشباب والقاصرين أيضاً بما يشكّل تحولاً في مسألة التهديد الأمني الداخلي. 

وبحسب تقرير للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، فإنّ مكتب النيابة العامة لمكافحة الإرهاب فتح منذ بداية عام 2019 حتى نهاية كانون الأول (نوفمبر) 2025 أكثر من (429) تحقيقاً في قضايا إرهاب "جهادي" داخل فرنسا، مع ارتفاع واضح في عدد القُصر الذين وُجهت إليهم تهم مرتبطة بالإرهاب بين عامي 2023 و2025. وقد بلغت وحدها في 2025 تهماً ضد (20) قاصراً في قضايا إرهاب ذي أبعاد "إسلاموية"، فضلاً عن أنّ نحو 70% من المشاركين في خطط العنف تحت سن (22) عاماً، بينما اعتقل نحو (130) قاصراً مرتبطاً بالإرهاب من 2023 حتى منتصف 2025.

التجنيد الرقمي

وتُظهِر التفاصيل، بحسب المركز الأوروبي، أنّ هذه الظاهرة ليست مرتبطة فقط بعنف تقليدي، بل تشمل أيضاً مخاطر متنامية من التجنيد عبر الفضاء الرقمي، حيث تلعب خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي دوراً في تسريع عمليات التطرف لدى فئات عمرية أصغر وأكثر هشاشة نفسياً. وتظهر آثار هذه الآليات الرقمية في ارتفاع حالات الشباب الذين يشاركون أو يحاولون تنفيذ أعمال مستوحاة من الفكر المتطرف، بما في ذلك مخططات ضد أهداف مدنية ودينية تم إحباطها.

ويقول المركز: "تشير تقارير متابعة الأوضاع الأمنية إلى أنّ المكتب الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا يحقق في عدد قياسي من القضايا خلال 2024ـ2025، مع تنبيه السلطات إلى مشاركة عدد غير مسبوق من جنود صغار في جرائم مستوحاة من الإسلام السياسي، مثل خطة فتاة تبلغ من العمر (13) سنة لتنفيذ هجوم على كنيس أو مسجد وقد أجهِضت قبل تنفيذها. هذا النموذج الجديد من التهديد يعكس تحولاً في طبيعة الإرهاب من الجماعات المنظمة إلى أفراد متطرفين ذاتياً ومتأثرين ببروباغندا إلكترونية." 

على الصعيد العملي، تعمل السلطات الفرنسية على تكثيف التتبع والتحقيقات عبر مكتب النيابة العامة لمكافحة الإرهاب، مع انخراط كبير لوحدات الشرطة القضائية والاستخبارات في رصد الشبكات الرقمية ومراقبة الحالات الفردية، في محاولة لاحتواء موجة التطرف بين الشباب قبل أن تتطور إلى أعمال عنف. وهذه الجهود تتزامن مع تقييم شامل للمخاطر التي تشكلها العوامل الاجتماعية والرقمية في نشوء التطرف، وهو ما جعل مكافحة الإرهاب في فرنسا اليوم تتجاوز المقاربة التقليدية للتهديدات المسلحة إلى مواجهة تجنيد القاصرين عبر الإنترنت وتفكيك شبكات الدعاية المتطرفة، وفق المركز الأوروبي. 

الوجه الآخر للرقمنة

الجيل الذي نشأ على منصات البث المباشر في الواقع الافتراضي، والألعاب الإلكترونية، وغرف الدردشة المشفرة، بات عرضة لرسائل التطرف من خلال وسائط وقوالب تفاعلية مؤثرة داخل المحتوى الرقمي، وفق تسوكرمان، التي ترى أنّ التنظيمات الإسلاموية تجاوزت مرحلة المقاطع المصورة ورقمنة المواد الدعائية، ومنها الصحف والمجلات التقليدية، إلى استخدام تقنيات "التزييف العميق" وصناعة محتوى متنوع يتم توليده وتعميمه والترويج له بالذكاء الاصطناعي، بل يتم تصوير المحتوى على نحو يوحي بالمصداقية بما يحقق التأثير والفاعلية المطلوبين. وتردف: "لم تعد المسألة هي حواضن إرهابية في الواقع وفي ميادين العنف التقليدية، بل بناء شبكة رقمية أصولية ومتمردة يتم تمكين العناصر الإيديولوجية فيها بحيث تتفشى في الفضاء الافتراضي." 

وهذا النشاط الرقمي يترافق مع اعتماد متزايد على العملات المشفرة والتمويل اللّامركزي، وهو ما يتيح للتنظيم تجاوز الرقابة المالية التقليدية، وبناء شبكات مالية يصعب تتبعها.

ووفق التقارير الأمنية البريطانية، فإنّ حجم التهديدات المرتبطة بالإرهاب يشهد تصاعداً ملحوظاً، مع ارتفاع عدد الأشخاص الخاضعين للمراقبة الأمنية، وإحباط عدة مخططات إرهابية خلال السنوات الأخيرة. ولفتت إلى أنّ نسبة لافتة من الموقوفين في قضايا إرهاب هم دون سن (17) عاماً، الأمر الذي يعكس اتساع دائرة الاستهداف الرقمي للقُصّر، وبما يستدعي بإلحاح ضرورة تعزيز التعاون مع شركات التكنولوجيا لرصد المحتوى المتطرف المُنتَج بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب دعم برامج التوعية الرقمية والروايات المضادة، خصوصاً داخل مجتمعات الألعاب والمنصات التفاعلية.

تحذيرات متنامية

في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي حذّر جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) من تنامي التهديدات التي تواجه المملكة المتحدة من التنظيمات الإرهابية، مشيراً إلى أنّ طبيعة هذه المخاطر أصبحت أكثر تعقيداً وتنوعاً من أيّ وقت مضى. وأفاد الجهاز بأنّ عدد الأشخاص الذين يخضعون للتحقيق بسبب تهديد أمن الدولة القومي تضاعف بنسبة 35% مقارنة بالعام الماضي، مؤكداً أنّه منذ عام 2020 تم إحباط ((19 مخططاً إرهابياً متقدماً، بالإضافة إلى التدخل في مئات التهديدات التي كانت قيد التشكل، بحسب ما أعلن المدير العام للاستخبارات الداخلية في لندن السير كين ماكالوم، في خطابه السنوي بالعاصمة لندن.

وشدد ماكالوم على أنّ فرق الجهاز تكشف بانتظام محاولات من جهات تابعة لدول معادية لتنفيذ أعمال تجسس، أو تخريب، أو حرق متعمد، أو عنف جسدي، في مؤشر على اتساع نطاق التهديدات التي لم تعد تقتصر على الإرهاب التقليدي. في حين لفت المسؤول البريطاني إلى تصاعد ظاهرة استهداف القُصّر، وقال إنّ واحداً من كل خمسة من بين (232) اعتقالاً ارتبط بالإرهاب العام الماضي كان دون سن (17) عاماً، وهو ما يبعث بتحديات جمّة في التعامل مع الشباب المعرّضين للاستقطاب والتطرف. 

وأضاف ماكالوم أنّ الجهاز الاستخباري يباشر دوره لتفعيل استراتيجية الوقاية من عوامل وشروط تطرف الشباب، وقد شكّل فريقاً يقدّم الدعم للشباب الذين يظهرون ميلاً للعنف والتطرف الأصولي، وذلك في إطار استراتيجية تهدف إلى التدخل المبكر ومنع التطرف قبل تفاقمه.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية