
تُعَدُّ تركستانُ الشرقيةُ، التي تُعرَفُ اليومَ باسمِ "شينجيانغ"، موطنَ شعبِ الإيغورِ وأحدَ أكثرِ أقاليمِ آسيا الوسطى ثراءً بالتاريخِ والثقافةِ والتنوُّعِ الحضاريِّ. وقد مرَّتْ هذه المنطقةُ عبرَ قرونٍ طويلةٍ بتحوُّلاتٍ سياسيةٍ ودينيةٍ ولغويةٍ عميقةٍ، جعلتْ منها ساحةً للصراعاتِ الإمبراطوريةِ ومركزًا حضاريًّا مهمًّا على طريقِ الحرير.
كانتْ مملكةُ الأويغور المستقلةُ في تركستان الشرقية، المعروفةُ باسمِ مملكةِ ياركنتْ أو مملكةِ السيدِ، قد تعرَّضتْ للغزوِ على يدِ حكَّامِ المانشو الصينيين عام 1759، حيثُ ضُمَّتِ المنطقةُ إلى الإمبراطوريةِ المانشويةِ. ومنذُ ذلكَ التاريخِ حتى عام 1862، خضعتْ تركستانُ الشرقيةُ لحكمٍ استعماريٍّ عسكريٍّ مباشرٍ. وخلالَ تلكَ الحقبةِ، لم يتوقَّفْ شعبُ الإيغورِ وسكَّانُ المنطقةِ الأصليون عن مقاومةِ السيطرةِ الأجنبيةِ، إذِ اندلعتْ 42 انتفاضةً في محاولةٍ لاستعادةِ الاستقلالِ.
وفي عام 1864 نجحَ الإيغورُ مؤقتًا في إنهاءِ الحكمِ المانشويِّ وأسسوا دولةَ "يتيشهار"، غيرَ أنَّ هذا الاستقلالَ لم يدُمْ طويلًا. ففي عام 1876 شنَّ المانشو حملةً عسكريةً جديدةً لاستعادةِ السيطرةِ على المنطقةِ، وبعدَ صراعٍ استمرَّ ثمانيَ سنواتٍ، أُعلنتْ تركستانُ الشرقيةُ رسميًّا جزءًا من الإمبراطوريةِ المانشويةِ تحتَ اسمِ "شينجيانغ"، أي "الإقليم الجديد"، وذلك في 18 نوفمبر 1884.
ومعَ سقوطِ إمبراطوريةِ المانشو عام 1911 على يدِ القوميينَ الصينيينَ، دخلتْ تركستانُ الشرقيةُ مرحلةً جديدةً من الحكمِ الصينيِّ، حيثُ تعاقبَ عليها أمراءُ حربٍ صينيونَ في ظلِّ ضعفِ سيطرةِ الحكومةِ المركزيةِ على الإقليمِ. وخلالَ تلكَ المرحلةِ استمرَّتْ رغبةُ الإيغورِ في التحرُّرِ من الهيمنةِ الأجنبيةِ، فقادوا عدةَ انتفاضاتٍ وتمكَّنوا مرتينِ، في عامَي 1933 و1944، من تأسيسِ جمهوريةِ تركستانَ الشرقيةِ المستقلةِ، إلَّا أنَّ هاتينِ التجربتينِ لم تستمرَّا طويلًا نتيجةَ التدخلاتِ العسكريةِ والمؤامراتِ السياسيةِ التي لعبَ فيها الاتحادُ السوفيتيُّ دورًا مؤثرًا.
وفي أكتوبرَ عامِ 1949 دخلتْ قواتُ جيشِ التحريرِ الشعبيِّ الصينيِّ إلى تركستانَ الشرقيةِ، منهيةً فعليًّا وجودَ جمهوريةِ تركستانَ الشرقيةِ. ومنذُ ذلكَ الوقتِ أُنشئتْ "منطقةُ شينجيانغ الأويغوريةُ ذاتيةُ الحكمِ"، وبدأَ فصلٌ جديدٌ من تاريخِ الإيغورِ تحتَ الحكمِ الشيوعيِّ الصينيِّ.
يرى كثيرٌ من الإيغورِ أنَّ هذه المرحلةَ تُعَدُّ من أكثرِ الفتراتِ قسوةً في تاريخِهم الحديثِ، إذْ تعرَّضتْ هويتُهم الثقافيةُ والدينيةُ إلى سياساتِ قمعٍ ممنهجةٍ. فقد وُصِفَ الإيغورُ على مدارِ العقودِ بصفاتٍ مثلَ "القوميينَ" و"الثوارِ المضادينَ" و"الانفصاليينَ"، ثمَّ أُعيدَ تأطيرُ القضيةِ بعدَ أحداثِ 11 سبتمبر ضمنَ ما سُمِّيَ بـ "الحربِ على الإرهابِ".
وفي السنواتِ الأخيرةِ أصبحتْ تركستانُ الشرقيةُ محورًا استراتيجيًّا ضمنَ مشروعِ "الحزامِ والطريقِ" الذي أطلقَهُ الرئيسُ الصينيُّ شي جين بينغ، وهو ما زادَ من القبضةِ الأمنيةِ على المنطقةِ. وتشيرُ تقاريرُ عديدةٌ إلى وجودِ نظامِ رقابةٍ واسعِ النطاقِ يعتمدُ على تقنياتٍ متقدمةٍ تشملُ جمعَ بياناتِ الحمضِ النوويِّ، وكاميراتِ المراقبةِ، وأنظمةِ التعرُّفِ على الوجوهِ، وأجهزةِ تتبُّعِ GPS في المركباتِ، بالإضافةِ إلى نقاطِ التفتيشِ الأمنيةِ المنتشرةِ ورموزِ QR المثبتةِ على المنازلِ.
وتتحدثُ منظماتٌ حقوقيةٌ وناشطونَ، من بينهم روشان عباس من "حملةِ الإيغورِ"، عن احتجازِ ملايينِ الإيغورِ داخلَ معسكراتٍ ضخمةٍ منذُ عامِ 2017، في إطارِ حملاتٍ تُوصَفُ بأنَّها تهدفُ إلى إعادةِ تشكيلِ الهويةِ الثقافيةِ والدينيةِ للسكانِ. وتستشهدُ هذه المنظماتُ بتصريحاتٍ منسوبةٍ إلى مسؤولينَ صينيينَ تحدثوا عن ضرورةِ "قطعِ الجذورِ والارتباطاتِ"، وهو ما اعتُبِرَ دليلًا على طبيعةِ السياساتِ المتبعةِ تجاهَ الإيغورِ.
أمَّا من الناحيةِ الحضاريةِ، فقد مرَّ شعبُ الإيغورِ بتحوُّلاتٍ دينيةٍ وثقافيةٍ متعاقبةٍ. ففي بداياتِهم اعتنقوا الشامانيةَ والمانويةَ والبوذيةَ، شأنَهم شأنَ كثيرٍ من الشعوبِ التركيةِ في آسيا الوسطى. ومنذُ القرنِ الأولِ الميلاديِّ حتى ظهورِ الإسلامِ، كانتْ تركستانُ الشرقيةُ أحدَ أهمِّ مراكزِ الحضارةِ البوذيةِ.
بدأَ التحوُّلُ نحوَ الإسلامِ في أوائلِ القرنِ التاسعِ الميلاديِّ معَ تزايدِ التواصلِ بينَ الإيغورِ والمسلمينَ، وتسارعتْ عمليةُ الأسلمةِ خلالَ عهدِ ملوكِ القراخانيينَ، حيثُ أصبحتْ كاشغر مركزًا بارزًا للعلمِ والثقافةِ الإسلاميةِ. وفي تلكَ المرحلةِ ازدهرت الفنونُ والعلومُ والموسيقى والآدابُ، وبرزَ مئاتُ العلماءِ الإيغور الذين تركوا أثرًا واسعًا في التراثِ الإسلاميِّ والتركيِّ.
ومن أبرزِ الأعمالِ الفكريةِ التي ظهرتْ آنذاكَ كتابُ "كتادكو بيليغ" أو "معرفةُ السعادة، الذي ألَّفَهُ يوسفُ حاجبٍ بينَ عامَي 1069 و1070، وكذلكَ "ديوانُ لغةٍ تركيةٍ" لمحمودِ الكاشغريِّ، وهو من أهمِّ المعاجمِ والدراساتِ اللغويةِ في التراثِ التركيِّ.
وتُعَدُّ اللغةُ الإيغوريةُ، التي كانتْ تُعرَفُ سابقًا باسمِ "التركيةِ الشرقيةِ"، إحدى اللغاتِ التركيةِ وتنتمي إلى الفرعِ الجنوبيِّ الشرقيِّ من هذه العائلةِ اللغويةِ. ويتحدثُ بها اليومَ نحوُ 20 مليونَ شخصٍ في تركستانَ الشرقيةِ، إضافةً إلى جالياتٍ منتشرةٍ في كازاخستانَ وقيرغيزستانَ وأوزبكستانَ، فضلًا عن مجتمعاتٍ أويغوريةٍ في دولٍ عديدةٍ مثلَ تركيا وألمانيا والسعوديةِ والولاياتِ المتحدةِ وكندا وأستراليا وغيرها.
وتتميزُ اللغةُ الإيغوريةُ بخصائصَ مشتركةٍ معَ اللغاتِ التركيةِ الأخرى، مثلَ تناغمِ حروفِ العلةِ والإلصاقِ القواعديِّ، وتخلو من التصنيفاتِ النحويةِ المتعلقةِ بالنوعِ أو الجنسِ. وهي لغةٌ ذاتُ بنيةٍ تعتمدُ ترتيبَ "فاعلٍ ـ مفعولٍ ـ فعلٍ".
وقد شكَّلتِ الإيغوريةُ القديمةُ، المعروفةُ أيضًا بالتركيةِ القديمةِ، الأساسَ التاريخيَّ للغاتِ التركيةِ الجنوبيةِ الشرقيةِ، ومنها الإيغوريةُ والأوزبكيةُ الحديثتانِ. ويمكنُ تتبُّعُ آثارِها في نقوشِ أورخونَ ونصوصِ توربانَ التاريخيةِ. وفي القرنِ الحادي عشر لعبَ محمودُ الكاشغريُّ دورًا مهمًّا في توثيقِ اللهجاتِ التركيةِ من خلالِ كتابِهِ الشهيرِ "“ديوانِ لغاتِ التركِ"، الذي تضمَّنَ أيضًا خريطةً توضِّحُ انتشارَ الشعوبِ التركيةِ.
وبعدَ القرنِ الثالث عشر تأثرت اللغةُ الإيغوريةُ بالفارسيةِ والعربيةِ، وتطورتْ إلى اللغةِ الجاغتائيةِ التي أصبحتِ اللغةَ الأدبيةَ الأبرزَ في آسيا الوسطى لقرونٍ عديدةٍ، قبلَ أنْ تتفرعَ عنها الإيغوريةُ والأوزبكيةُ الحديثتانِ. ولهذا السببِ ما تزالُ الإيغوريةُ الحديثةُ تحتفظُ بكمٍّ كبيرٍ من المفرداتِ ذاتِ الأصولِ الفارسيةِ والعربيةِ.
أمَّا ثقافةُ الإيغورِ، فقد أثارتِ اهتمامَ العالمِ منذُ أواخرِ القرنِ التاسع عشر، عندما كشفت البعثاتُ العلميةُ والأثريةُ في مناطق طريقِ الحريرِ عن كنوزٍ حضاريةٍ هائلةٍ، شملت المعابدَ الكهفيةَ، والأديرةَ، والرسوماتِ الجداريةَ، والمنمنماتِ، والمخطوطاتِ النادرة. وقد نُقل كثيرٌ من هذه الآثار إلى متاحفَ عالميةٍ في برلين ولندن وباريس وطوكيو وسانت بطرسبرغ ونيودلهي، حيثُ تُعرضُ بوصفِها جزءًا من التراثِ الإنسانيِّ العالميِّ.
وتعكسُ تلكَ الاكتشافاتُ مدى التطورِ الحضاريِّ الذي بلغَهُ الإيغورُ عبرَ قرونٍ طويلةٍ، إذْ كانتْ حضارتُهم واحدةً من أبرزِ حضاراتِ آسيا الوسطى وأكثرِها تأثيرًا قبلَ أنْ تبدأَ بالتراجعِ إثرَ الغزوِ المانشويِّ وما تبعَهُ من تحوُّلاتٍ سياسيةٍ كبرى.
جغرافيًّا، تمتدُّ تركستانُ الشرقيةُ على مساحةٍ تقاربُ 1.82 مليونَ كيلومترٍ مربعٍ، أي ما يعادلُ تقريبًا ضعفَ مساحةِ تركيا أو أربعةَ أضعافِ مساحةِ ولايةِ كاليفورنيا الأمريكيةِ. وتغطي الصحارى نحوَ 43% من أراضيها، بينما تشغلُ السلاسلُ الجبليةُ قرابةَ 40%.
وتنقسمُ المنطقةُ إلى حوضينِ رئيسيينِ: حوض تاريمَ جنوبًا، الذي يضمُّ صحراءَ تكلامكانَ، إحدى أكبرِ صحارى العالمِ، وحوض جونغارَ شمالًا الذي يحتوي على صحراء قربانتونغوت. وتخترقُ جبالُ تيان شان، أو "تينغريتاغ"، وسطَ الإقليمِ وتقسمُهُ إلى منطقتينِ شماليةٍ وجنوبيةٍ.
وفي الشمالِ تمتدُّ جبالُ ألتاي على الحدودِ معَ منغوليا وروسيا وكازاخستانَ، بينما تفصلُ جبالُ كونلونَ جنوبًا بينَ تركستانَ الشرقيةِ والتبتِ. ومن أبرزِ أنهارِ المنطقةِ نهرُ تاريم، الذي يبلغُ طولُهُ 2137 كيلومترًا، ونهرُ إيلي الذي يتجهُ نحوَ كازاخستان، ونهرُ إيرتيشَ المتجهُ إلى المحيطِ المتجمدِ الشماليِّ، إضافةً إلى نهرِ كاراشارَ الذي يصبُّ في بحيرةِ باغراشَ.
وهكذا، تمثلُ تركستانُ الشرقيةُ تاريخًا طويلًا من التفاعلِ الحضاريِّ والصراعِ السياسيِّ، بينما يظلُّ شعبُ الإيغورِ محافظًا على لغتِهِ وثقافتِهِ وهويتِهِ رغمَ التحوُّلاتِ الكبرى التي شهدتْها المنطقةُ عبرَ القرونِ.




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)