الإكوادور: غليان شعبي بسبب كورونا وصندوق النقد

الإكوادور: غليان شعبي بسبب كورونا وصندوق النقد

مشاهدة

02/06/2020

اندلعت العديد من الاحتجاجات في الإكوادور دعت إليها النقابات العمالية، وخرج الناس إلى الشوارع؛ رفضاً للتدابير الاقتصادية التي فرضها الرئيس لينين مورينو في مواجهة الأزمة المالية الناتجة عن انخفاض أسعار النفط وتداعيات وباء كورونا.
وتسبّب ضغط تفشي وباء كوفيد-19 بانهيار نظام المستشفيات ونقص الأماكن في المشارح، الأمر الذي دفع رئيس الإكوادور لينين مورينو، مطلع الشهر الماضي إلى الاعتراف بأنّ حكومته تواجه "مشاكل" في معالجة تكدس جثث ضحايا فيروس كورونا.

مواطنون يبنون مدافن لضحايا كورونا في الإكوادور

وقالت صحيفة "لا خورنادا" المكسيكية، إنّ كلاً من انهيار أسعار النفط العالمية وآثار الوباء أدت إلى خفض الإيرادات الضريبية بمقدار 8 مليارات دولار، مما ضغط على الحكومة لخفض الإنفاق، والذي يشمل تخفيض يوم العمل ورواتب المسؤولين العامين، وكذلك إغلاق بعض مكاتب الدولة.

أستاذ الأدب الإسباني موريس ألكسندرو لـ"حفريات": سيناريو الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية يتكرر هذه المرة مع الإكوادور

ودفعت هذه التدابير نقابات العمال والمنظمات الاجتماعية، كما نقل موقع "اليوم السابع" إلى الدعوة لمسيرات احتجاجية، مع ملصقات وشعارات مناهضة للحكومة، في شوارع وسط كيتو، في الوقت الذي يتم الحفاظ على حجز صارم بسبب العدد المتزايد من الإصابات والوفيات الناجمة عن الفيروس، كما خرجت احتجاجات مماثلة في جواياكيل وبورتوفييخو، وانضم إلى الاحتجاجات عمال السكك الحديدية، الذين يعانون من إغلاق لشركاتهم.
وتأتي هذه الاحتجاجات لتستأنف موجة من التظاهرات العارمة التي اندلعت في تشرين الأول (أكتوبر) 2019؛ ودعت إليها النقابات العمالية في الإكوادور ضدّ السياسات التقشفية التي يفرضها صندوق النقد الدولي على السكان المحليين، خاصة السكان الأصليين الذين يمثلون الطبقة الأكثر تهميشاً في البلاد.
السياسات التقشفية
وكان أدّى إعلان حكومة "لينين مورينو" حزمة من الإصلاحات الاقتصادية المضادة، بقيمة 2.2 مليار دولار أمريكي، في مطلع تشرين الأول (أكتوبر)، إلى مظاهرات وإضرابات جماعية، وجاء ردّ الحكومة، التي تخشى فقدان السيطرة على الوضع، بقمع وحشي من جهاز الشرطة، وأعلنت بعدها بيومين حالة الطوارئ القصوى لمدة يوم؛ إذ تتضمن حزمة لينين مورينو رفع الدعم عن أسعار الوقود، وخفض الإنفاق العام، والاعتداء على الحقوق المكتسبة لموظفي الخدمة المدنية والعاملين في القطاع العام وتخفيض أيام العطل المدفوعة، من 30 إلى 15 يوماً في السنة، وهو يوم خاص للأجور المساهمة، وتجديد العقود المؤقتة مع خسارة بنسبة 20 % في الأجور، وخطة التسريح الجماعي في القطاع العام، وإصلاح شامل لعقود العمل، بالطبع في صالح أصحاب رؤوس الأموال، الجزء الأكبر من الإجراءات التي تمّ الإعلان عنها سيضرب العمال والفقراء، وتصاحب ذلك مع تدابير لصالح الرأسماليين، ومن بين هذه التخفيضات في التعريفات الجمركية على استيراد السلع الرأسمالية والسلع الاستهلاكية، وإلغاء الدفع المتقدم لضرائب الشركات وإلغاء الضريبة على تصدير رأس المال.

الرئيس الإكوادوري لينين مورينو

حزمة التدابير هي جزء من الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه في وقت سابق من هذا العام مع صندوق النقد الدولي، مقابل قرض متعدد الأطراف بقيمة 10 مليارات دولار (يساهم صندوق النقد الدولي بمبلغ 4.2 مليار دولار)، وبحسب تقرير بثته قناة "بي بي سي" الإسبانية؛ تمّ التفاوض على القرض من قبل وزير المالية، ريكاردو مارتينيز، الذي تمّ تعيينه، في أيار (مايو) 2018، مباشرة، كونه رئيس اتحاد الأعمال "Comité Empresarial Ecuatoriano"؛ إذ تتمثل الأهداف المعلنة للحزمة في تحويل عجز مالي قدره 0.9 % من الناتج المحلي الإجمالي، عام 2018، إلى 3.8% من فائض الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل، لتخفيض ديون البلاد من 46.1% من الناتج المحلي الإجمالي، عام 2018، إلى 36.6%، ومضاعفة الاحتياطيات الأجنبية للبلاد من 5.1 مليار دولار إلى 11.4 مليار دولار، بحلول عام 2021، ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي الخاصة، فهذا البرنامج سوف يغرق البلاد في الركود هذا العام، مع انخفاض 0.5% في الناتج المحلي الإجمالي.

الحراك الجماهيري
وفق صحيفة التيمبو "El Tiempo" الإكوادورية؛ بمجرد إعلان الإجراءات، انطلقت مظاهرات عفوية في العاصمة كيتو ضدّ القرارات؛ إذ أعلن سائقو الحافلات وسيارات الأجرة والشاحنات عن التوقف الوطني "الإضراب"، وانضم إليهم من قبل المنظمات الطلابية والنقابات التي دعت إلى المظاهرات والإضرابات، كانت الحركة كبيرة بشكل خاص في كيتو، لكنّها أثرت على معظم مقاطعات البلاد في بعض المدن، مثل كوينكا وإمبابورا، حاصر المتظاهرون مقرّ الحاكم الإقليمي، وحاولوا الاستيلاء عليه، كانت المظاهرات الجماهيرية، جنباً إلى جنب، مع حواجز الطرق والمتاريس، في غواياكيل؛ إذ حدثت بعض حالات النهب في المقاطعة، وتوضح تقارير الجريدة أنّ بعض التدابير (الإصلاحات الضريبية والعمالية) تحتاج إلى موافقة الكونغرس الأمريكي، لكنّ إلغاء الدعم على الوقود بدأ سريانه على الفور، مع زيادة في الديزل من 1.03 دولار للغالون إلى 2.27 دولار، وارتفع البنزين من 1.85 دولار للغالون إلى 2.30 دولار؛ إذ  أثار هذا الإجراء غضباً كبيراً؛ حيث سيكون له تأثير غير مباشر على أسعار النقل الجماعي والسلع الاستهلاكية.

 من تظاهرات تشرين الأول الماضي

ردّت الحكومة بقمع وحشي، وأطلقت الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين ثم صدمتهم بالعربات المدرعة، تم القبض على أكثر من 200 شخص في اليوم الأول من التظاهرات، في العاصمة وحدها، وخرج الجيش إلى الشوارع في عدة مدن لمواجهة المتظاهرين، ولم يهدّئ أيّ من ذلك مزاج المتظاهرين الذين هتفوا بشعارات مثل: "إما أن تذهب الحزمة أو تذهب الحكومة"، "الناس ليسوا خائفين"، وساروا في تجمعات إلى القصر الرئاسي، وفي اجتماع موسع لمجلس الوزراء، كانت هناك انقسامات حول الطريق إلى الأمام، اقترح البعض تعليق رفع دعم الوقود من أجل تهدئة الاحتجاجات، وخشي آخرون من أن يشجع فقط الحركة ضدّ الحزمة بأكملها، هدّد وزير المالية، مارتينيز، بالاستقالة في حالة تقديم أيّة تنازلات، وهو ما كشف الانقسامات في الأعلى، الناتجة عن قوة الحركة من الأسفل، وكان من المفترض أن يدلي الرئيس، لينين مورينو، بتصريح إذاعي وطني، الذي تمّ تأجيله ثم ألغِي، واستُبدل بمقطع فيديو مسجّل مدته ثلاث دقائق، يثني على مزايا الحزمة، قائلاً: إنّه لم يعد هناك مجال للعودة إلى أيّة مفاوضات وإنذار.

احتدام الصراع

تحت عنوان "العراك حول مستقبل الإكوادور الاقتصادي"، نشرت جريدة "الإندبندنت" البريطانية، مقالها حول تحليل الوضع في الإكوادور، وطبيعة الصراع الدائر بين الحكومة المنصاعة لسياسات صندوق النقد الدولي، والذي يدار من الكونغرس، والغالبية العظمى من شعب الإكوادور، الذين سئموا التقشف، وها هم اليوم يريديون المزيد من التقشف وسحق الطبقات الدنيا، إذ إنّ القرار أغضب السكان الأصليين بشكل خاص، الذين قدموا للتظاهر في العاصمة والمقاطعات المجاورة، نازحين من الأمازون والإنديز، لردع الحكومة عن قرارها، إلّا أنّ مورينو أعلن عدم التراجع عن هذه الخطوة، معللاً بأنّ بلاده غارقة في الديون، وليس من سبيل للعودة عن رفع الدعم عن الوقود.

 

 

في هذا الصدد؛ صرح الإكوادوري وأستاذ الأدب الإسباني في جامعة جلاسجو بإسكتلندا، المقيم بين القاهرة وإسكتلندا، موريس ألكسندرو، في حديثه لـ "حفريات": بأنّ "مورينو الذي قدّم نفسه للشعب الإكوادوري كرئيس يساري، جاء منحازاً إلى الفئات الأكثر تهميشاً، ها هو ينقلب على الشعب وعلى اليسار نفسه، إذ أقحم نفسه في ماكينة النيوليبرالية، والتي لا تحتاجها الإكوادور بأي حال".وأضاف: "في رأيي؛ سيناريو الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية يتكرر هذه المرة مع الإكوادور، التي يخشى مورينو أن تنقلب عليه، وسيناريو 2010، الذي حدث مع سالفه، رافائيل، لذلك يحاول مورينو تقديم الولاء لأمريكا، خوفاً من إزاحته؛ لذلك فإنّ القمع الوحشي الذي طال المتظاهرين، ليس إلّا قربان ولاء لحلفائه الأمريكيين، وهو على استعداد لتقديم المزيد من التنازلات، حتّى وإن كلفته إبادة الشعب بأكمله، لكنّ الحركة الجماهيرية، نتيجة تماسكها، استطاعت تحريك الصخرة، بعد أن هربت الحكومة، وهي بارقة أمل جيدة، ليس لشعب الإكوادور فحسب؛ بل لكلّ شعوب العالم الثالث المكتوية بنيران صندوق النهب الدولي"، هذا وقد استطاعت الحشود الجماهيرية الصمود أمام قمع الشرطة الوحشيّ، بل وإخافة النظام السياسي، حيثُ تمّ تحدي سلطة الدولة جزئياً؛ إذ أجبرت الانتفاضة الحكومة على الفرار من العاصمة، وعلقت الجمعية الوطنية جلساتها، بينما الحكومة ما تزال في السلطة، ولم تُسحب الحزمة.

 

 

الصفحة الرئيسية