الإسلام رسالة حياة وليس رسالة موت

الإسلام رسالة حياة وليس رسالة موت

الإسلام رسالة حياة وليس رسالة موت


23/04/2026

لا يمكن فهم المقاصد العليا للشريعة الإسلامية بمعزل عن كونها رسالة "حياة" في المقام الأول؛ فالجوهر الأخلاقي للدين الإسلامي ينبني على فلسفة "صناعة الحياة" لا طلب الموت. إنّ الغاية الجوهرية التي تنتظم من أجلها نصوص الوحي ـ سواء في شق العبادات الروحية أو المعاملات المدنية ـ تهدف بوضوح إلى صيانة الوجود الإنساني وترقيته، والنفور من كل المسالك التي تقود الفرد أو الجماعة نحو العدمية أو تدمير الذات. فالإسلام، في جوهره الأصيل، لم يأتِ ليؤسس لثقافة المدافن، بل ليكون إعلاناً عالمياً يحرر العقل البشري من أغلال اليأس، ومن أغلال الانتقام باسم الدين أو الثقافة، ويوجه الطاقات الإنسانية نحو "الاحتفاء بالحياة" بوصفها هبة إلهية تستوجب الرعاية والتقدير. ولا شك أنّ الاحتفاء بالحياة يجلب من ورائه قوة العمران الحضاري الذي يحفظ للجماعة كيانها وأمنها.

والمتأمل بعين البصيرة في النسق القرآني، يدرك أنَّ "الحياة" هي القيمة المحورية التي يدور حولها فلك التشريع؛ فمهمة "الاستخلاف" الإلهي للإنسان لا يمكن أن تكتمل أركانها أو تستوي نتائجها إلا بالحفاظ على النفس البشرية وتوفير سبل ازدهارها. الله ـ سبحانه ـ حين استخلف الإنسان لم يستخلفه ليهدم أو ليسفك الدماء، بل أناط به أمانة "العمران". والعمران مصطلح يختزل في ثناياه كل صور التنمية، والإبداع، والفنون، والعلوم، وبناء الجسور بين البشر. وبناءً عليه، فإنّ الخراب ـ بكل صوره المادية والمعنوية ـ يظل هو العدو الأول لمبدأ التوحيد الذي يرى في إعمار الأرض جزءاً من عبادة الخالق.

إنَّ الإسلام يتدفق كطاقة حيوية دافعة نحو التفاؤل والعمل؛ فهو يحث المؤمن على أن يكون عنصراً فاعلاً وإيجابياً في "معادلة البقاء" الإنساني. ففي الوقت الذي قد ينكفئ فيه البعض على الذات، يرفع الإسلام شأن التفاصيل الصغيرة؛ فيجعل الابتسامة في وجه الآخر صدقة، وإماطة الأذى عن طريق الناس من الخير والبر، والطريق هنا في بُعده المادي والمعنوي، بل يصل بهذا التقديس للحياة إلى ذروته حين يأمر بغرس "الفسيلة" والقيامة تلوح في الأفق، في إشارة رمزية إلى أنَّ العمل والبناء هما الأصل الأصيل، حتى وإن شارف الزمان على الانتهاء.

ومع ذلك، برزت في الحقب المتأخرة قراءات مأزومة ومسكونة بهاجس السلطة، عملت على "تأميم" الدين وتوظيفه لصالح خطابات العنف السياسي؛ فحوّلت الرسالة من دعوة كونية للعيش المشترك إلى "إيديولوجيا موت" تمجد الصدام والقتال مع "المخالف". إنَّ الارتماء في حضن الدمار والترويج للحروب كغاية دينية مقدسة، ليس في حقيقته إلا طعناً مباشراً في جوهر أمانة الاستخلاف الإلهي. فالدين الذي بُعث ليربط الإنسان بخالقه "رب الحياة"، لا يمكن أن يستحيل ـ بذاته وصفاته ـ أداةً لتبرير الموت، أو مسوغاً لتدمير المدنيات وهدم العمران لمجرد الاختلاف في الرأي أو المعتقد أو المذهب. إنَّ استعادة "فقه الحياة" وتكريس فلسفة الوجود ليست مجرد ترف فكري، بل هي الخطوة الوجودية الأولى لتفكيك بنية إيديولوجيات الفناء التي شوهت نقاء الرسالة، وحوّلتها من سعة الرحمة الربانية إلى ضيق الرصاص والخنادق.

لكنَّ الفاجعة التاريخية والمعاصرة تتبدى بوضوح في تلك "النقلة الارتدادية" التي هندستها تيارات الإسلام السياسي وفصائل التشدد؛ إذ مارست نوعاً من "الجراحة القسرية" على المفهوم الديني، لتقسره على التحول من فضاء "فقه الحياة" الرحب إلى دهاليز "ثقافة الموت". لقد تم اجتزاء النصوص من سياقاتها المقاصدية والتاريخية الكبرى، وحُشرت قسراً في قوالب صراعية عدمية، حتى استحال "القتال" في وعيهم هو الأصل لا الاستثناء، وغدا "التكفير" هو المعيار الوحيد لتصنيف البشر، وبات "الموت" هو الغاية الأسمى والجائزة الكبرى التي يُغرر بها الشباب ويُدفعون نحوها دفعاً. هذا المسار المنحرف حوّل الدين من مظلة أخلاقية تحمي "العالمين"، إلى "نزعة جنائزية" تمجد التلاشي والفناء، وتجعل من تصفية المخالف قرباناً زائفاً يُتقرب به إلى الله، في مفارقة صادمة وصارخة لقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.

إنَّ هذا المسعى لتحويل الإسلام إلى "آلة قتالية" صماء ضد الآخر، يمثل اغتيالاً رمزياً لروح النص القرآني، وتشويهاً متعمداً للمشروع الحضاري الذي جاء ليُخرج البشرية من ضيق الأوهام والانكفاء، إلى سعة الوجود والانفتاح. إننا اليوم أمام استحقاق نقدي وتاريخي يفرض علينا تفكيك هذا الخطاب المتطرف الذي استبدل "إرادة الإعمار" بـ "شهوة التدمير"، وعوض لغة الحوار السوي بلغة الرصاص الدامية. إنَّ الإسلام الذي شيّد صروح حضارة الأندلس وبغداد، وشرّع الأبواب أمام الفلسفة والطب والفلك والفنون، هو ذاته الدين الذي يلفظ اليوم كل محاولات حصره في سردية القتال العبثي. إنَّ استرداد الإسلام من قبضة خاطفيه يبدأ بالضرورة من إعادة الاعتبار له كـ "رسالة حياة"، ومن التصدي المعرفي الصارم لتلك التأويلات البائسة التي لا ترى في الآخر إلا هدفاً للتصفية الجسدية، ولا تبصر في الدنيا إلا داراً للخراب والتحلل، غافلةً عن حقيقة كبرى؛ وهي أنَّ الإيمان الحق هو الذي يزهر حباً، ويثمر بناءً، ويفضي إلى سلام يغمر أرض الله الواسعة ببهائه.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية