الإسلام جزء لا يتجزأ من الحداثة

الإسلام جزء لا يتجزأ من الحداثة

الإسلام جزء لا يتجزأ من الحداثة


09/02/2026

فرنسيس غليس

أصدر المؤرخ البريطاني جيمس ماكدوغال كتابا بعنوان “عوالم الإسلام: تاريخ عالمي”. ويتميّز هذا الكتاب باتساع أفقه وعمق مقاربته، مقدّما رؤى غير متوقعة تُربك التصورات السائدة. فمع محافظته على منظور تاريخي شامل، يشرح كيفية ترسّخ الإسلام في مناطق بعيدة جدا عن موطنه الأول في الشرق الأوسط، ممتدا إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وآسيا الوسطى، وشبه القارة الهندية، والفلبين، والصين، وصولا إلى المجتمعات الأميركية – الأفريقية في الولايات المتحدة. وبحلول الوقت الذي وصلت فيه المجتمعات الإسلامية إلى جنوب أوروبا وهذه الرقع الجغرافية المتعددة، كان هذا الدين قد تحوّل بالفعل إلى رسالة خلاص عالمية موجّهة إلى البشرية جمعاء، متجاوزا الإطار العربي الذي نزل فيه أولا وباللغة التي حملته في بداياته.

حتى عنوان الكتاب، “عوالم الإسلام”، يأتي كتحدٍّ مباشر للافتراضات الاستشراقية الراسخة، فهو يؤكد أن العوالم المتعددة التي شيّدها المسلمون لم تكن مترابطة فقط عبر التعاليم الدينية والقيم الروحية والعلماء المتنقلين والمتصوفة، بل أيضا، وبالقدر نفسه من الأهمية، عبر التجار والمال والمصالح المادية وأنماط الرياح التجارية. وكما هو حال المسيحيين، خاضت الدول والمجتمعات الإسلامية في العصور الوسطى حروبا في ما بينها، وعقدت تحالفات مع غير المسلمين ضد مسلمين آخرين، تماما كما خاضت حروبا ضد غير المسلمين دفاعا عن الدين. ويعكس هذا الواقع تجربة إسبانيا في العصور الوسطى، وعلى نطاق أوسع، العلاقات المعقدة بين الدول الإسلامية والمسيحية عبر القرون اللاحقة.

ويذكّر المؤلف، المعروف بعمله المرجعي “الجزائر: تاريخ” الذي يغطي الفترة الممتدة من 1515 إلى 2015، بأن مفكري أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين فرضوا تصنيفات على شعوب العالم، عرّفوا من خلالها الحضارات على أساس الهوية الدينية والعرقية، وغالبا ما دمجوا الانتماء الثقافي أو الديني في ما اعتبروه خصائص عرقية ثابتة. ورغم أن هذه الأفكار بلغت ذروتها في عصر الإمبراطوريات، فإن آثارها ما زالت حاضرة في بدايات القرن الحادي والعشرين، مدعومة بنشاط سياسي وإعلامي من شخصيات مثل جورج بوش، ودونالد ترامب، وقادة إسرائيليين، وعدد من السياسيين الأوروبيين، وليس فقط من اليمين السياسي المتطرّف.

وتنطلق هذه الرؤى من قناعة مشتركة مفادها أن العالم الإسلامي كيان واحد متجانس، منفصل تاريخيا عن غرب أوروبي – أميركي متجانس بدوره. ويرى ماكدوغال أن هذا التصور يقف في صميم العديد من الأزمات التي تضرب الشرق الأوسط، والقوقاز، وشبه القارة الهندية الباكستانية. ويعارض المؤلف الافتراض القائل بأن الحداثة وقيمها وأنماطها حكر على الغرب ومنبثقة حصريا من مساره التاريخي، موضحا تصوير الإسلام والحداثة طويلا على أنهما غير متوافقين، لأن الحداثة عُوملت كملكية غربية، وكُرّست كتحدٍّ يُفترض أن المسلمين عاجزون عن مجابهته.

يُفسر هذا المنظور، بحسب ماكدوغال، الانتشار الواسع لفكرة الصدام الحتمي بين الإسلام والغرب عقب هجمات 11 سبتمبر، كما يفسر عودتها بقوة في وسائل الإعلام والطبقة السياسية الأوروبية بعد هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023. ويرى أن الاستشراق أصبح متغلغلا في قلب الصراعات التي يدّعي تفسيرها: فكلما زاد القبول بفرضياته، ساهم ذلك في تحقق النتائج ذاتها التي يتنبأ بها.

وتحوّل الاستشراق، بدلا من كونه توصيفا موضوعيا للواقع، إلى واحدة من أكثر الخرافات رسوخا في العصر الحديث. وكغيره من الخرافات، يبقى بناء خياليا، لكنه ذو آثار ملموسة، يحقق نبوءاته من خلال شيطنة الأقليات الضعيفة أصلا، وتأجيج مناخ عالمي من العنف يؤثر في الشباب المسلمين المهمشين، والسياسيين الانتهازيين، وطيف واسع من المواقف في الولايات المتحدة وأوروبا، يمتد من اليسار العلماني إلى المحافظين المعتدلين واليمين المتطرف.

ويبرز هذا النمط بوضوح في فرنسا، حيث يقدّم معلقون من المحافظين الجدد هذه الطروحات على أنها مواجهة شجاعة مع الواقع. وعلى شاشة قناة سي نيوز يرى مساهمون دائمون، يصوّرون الإسلام والعرب كمصادر تهديد، أنفسهم حماة لحرية التعبير ومدافعين عن الحضارة الغربية التي يعتقدون أنها مهددة بـ”العدوان الإسلامي” وبالنقد الذاتي الليبرالي. وسواء أكان هذا الموقف تعبيرا عن جنون ارتيابي يخدم مصالح ضيقة أم قراءة مزعومة للتاريخ، فقد أثبت رواجا لافتا.

ويقدّم الكتاب، في مجمله، رؤية شاملة يمكن قراءتها بوصفها إعادة نظر جذرية في التاريخ الإسلامي. فهو يرسم فسيفساء غنية بالتفاصيل عن حياة المسلمين وثقافاتهم ومجتمعاتهم منذ عهد النبي محمد فصاعدا. ورغم صعوبة تلخيص استعراض يمتد خمسة عشر قرنا عبر فضاء جغرافي شاسع، يحافظ المؤلف على وضوح السرد ورؤيته الكلية. وتتمحور حجته الأساسية حول أن الحداثة، بوصفها حالة مشتركة لكنها غير متكافئة بعمق، نشأت عبر تحولات ديناميكية في الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية، ربطت بين العالم الأطلسي وأفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ، وأن المسلمين كانوا جزءا فاعلا من هذه العملية لا معزولين عنها.

في هذا الإطار، يُقدَّم الإسلام المعاصر بوصفه نتاج العصر الحديث، تشكّل ضمن تاريخ عالمي مترابط وإن كان غير متكافئ، شمل الدول والمجتمعات، والتجارة، والإمبراطوريات، والحروب، والرأسمالية، والتكنولوجيا، وحركة التنقل. وهو بذلك لا ينفصل عن الطرق التي يعيش بها الناس في كل مكان، وعن الكيفية التي يحددون بها مكانتهم في العالم.

لقد توسّع الإسلام وتجزأ وتعرض لاضطرابات غير مسبوقة بفعل المزايا النسبية التي تمتعت بها أوروبا في تراكم الثروة والمعرفة العلمية والعنف المتطرف المنظم. ولم يقتصر إخضاع المجتمعات الإسلامية على القوة العسكرية والهيمنة المالية الأوروبية، بل شمل أيضا إقصاءها من التصور الأوروبي الذاتي بوصفه المحرك الوحيد للتاريخ الحديث.

ويختتم ماكدوغال كتابه بنبرة متزنة وتأملية، مقارنا بين الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية. وكما استهدفت معاداة السامية يهودا حقيقيين عبر صورة نمطية خيالية عن “اليهودي”، صاغتها المخاوف الدينية والعرقية ونظريات المؤامرة والافتراءات، فإن الإسلاموفوبيا تستهدف مسلمين حقيقيين من خلال صورة كاريكاتيرية غير تاريخية للإسلام.

ويشير إلى أن تفسيرات مماثلة، قائمة على الوصم والتجريد، تُسهم في تصاعد العنف الخطير في دول مثل روسيا والهند والصين. وفي المحصلة، يقدّم الكتاب دليلا فكريا ثمينا، مكتوبا بأسلوب أنيق، يساعد القارئ على فهم واقع عالمي مضطرب، وعلى استيعاب عوالم الإسلام الغنية.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية