إنّهم يكرهون الحضارات القديمة

إنّهم يكرهون الحضارات القديمة

إنّهم يكرهون الحضارات القديمة


06/11/2025

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وأثناء إحدى الرحلات الشبابية التي نظّمها المجلس الأعلى للشباب والرياضة إلى الأقصر، شهد معبد الكرنك موقفًا لافتًا يُعدّ نموذجًا مبكرًا لرفض جماعة الإخوان المسلمين للهوية المصرية القديمة. 

ففي شهر كانون الثاني (يناير) 1989، تقدّم نحو ((20 شابًا في سن الجامعة لمشاهدة عرض الصوت والضوء الشهير، الذي يروي تاريخ مصر القديمة. كان صوت الفنانين الكبيرين يوسف وهبي وعبد الوارث عسر مميزًا، وألقى بظلال من الوقار والهيبة في قلوب المستمعين، غير أنّ هؤلاء الفتية كانوا يضمرون أمرًا آخر. 

فما إن انطفأت الأنوار وانتهى العرض، حتى تجمّعوا وحملوا أحدهم الذي بدأ يهتف، فردّدوا خلفه: "الله أكبر ولله الحمد"، "إسلامية... إسلامية"، "لا شرقية ولا غربية"، "عودي يا مصر إسلامية، لا فرعونية ولا وثنية". ثم ارتفعت هتافاتهم ضد الملك رمسيس قائلين: "يا رمسيس يا إبليس يا اللّي بتعبد عجل أبيس". ضجّت ساحة معبد الكرنك بهذا الهتاف الغريب وسط ذهول السياح والمصريين.

هؤلاء لم يكونوا سوى أسرة (خلية) من جماعة الإخوان، أمّا الفتى الذي رفعوه على أكتافهم   وكان يهتف؛ فهو الأستاذ طارق البشبيشي، القيادي السابق في الجماعة، وقد أورد بنفسه تلك الحكاية في كتابه "كنت إخوانيًا وصرت مصريًا". لم يكن المشهد مجرد حماس شباب، بل كان عملاً منظمًا لجماعة استغلت هذه الرحلات لبناء شبكتها التنظيمية، وفي الوقت نفسه تعلن رفضها للهوية الفرعونية أمام العالم؛ موقف يترجم ثقافة راسخة داخل الفكر الإخواني والإسلاموي، الذي يعادي الحضارات القديمة وعلى رأسها الحضارة المصرية، باعتبارها حضارة "وثنية" لا يجوز الاحتفاء بها. 

طالبان وتماثيل بوذا

في أفغانستان، وبعد هذه الواقعة بسنوات قليلة، طبّقت طالبان الرؤية ذاتها تجاه الحضارات القديمة؛ الفارق فقط أنّ الإخوان في معبد الكرنك كانوا يملكون حناجرهم، بينما كانت طالبان تملك السلطة والحكم والسلاح، فبعد وصول طالبان إلى الحكم، أصدرت الحركة في آذار (مارس) 2001 قرارًا رسميًا بتدمير تماثيل بوذا في باميان، بزعم أنّ هذه التماثيل "أصنام" تُعبد من دون الله، وأنّ الإسلام يرفض بقاء الأصنام.

وصرّح الملا محمد عمر، زعيم طالبان حينها: "إذا كان الناس يقولون إنّ هذه التماثيل مقدّسة، فنحن لا نقبل بوجودها، وإذا كانوا لا يعبدونها، فلماذا يحزنون على تدميرها؟" هكذا ردّ متجاهلًا دعوات دولية وإسلامية للحفاظ على التماثيل، حتى من دول مسلمة مثل إيران ومصر، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والأمم المتحدة. 

لقد تجاهلوا أنّ هذه التماثيل ليست أصنامًا تُعبد، ولا تمثل خطرًا على الدين أو المجتمع، لكنّه العداء للتاريخ القديم، لم يشفع لها أنّها تحف أثرية ضخمة منحوتة في الجبال، تعود إلى القرن السادس الميلادي، وتُعدّ من أكبر تماثيل بوذا المنحوتة في العالم، وذات قيمة تاريخية وحضارية عالمية، وأُدرجت ضمن التراث الإنساني العالمي برعاية اليونسكو، وفي عملية استمرت عدة أسابيع، استخدموا المدفعية الثقيلة ثم الديناميت لتفجير التماثيل تدريجيًا، وكأنّهم يعلنون موقفهم العدائي من التاريخ الإنساني بكل إصرار.

داعش والمتاحف والآثار والأثريين

تكرر الأمر بصورة أكثر شراسة مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، عندما اقتحم متحف الموصل ودمّر الآثار أمام الكاميرات، في تدمير ممنهج للمتحف والمواقع الأثرية، وكانت ذروة حربهم على الحضارات القديمة والتراث الإنساني اقتحامهم متحف الموصل عام 2015، حين ظهر عناصر التنظيم من الرجال والنساء وهم يحطمون التماثيل الآشورية والحثّية باستخدام المعاول والمطارق.

وفي مدينة نمرود التاريخية، فجّر التنظيم قصورًا آشوريةً تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، ودمّر معبد "بعل شمين"، ومعبد "بعل"، و"قوس النصر"، وعددًا من المدافن البرجية، هذا إضافة إلى نهبهم للآثار وبيعها لتمويل التنظيم وعملياته التخريبية والقتالية، وكذلك إعدامهم لعالم الآثار السوري "خالد الأسعد" عام 2015، بعد رفضه تسليم معلومات عن الآثار أو التعاون معهم، وأمام هذه الهجمات التخريبية الهمجية، أصدرت الأمم المتحدة بيانًا يدين هذه الممارسات التي تُعدّ جريمة ضد الإنسانية.

هيئة تحرير الشام وتدمير التراث في حلب

ظهرت أدلّة تشير إلى أنّ جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حاليًا) شاركت في أنشطة أضرّت بالتراث المادي (الآثار، المواقع، المتاحف) وتدمير حلب الأثرية من خلال النهب والتدمير واستغلال المواقع الأثرية عسكريًا خلال فترة سيطرتها على بعض المناطق في سوريا، ففي عام 2013 تم تفجير مقام الشيخ محسن في معرّة النعمان، واستُخدم متحف معرّة النعمان لأغراض عسكرية أثناء الاشتباكات، ممّا أدى إلى تعرّضه لأضرار بسبب القصف، وفي عدة مناطق مثل إدلب وشمال حماة تمّ استخدام بعض المواقع الأثرية كمواقع تحصين أو مخازن سلاح، مثل تل مرديخ (مدينة إيبلا الأثرية)، ووردت تقارير عن تعاون بعض مقاتلي النصرة مع مهرّبي آثار عبر تركيا. 

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي 

حسب تقارير صادرة عن اليونسكو ومنظمات معنية بالتراث، تم إنقاذ عدد كبير من المخطوطات القديمة في تمبكتو، إذ جرى نقلها سرًا من مناطق سيطرة الجماعات المسلحة حفاظًا عليها، إلا أنّ بعض المخطوطات والمكتبات التاريخية تعرّضت للحرق أو التلف، خاصة أثناء انسحاب الجماعات المسلحة من المنطقة، ويُذكر أنّ مكتبة "معهد أحمد بابا" Ahmed Baba Institute في تمبكتو أصيبت بأضرار كبيرة، نتيجة حريق متعمّد أو بسبب الفوضى المصاحبة للعمليات العسكرية. 

وأشارت تقارير أخرى إلى أنّ آلاف  المخطوطات والتراث الثقافي تعرضت  للتدمير والحرق لأنّها - برأيهم - تمثل مرحلة "وثنية أو صوفية" لا يجوز الاحتفاظ بها، وتشير الأرقام إلى أنّ ما يقارب (4203) مخطوطة تعرّضت للحرق أو السرقة بين عامي 2012 و2013، في حين تم تهريب أو حماية نحو ((350 ألف مخطوطة خارج مناطق الصراع، وبقي حوالي (300) ألف منها في باماكو حتى عام 2022. هذه الاعتداءات لم تكن فقط على المخطوطات، بل طالت أيضًا معالم تراثية ومقامات صوفية ومساجد تاريخية؛ إذ تم تخريب أضرحة الأولياء في تمبكتو التي تُعدّ جزءًا من التراث الإنساني المسجّل في قائمة اليونسكو. 

حركة الشباب الصومالية والآثار 

تُعتبر حركة الشباب المجاهدين في الصومال من أبرز التنظيمات المسلحة التي أثّرت على التراث في البلاد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فحسب تقرير (UNSOM) الذي أوضح أنّ سيطرة الحركة على مناطق واسعة واندلاع نزاعات مسلّحة متكررة، أسهمت في تعريض العديد من المواقع التاريخية للخطر، إمّا بسبب تحويلها إلى مواقع عسكرية، وإمّا نتيجة غياب مؤسسات الدولة القادرة على حمايتها.

كما تسببت العمليات العسكرية بين الحركة والقوات الحكومية أو الأفريقية (الأميصوم) في تضرّر بعض المباني القديمة، مثل أجزاء من مدينة "مقديشو القديمة" وأسواقها التاريخية، وقد أُشير أيضًا إلى حالات نهب محدودة لقطع أثرية من مواقع تاريخية أو متاحف صغيرة، يُرجَّح أنّ بعضَها جرى تهريبه عبر تجار محليين إلى خارج البلاد، مستفيدين من حالة الفوضى الأمنية. 

يكرهون التاريخ والحضارات القديمة 

الأمر ليس انفعالًا عابرًا، ولا فهمًا خاطئًا، ولا موقفًا سياسيًا يناكفون به نظامًا حاكمًا، بل هو جذر فكري ثابت عند جماعات الإسلام السياسي، يقوم على رؤية جامدة للتاريخ، تعادي الحضارات القديمة وتراها كافرة لا تستحق الاحترام أو الحفظ، وتعادي الدولة الوطنية الحديثة، وتعادي أحد أهم مظاهرها المتمثل في الاهتمام بالآثار والمتاحف والاحتفاء بها كجزء من مكونها الحضاري، تيار يرى أنّ الاهتمام بالهوية الوطنية يُعدّ ردّة شعوبية مرفوضة، ومنافسًا لمشروع الدولة الدينية الذي يروّجون له، تيار يجعل من المتاحف عدوًا، ومن التمثال تهديدًا، ومن الهوية المصرية منافسًا للهوية الإسلامية. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية