الإرث الغامض لفتح الله غولن

الإرث الغامض لفتح الله غولن

الإرث الغامض لفتح الله غولن


19/02/2026

ترجمة: محمد الدخاخني

من بين الصور الأولى التي تستقبل الزائر لـ "متحف ذكرى 15 تموز (يوليو)" في إسطنبول - وهو مؤسَّسة تُحيي ذكرى فشل محاولة الانقلاب ضد نظام أردوغان في صيف عام 2016 - صورةٌ لشخصية تُحيط بها الظُّلمة على خلفية حمراء. ولا يحتاج الرجل المسن، الذي صُوِّر بشكل مُثير للشفقة، إلى أيّ مقدمة. واليوم من المرجح أن يتعرَّف أيّ متحدث تركي على فتح الله غولن، الذي توفِّي في بنسلفانيا الشهر الماضي عن عمر يناهز (83) عاماً. وباعتباره شخصية رائدة في حركة المجتمع المدني الإسلامي في البلاد، وحليفاً بارزاً للحزب الحاكم تحوَّل إلى عدو، فإنّ تأثيره على العقود القليلة الماضية من الحياة السياسية التركية يصعب المبالغة في تقديره. ومع ذلك، ما يزال إرثه غامضاً ومحل نزاع بالنسبة إلى كثير من غير الأتراك.

وُلد غولن لعائلة متواضعة في مقاطعة أرضروم الجبلية في شمال شرق البلاد. وعلى الرغم من أنّ تاريخ ميلاده مقبول الآن باعتباره السابع والعشرين من نيسان (إبريل) 1941، فإنّ بعض الروايات غير الموثوقة زعمت أنّه العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1938: وهو اليوم نفسه الذي توفِّي فيه أبو الأمّة التركية كمال أتاتورك. كان والد غولن إمام قرية، وفي طفولته كان غارقاً في الثقافة الدينية القائمة على المدارس الدينية في شرق الأناضول وكردستان، على الرغم من التوجيهات العلمانية القادمة من أنقرة. وقد وقع تحت تأثير تعاليم سعيد النورسي، وهو عالم دين كردي من مدينة بتليس القريبة، جمع بين مبادئ الصوفية والتيارات التحديثية في الإسلام السنّي. ومثله مثل العديد من أبناء الشرق من جيله، هاجر غولن إلى الغرب في شبابه، وسار على خُطا والده، فأصبح إماماً في أدرنة، ثم في إزمير. تشكَّلت نظرته من خلال الاختلاجات التي شهدتها الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، عندما تحدَّت مجموعة من الرؤى السياسية المتنافسة - الشيوعية، والديمقراطية الاجتماعية، والإسلاموية، والفاشية - الجمهورية العلمانية. وخلال ذلك الوقت شهدت الحركة الإسلاموية الناشئة في تركيا انتكاسات سياسية متكررة، الأمر الذي شجع غولن على التركيز على المجتمع المدني باعتباره المجال الذي يمكن من خلاله تعزيز رؤيته للتقوى الإسلامية.

بعد سجنه لفترة قصيرة بعد الانقلاب العسكري عام 1971، شَهِد غولن نمو سمعته كواعظ بشكل مطرد، خاصة بعد الانقلاب اللاحق في الثاني عشر من أيلول (سبتمبر) 1980، حين استولى الجيش مرة أخرى على السلطة في محاولة للقضاء على اليسار المُنظَّم. أسَّس شبكة من المدارس الخاصة، ودوائر القراءة الدينية، والشركات، والمنصات الإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، مستغلاً انفتاح الدولة النيوليبرالي الجديد على المؤسسات الإسلامية. لكنّ هذه الشبكة أصبحت محاصرة بعد الانقلاب "ما بعد الحداثي" في عام 1997، عندما ردَّت مجموعة من الجنرالات الأتراك على التحركات الإسلاموية بإجبار رئيس الوزراء نجم الدين أربكان على الاستقالة وتفكيك "حزب الرفاهة". لفترة وجيزة خلقوا مناخاً سياسياً من العلمانية المُنشَّطة التي تحركها صورة حنينيَّة لأتاتورك. وهذا دفع غولن إلى المغادرة إلى الولايات المتحدة بحجة البحث عن علاج طبي. وعملت مكانته باعتباره أبرز المغتربين عن تركيا لصالح حركته، ممّا سمح له بتصميم إمبراطورية عالمية من الشركات والمنظمات غير الحكومية بسهولة أكبر من خارج وطنه.

مفكر إسلامي وداعية تركي: فتح الله غولن

كانت فترة الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين بمثابة بوتقة لمستقبل العديد من الشخصيات السياسية الطموحة التي ما كانت لتُحتَضَن في العقود السابقة. ومن بين هؤلاء شاب من حي شعبي في إسطنبول فاقت مهاراته الخطابية مواهبه البارزة في ملعب كرة القدم: رجب طيب أردوغان. وفي حين كان غولن ينظم نفسه داخل المجتمع المدني، سعى أردوغان إلى السلطة السياسية، ففاز بمنصب عمدة إسطنبول في عام 1994 كعضو عن (حزب الرفاهة). وكان الانقلاب الذي وقع في عام 1997 عقبة مؤقتة - فقد سُجِن (10) أشهر لإلقائه قصيدة اعتُبِرت تحريضاً معادياً للعلمانية على العنف والكراهية الطائفية - ولكن بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان صعوده إلى قمة السياسة التركية قد اكتمل تقريباً. فقد اكتسح (حزب العدالة والتنمية)، الذي أسسه حديثاً، الانتخابات البرلمانية في عام 2002، ومنذ ذلك الحين أصبح أردوغان رئيساً للوزراء أو رئيساً.

طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان أردوغان وغولن الوجهين المعترف بهما للحركة الإسلامية الصاعدة: أحدهما على رأس الحكومة، والآخر أكثر رسوخاً في المجتمع التركي، وإن كان غائباً عن البلاد. في ذلك الوقت وصف أردوغان و(حزب العدالة والتنمية) نفسيهما بأنّهما حزب مسلم ليبرالي على غرار الديمقراطيين المسيحيين، حريصين على اغتنام الفرص الجيوسياسية التي أتيحت "للمسلمين الصالحين" خلال الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد الإرهاب. كانت عضوية (الاتحاد الأوروبي) أولوية قصوى، على الرغم من أنّ هذا الطموح سرعان ما أفسدته الإسلاموفوبيا في أوروبا الغربية. وأعلن أردوغان عن "انفتاحات" ليبرالية مختلفة زعم أنّها ستلغي "التابوهات" المستعصية في السياسة التركية: المحاسبة على الإبادة الجماعية للأرمن، والاعتراف بالأقلية العلوية في تركيا، وقبل كل شيء احترام حقوق الأكراد في تركيا وإنهاء الحرب الأهلية في جنوب شرق البلاد بين الجيش التركي و(حزب العمال الكردستاني).

كان غولن وحركته - المعروفة لدى أتباعه باسم "خدمة" - حلفاء أقوياء لـ (حزب العدالة والتنمية) طيلة هذه الفترة. وعكس تحالفهما سلسلة من التغيرات الديموغرافية والسياسية والاقتصادية الأوسع نطاقاً. وكان كلاهما تعبيراً عن نخبة من المسلمين الأتقياء أصحاب المشاريع، الذين انتموا في كثير من الأحيان إلى خلفيات إقليمية، والذين عارضوا ما اعتبروه أرثوذكسية عتيقة تمثَّلت في العلمانية الكمالية والحمائية الاقتصادية. على النقيض من ذلك، رأى الكماليون في (حزب العدالة والتنمية) و(حركة خدمة) إسلامويين متطرفين ملتزمين بإسقاط دولة أتاتورك. وقضت مدارس غولن ومؤسساته ومنافذه الإعلامية الأعوام الأولى من إدارة أردوغان في الترويج لصورة الإسلام باعتباره دين السلام المكرَّس للحوار بين الأديان. وشكلت هذه المدارس جزءاً من طليعة السياسة غير الحكومية للإسلام في تركيا، والتي سعت إلى اكتساب الشرعية على أساس الطابع "غير السياسي" المفترض للمجتمع المدني. كان دعم غولن لأردوغان حاسماً بشكل خاص خلال سلسلة المحاكمات في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين - قضيتا "المطرقة" و"منظمة إرغينيكون" - التي اقتلعت عناصر انقلابية مزعومة من الجيش، وشكلت أول كبح ذي مغزى للنفوذ السياسي للجيش في تاريخ الجمهورية. ومع ذلك، فشلت التنازلات المحدودة التي قدمها (حزب العدالة والتنمية) لأكراد تركيا - والتي كانت أقلّ كثيراً من أيّ سياسة لإعادة التوزيع في الجنوب الشرقي - في تهدئة الإحباطات التي طال أمدها على مدى عقود من العنف البنيوي والتمييز والحرب. وعلى نحو مماثل، دعا غولن بتصميم إلى صورة تركية إثنية الطابع من الإسلام السني استُبعِد منها الأكراد إلى حد كبير.

لكنّ الأسباب التي أدَّت إلى انهيار العلاقة بين أردوغان وغولن في نهاية المطاف - والخلاف بين الحركة السياسية الإسلاموية في تركيا والمجتمع المدني الإسلامي - تظل غامضة. من منظور إيديولوجي، لم يكن هذا منطقياً، لأنّ كليهما بدا ملتزماً بالمشروع التحويلي نفسه المتمثل في التقوى السنّية الرأسمالية المصحوبة بجرعة قوية من القومية الإثنية التركية. من المرجح أن يكون نزاعهما نتيجة للمنافسة على السيطرة على مؤسسات الدولة. فكثيراً ما اتُّهِمَ أتباع غولن بتشكيل دولة "موازية" تنافس الدولة الرسمية. ومع ترسيخ (حزب العدالة والتنمية) لهيمنته، أصبح غير راغب على نحو متزايد في التسامح مع الولاءات الغولنية بين العديد من البيروقراطيين وموظفي الدولة، خاصة في صفوف الشرطة. وظهرت أولى العلامات العامة للصراع في أواخر عام 2013، عندما وجّه المدعون العامون التابعون لغولن اتهامات بالفساد إلى عدد من الشخصيات القوية في (حزب العدالة والتنمية)، بما في ذلك أفراد من أسرة أردوغان. في المقابل، عمل (حزب العدالة والتنمية) على إبعاد أتباع حركة غولن من مناصبهم بالآلاف.

لكنّ هذا لم يكن شيئاً مقارنة بطوفان عمليات الفصل والاحتجاز والاعتقال التي أعقبت محاولة الانقلاب في الخامس عشر من تموز (يوليو) 2016. وعلى الرغم من أنّ أحداث تلك الليلة موثقة جيداً، فإنّ أسبابها - في الشبكات السرية للسلطة والإقناع - ما تزال غير مفهومة بشكل جيد. لا شك أنّ العديد من الضباط العسكريين المسؤولين كانوا من أتباع حركة غولن، ولكن مدى كون الانقلاب مؤامرة محلية أو مخططاً دولياً شيء غير واضح. ركز الانقلابيون على أنقرة وإسطنبول، فضلاً عن مدينة مارماريس السياحية في الجنوب الغربي، حيث كان أردوغان يقضي عطلته. وتعرّض البرلمان التركي والقصر الرئاسي لنيران الطائرات المقاتلة، واحتل الجنود الداعمون للانقلاب الجسور فوق مضيق البوسفور ومطار أتاتورك وميدان تقسيم في إسطنبول، واحتُجِزَ كبار الضباط في العديد من فروع الجيش كرهائن، بما في ذلك خلوصي أكار، رئيس هيئة الأركان العامة، وهاجمت مروحيات عسكرية الفندق الذي كان يقيم فيه أردوغان. لكن في غضون ساعات صدتهم أعداد كبيرة من القوات والمدنيين الذين حُشِدوا بسرعة. وفي الرواية الرومانسية للحكومة تغلبت المقاومة العفوية لآلاف الوطنيين الأتراك على المتآمرين المجرمين الذين وجههم غولن.

كان ردّ أردوغان على محاولة الانقلاب منهجياً وانتقامياً. فأيّ شبهة ارتباط بما أطلقت عليه الحكومة "منظمة فتح الله الإرهابية" كان سبباً كافياً للفصل من الوظيفة، أو ما هو أسوأ. وبحلول أيلول (سبتمبر) 2016 اعتُقِلَ حوالي (70) ألف شخص. وأصبحت أحداث الخامس عشر من تموز (يوليو) مبرراً متعدد الأغراض للقمع السياسي، وقُبِضَ على العديد من الشخصيات غير المرتبطة بغولن وشبكاته، نشطاء مؤيدون للأكراد ومشاركون في احتجاجات "حديقة غيزي" في عام 2013. كان هذا إنجازاً رئيساً في تحوُّل أردوغان من مصلح ليبرالي إلى ديماغوجي سلطوي مصمم على قمع المعارضة لدولته التي تأخذ طابعاً شخصياً بشكل متزايد.

رئيس الجمهورية التركية: رجب طيب أردوغان

في ذلك الوقت لم يَعُد غولن، الذي استقر في مجمعه في جبال بوكونو بولاية بنسلفانيا، منفياً من قِبل العلمانية التركية، بل من قِبل الحزب السياسي الإسلاموي الذي كان قد ساعد في بناء قوته. حتى وفاته نفى بشدة تورطه في محاولة الانقلاب. وفي حين فُكِّكت حركة (خدمة) في تركيا وعدة بلدان أخرى، رفضت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً طلب أردوغان بتسليم غولن، مستشهدة بعدم وجود أدلة مقنعة. ومع ذلك، فإنّ أول عمل بحثي رئيس حول الانقلاب، وهو مجلد حرَّره كل من هاكان يافوز وبيرم بالجي، يخلص إلى أنّ غولن أعطى على الأرجح مباركته لخطة الانقلابيين، حتى لو لم يكن متورطاً بشكل كبير في تنفيذها.

في تركيا (حزب العدالة والتنمية) ما يزال غولن وأتباعه يُصوَّرون على أنّهم عملاء للإمبريالية يسعون إلى تدمير سيادة الأمّة. ومن بين شتات حركة (الخدمة)، يُنظَر إلى غولن باعتباره نموذجاً للفضيلة الإسلامية فضلاً عن كونه عالم دين لا مثيل له. إنّ الصورة الأولى تروِّج لها أجهزة الدولة التركية، أمّا الصورة الثانية، فتروِّج لها مجموعة دولية من الشركات والمنظمات غير الحكومية. تروِّج واحدة لخطاب فارغ عن معاداة الاستعمار، بينما تستغل الأخرى فكرة غير مسيسة عن "التسامح" باعتباره المفتاح إلى مجتمع مدني سليم. لكن لا بدّ لنا أن نقرأ كلتيهما على أنّهما جهود خادعة لسرد الصراعات السياسية والاقتصادية والدينية التي تدور رحاها في تركيا المعاصرة، والتي سوف تستمر إلى ما بعد رحيل غولن نفسه.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

جيريمي والتون، "نيو ليفت ريفيو"، 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية