الإخوان كفشل "أنثروبولوجي": كيف أخطأت الجماعة قراءة المجتمع الذي ادّعت تمثيله؟

الإخوان كفشل "أنثروبولوجي": كيف أخطأت الجماعة قراءة المجتمع الذي ادّعت تمثيله؟

الإخوان كفشل "أنثروبولوجي": كيف أخطأت الجماعة قراءة المجتمع الذي ادّعت تمثيله؟


01/02/2026

لا يمكن فهم إخفاق جماعة الإخوان المسلمين باعتباره مجرد هزيمة سياسية أو نتيجة أخطاء عابرة، فالأزمة أعمق من ذلك بكثير. ما واجهته الجماعة، منذ لحظة صعودها حتى سقوطها، هو فشل في إدراك طبيعة المجتمع الذي ادّعت تمثيله وقيادته. تعامل الإخوان مع المجتمع بوصفه امتدادًا لمشروعهم الإيديولوجي، لا كفضاء مستقل تحكمه مصالح متناقضة وتوازنات معقّدة. 

هذا الخلل البنيوي في الفهم هو ما جعل الجماعة تصطدم بالمجتمع نفسه، لا بالدولة وحدها. من هنا يمكن قراءة تجربة الإخوان بوصفها فشلاً في التحليل الاجتماعي قبل أن تكون فشلًا في الحكم.

المجتمع في خطاب الإخوان... كتلة مطيعة لا كيان متعدّد 

منذ نشأتها بنت جماعة الإخوان تصورها للمجتمع على منطق الاختزال، فالمجتمع، في أدبياتها، ليس فضاءً متنوعًا، وإنّما "جمهور مسلم" يُفترض أنّه يشترك في منظومة قيم واحدة، ويمكن قيادته عبر الدعوة والتنظيم، هذا التصور ألغى الفوارق الطبقية، والتباينات الثقافية، وتعارض المصالح، لصالح صورة مبسطة عن "الأمة" التي تنتظر من يقودها.

لم تتعامل الجماعة مع المجتمع بوصفه كياناً مستقلاً عن التنظيم، بل باعتباره مجالاً للتمدد والسيطرة، وكانت الدعوة، والخدمات الاجتماعية، والعمل الخيري، أدوات لاختراق المجتمع لا لبناء علاقة أفقية معه، ومع الوقت تحوّل التنظيم إلى عدسة وحيدة ترى من خلالها الجماعة الواقع: من هو "قريب" ومن هو "بعيد"، من هو "مع المشروع" ومن هو "ضده".

هذا المنطق جعل الإخوان عاجزين عن قراءة التحولات العميقة التي شهدها المجتمع المصري: تفكك الطبقة الوسطى، وصعود اقتصاد البقاء، وتغيّر أنماط التدين، وتراجع الثقة في الخطابات الشمولية، ورغم ذلك استمرت الجماعة في التعامل مع المجتمع كما لو أنّه ثابت، ينتظر فقط "التمكين".

وحين ظهرت مؤشرات الرفض أو التحفظ، لم تُقرأ باعتبارها تعبيراً عن مصالح أو مخاوف حقيقية، بل فُسّرت أخلاقياً على أنّها تغريب، وتشويه، وتضليل، وهكذا لم يكن المجتمع شريكًا في المشروع، بل عقبة يجب تجاوزها أو إعادة "تربيتها".

الحُكم كشف وهم التمثيل 

شكّل وصول الإخوان إلى السلطة لحظة كاشفة لوهم طالما روّجت له الجماعة: أنّها تُعبّر عن "الشارع"، فقد افترضت أنّ الفوز الانتخابي يعني امتلاك تفويض اجتماعي واسع، يسمح لها بإعادة تشكيل المجال العام وفق رؤيتها، لكنّ ما حدث عملياً كشف الفجوة بين التنظيم والمجتمع.

تعامل الإخوان مع الحكم بوصفه غنيمة سياسية، لا مسؤولية اجتماعية معقّدة، لم يُظهروا حساسية حقيقية تجاه المخاوف المجتمعية، سواء المتعلقة بالاقتصاد أو بالحريات أو بتوازنات السلطة، وبدل الانخراط في تفاوض سياسي واسع، لجؤوا إلى منطق الغلبة التنظيمية، وكأنّ المجتمع ملحق بالشرعية الانتخابية.

الأخطر أنّ الجماعة قرأت الاعتراض الاجتماعي باعتباره تمرداً على "المشروع الإسلامي"، لا اعتراضاً على الأداء والسياسات، وبهذا المعنى جرى تحويل الخلاف السياسي إلى صراع أخلاقي، وهو ما عمّق القطيعة مع قطاعات لم تكن معادية بالضرورة، لكنّها شعرت بالإقصاء والاستعلاء.

لحظة 30 حزيران (يونيو) لم تكن انفجاراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لفشل الجماعة في فهم أنّ المجتمع لا يُدار بالولاء الإيديولوجي، وأنّ الشرعية لا تُختزل في صندوق انتخابي، ومع ذلك ظلّ الإخوان عاجزين عن رؤية هذه الحقيقة.

 بعد السقوط… الجماعة ضد المجتمع 

كان من الممكن أن يشكّل سقوط الإخوان فرصة لمراجعة جذرية، لكنّ ما حدث هو العكس. أعادت الجماعة إنتاج الخطاب نفسه، مع تعديل طفيف: المجتمع لم يعد "حاضنة”، بل هو "مضلَّل" أو "مخطوف"، وهكذا تحوّل الفشل في الفهم إلى اتهام صريح للمجتمع.

لم تطرح الجماعة سؤالاً بسيطاً: لماذا لم يدافع الناس عنها؟ لماذا لم تتحول سنوات الدعوة والخدمة إلى حماية شعبية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة كانت ستقود إلى نقد الذات، وهو ما تجنّبته القيادة التنظيمية، فالمراجعة الحقيقية تهدد البنية المغلقة التي يقوم عليها التنظيم.

في المنفى ازداد الانفصال وضوحاً وبات الخطاب موجّهاً للخارج، بينما غاب المجتمع المحلي تماماً، إلا كصورة رمزية تُستخدم لتبرير الاستمرار، ولم يعد هناك جهد لفهم التحولات الاجتماعية أو الدينية، بل اكتفاء بإعادة تدوير سردية المظلومية.

بهذا المعنى لم يخسر الإخوان السلطة فقط، بل خسروا المجتمع نفسه، وهو فشل لا يمكن تجاوزه بتغيير الخطاب أو الوجوه، لأنّه نابع من تصور إيديولوجي يرى المجتمع تابعًا لا فاعلاً، وأداة لا شريكاً.

التنظيم بديل عن المجتمع… وهم الاكتفاء الذاتي

أحد أكثر أوجه الفشل عمقاً في تجربة الإخوان المسلمين هو اعتقادهم أنّ التنظيم قادر على أن يكون بديلاً عن المجتمع، أو على الأقلّ اختصاره، فبدلاً من التعامل مع المجتمع بوصفه ساحة مفتوحة للتفاعل والتأثير المتبادل، بنت الجماعة عالمها الموازي: الهياكل، واللوائح، والأسر، والقيادات، والخطاب الداخلي الذي يُنتج شعوراً بالاكتفاء الذاتي والانفصال عن الواقع، داخل هذا العالم لا تُقاس الشرعية بمدى القبول الاجتماعي، بل بدرجة الانضباط التنظيمي.

هذا المنطق جعل الجماعة تُراكم الثقة في ذاتها لا في المجتمع. فكلما ازداد الضغط أو الرفض، انكمشت إلى داخل التنظيم، وفسّرت ذلك باعتباره دليلًا على "صواب الطريق" لا على خلل المسار. وهكذا تحوّل التنظيم من أداة للعمل العام إلى غاية في ذاته، تُقدَّم سلامته واستمراريته على أيّ تفاعل نقدي مع الواقع.

الأخطر أنّ هذا الانغلاق أنتج نخبة قيادية تتداول السلطة داخل الدائرة نفسها، بمعزل عن التحولات الاجتماعية المتسارعة، لم يعد المجتمع مصدرًا للتجديد، بل خطرًا محتملًا يجب التحصّن منه، ومع الوقت تآكلت القدرة على قراءة المزاج العام، واستُبدلت بإحصاءات داخلية، وحشد افتراضي، وخطاب تعبوي لا يلامس الواقع.

عندما سقطت الجماعة اكتشفت أنّ التنظيم، مهما بلغ حجمه، لا يمكن أن يحل محل المجتمع، فالشبكات المغلقة لا تحمي من الغضب العام، والانضباط لا يعوّض غياب القبول، ومع ذلك واصلت القيادة الرهان على التنظيم ذاته، لا على إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، بهذا المعنى لم يكن الفشل عرضياً، بل نتيجة منطق يرى المجتمع هامشًا، والتنظيم مركزًا، وهي معادلة لا تنتج سوى العزلة والانهيار.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية