
لم يعد الجدل حول جماعة الإخوان المسلمين مقتصرًا على فرنسا أو بلجيكا، بل امتد خلال العام 2025 إلى قلب سويسرا، الدولة التي لطالما ارتبط اسمها بالحياد والديمقراطية الصارمة. فمع صدور التقرير الفرنسي الشامل حول نفوذ الإخوان في التعليم والثقافة والمجتمع، تعالت أصوات سياسية سويسرية، أبرزها النائبة البارزة جاكلين دي كواترو، محذّرةً من خطر تسلل التنظيم إلى البنية الاجتماعية السويسرية، وداعيةً الحكومة الاتحادية إلى إصدار تقرير مشابه يكشف حجم هذا الاختراق. وتتقاطع هذه التحركات مع موجة أوروبية آخذة في الصعود لمواجهة الإسلام السياسي، لا سيّما بعد تصاعد حوادث التطرّف الإلكتروني بين الشباب، وهو ما يضع سويسرا أمام اختبار صعب بين الحفاظ على أمنها القومي وبين صون الحريات الأساسية التي تشكّل جزءًا من هويتها السياسية.
في هذا السياق نشر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات دراسة حديثة تناولت مخاوف متصاعدة من أنّ جماعة الإخوان المسلمين تمثل بيئة خصبة للتطرف داخل سويسرا، على غرار ما جرى في فرنسا. الدراسة جاءت متزامنة مع الجدل الذي أثاره التقرير الفرنسي الشامل لعام 2025 حول تغلغل الإخوان في التعليم والثقافة والمجتمع، وهو ما أعاد فتح النقاش الأوروبي بشأن طبيعة الدور الذي تلعبه الجماعة، وكيفية التصدي لنفوذها المتزايد.
تحذيرات سياسية صريحة
في جلسة برلمانية بتاريخ 14 آب (أغسطس) 2025 حذّرت دي كواترو من أنّ الإخوان المسلمين يمثلون "تهديدًا حقيقيًا" لسويسرا، مؤكدة أنّ التنظيم يسعى إلى بناء شبكات نفوذ عابرة للقطاعات التعليمية والاجتماعية والثقافية، على غرار ما حدث في فرنسا. تصريحاتها تعكس قلقًا متناميًا داخل النخبة السياسية السويسرية، التي بدأت ترى في الإخوان جماعة تستغل شعار العمل الخيري والثقافي لتثبيت وجودها السياسي والإيديولوجي. الدعوة التي تقدمت بها دي كواترو لإعداد تقرير رسمي حول الجماعة توازي التقرير الفرنسي، وتكشف أنّ الخطاب السياسي الأوروبي بات أكثر صرامة في التعامل مع خطر الإسلام السياسي بعد أعوام من التساهل أو التغاضي.
التعليم والشباب... الهدف الأخطر
ركزت دي كواترو على المدارس والجيل الناشئ باعتبارهما ساحة الاختراق الأكثر خطورة. فقد ألقي القبض في الأشهر الأخيرة على شبان تتراوح أعمارهم بين (15 و18) عامًا في المناطق الناطقة بالألمانية والفرنسية بسويسرا، بتهم تتعلق بأنشطة إرهابية أو التورط في نشر محتوى متطرف على شبكات التواصل.
هذا المعطى الأمني المقلق يعزز أطروحة أنّ التنظيم يستهدف الشباب عبر قنوات التعليم والدين والأنشطة الاجتماعية، في محاولة لخلق بيئة خصبة للتجنيد والتأثير. الشرطة الفيدرالية (Fedpol) بدورها تحدثت عن تزايد لافت للتطرف الإلكتروني بين المراهقين، مشيرةً إلى أنّ أصغر متطرف ارتكب جريمة كان في الحادية عشرة من عمره فقط، ممّا يعكس هشاشة الفئة العمرية المستهدفة وسهولة استدراجها.
التطرف الإلكتروني وتحدّي الرقابة
لا يقتصر القلق على المدارس وحدها، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي، فقد أضحى الشباب عرضة لتأثير محتوى متطرف يُسوَّق بوسائل مموّهة وذكية. ترى دي كواترو أنّ شبكات الإخوان تستفيد من المنصات الرقمية لنشر خطاب إسلاموي سياسي يستغل مشاعر التهميش والهوية الدينية، ويمثل مدخلًا لتغذية النزعة الراديكالية.
الأمر لم يعد نظريًا، فالمداهمات الأمنية الأخيرة أظهرت أنّ القاصرين المعتقلين كانوا نشطين على شبكات تبث عددًا من المواد المتطرفة، في سياق يتقاطع مع النزاعات في الشرق الأوسط. هذا البُعد الإلكتروني يزيد من صعوبة المواجهة، لأنّه يفتح الباب أمام خطر غير مرئي يسهل التسلل من خلاله إلى العقول الصغيرة.
إرث جنيف... من سعيد رمضان إلى الحاضر
لا يمكن فهم القلق السويسري من دون العودة إلى التاريخ. فالعاصمة جنيف لطالما شكّلت نقطة ارتكاز للجماعة في أوروبا، منذ أسّس سعيد رمضان، صهر مؤسس الإخوان حسن البنا، المركز الإسلامي عام 1961. هذا المركز سرعان ما تحوّل إلى معقل للتنظيم وواجهة للعمل الإسلامي السياسي في القارة، وهو ما جعله رمزًا للتغلغل العابر للحدود.
دي كواترو نفسها ذكّرت في تصريحاتها بالدور التاريخي لجنيف في توسع الإخوان، مؤكدة أنّ النفوذ الممتد للجماعة لا يقف عند حدود دولة بعينها، بل يرتبط بشبكات تمويل وتدريب عابرة للحدود. هذا البُعد التاريخي يضفي على المخاوف الحالية بُعدًا أكثر خطورة، إذ يكشف أنّ الإخوان لم يعودوا مجرّد ضيوف طارئين على المشهد السويسري، بل أصبحوا جزءًا من بنيته الدينية والاجتماعية منذ عقود.
الأمن القومي في مواجهة الحريات
المعضلة الكبرى التي تواجه سويسرا اليوم تتعلق بكيفية صياغة مقاربة متوازنة؛ فالدولة التي تفخر بنظامها الديمقراطي التوافقي وبحماية الحريات الأساسية، تجد نفسها مطالبة بمزيد من التشريعات والرقابة لمواجهة نشاطات جماعة تُتهم بتقويض أسس النظام الديمقراطي نفسه.
أيّ خطوة باتجاه إصدار تقرير رسمي أو سنّ قوانين مشددة قد تثير جدلًا واسعًا حول اتهامات "الإسلاموفوبيا" أو التضييق على الحريات الدينية، وهو ما قد تستغله الجماعة لتقديم نفسها كضحية. في المقابل تجاهل هذه التهديدات قد يفتح الباب أمام تغلغل أعمق، بما يحمله من تداعيات على الأمن الداخلي.
سيناريوهات مستقبلية
من المرجح أن تتجه الحكومة الاتحادية السويسرية نحو إعداد تقرير مشابه للنموذج الفرنسي، يوثق شبكات الإخوان وبنيتها وآليات تمويلها وعلاقتها بالخارج. هذا السيناريو سيعكس تحولًا جذريًا في المزاج السياسي السويسري، وسيؤشر إلى مرحلة جديدة من المواجهة الأوروبية مع الإسلام السياسي.
لكن تبقى النتائج رهينة بقدرة الدولة على التوفيق بين متطلبات الأمن القومي وضغوط القيم الديمقراطية. مستقبلًا قد تشهد سويسرا، ومعها دول أوروبية أخرى، موجة من القوانين والتقارير الأمنية والاستخباراتية الرامية إلى ضبط نشاطات الجماعة، بما يعكس إدراكًا متزايدًا أنّ الخطر ليس خارجيًا فحسب، بل هو داخلي ومتجذر.
وعمومًا... تكشف التحذيرات الأخيرة أنّ جماعة الإخوان المسلمين لم تعد مجرد تنظيم بعيد يثير الجدل في الشرق الأوسط، بل باتت قضية أوروبية داخلية تطرق أبواب دول مثل سويسرا. ومع تصاعد الاعتقالات في صفوف الشباب، وتنامي نفوذ الجماعة في المدارس والفضاء الرقمي، يصبح التحدي أكبر من مجرد نقاش سياسي.
إنّه اختبار لمستقبل التوازن بين الحرية والأمن في بلد لطالما اعتُبر نموذجًا ديمقراطيًا عالميًا. ومهما اختلفت مواقف الساسة، يبقى الثابت أنّ الإخوان يمثلون شبكة إيديولوجية عابرة للحدود، تسعى لتشكيل واقع جديد داخل أوروبا، والسؤال المطروح اليوم: هل تتدارك سويسرا الخطر قبل أن يتجذّر كما حدث في فرنسا؟

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)