"الإخوان" في جيبوتي: حينما تمت دعوة شعب مسلم إلى الإسلام؟! (2-3)

الإخوان المسلمون

"الإخوان" في جيبوتي: حينما تمت دعوة شعب مسلم إلى الإسلام؟! (2-3)

مشاهدة

29/04/2020

تناول الجزء الأول من هذه الدراسة بدايات علاقة الإخـوان بجيبـوتي في زمن بعيد، حيث أنشأ الإخوان أول شعبـة لهم خارج مصر في جيبـوتي، وجاء تأسيـس الشعبـة استجابـة لرغبة بعض الشبـاب الجيبـوتييـن بذلك في عام 1933، وانتدبت هيئـة مكتب الإرشـاد العام لـلإخوان الشيـخ عبد الله حسيـن اليماني ليكون صلـة بين فرع جيبـوتي ومكتب المرشد. هنا حلقة ثانية.

نشأة الحركة الإسلامية في جيبوتي
في ثلاثينيات القرن الماضي، أرسل بعض الطلاب الجيبوتيين رسالة إلى مؤسس الإخوان حسن البنّا يُعلمونه أنّهم نقلوا تجربته إلى دولتهم، ويريدون منه أن يمدّهم بالدروس والمحاضرات اللازمة ليعلنوا رسميّاً تدشين شُعبة الإخوان في جيبوتي، ووصفت مجلة الإخوان المسلمين (الذراع الإعلامية للجماعة) هؤلاء الشباب بـ "الغيورين على الدين"، وورد في المجلة: "رغب بعض شباب جيبوتي الغيورين في تكوين شعبة للجمعية بها فانتدب مكتب الإرشاد العام حضرة الأخ المهذب عبد الله حسين علي نور اليماني أفندي ليكون صلة بين حضراتهم وبين المكتب".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في جيبوتي: الأمن الداخلي يراقب عن كثب (1-3)
وهكذا تم انتداب الشيخ عبد الله حسين اليماني، من قبل مكتب الإرشاد؛ ليكون حلقة الوصل بين فرع جيبوتي ومكتب الإرشاد، وأصبح رئيساً لفرع جماعة الإخوان، هكذا كانت جيبوتي نقطة الانطلاق الإخواني نحو أستاذية العالم التي أعلنها البنّا منذ تأسيس الجماعة.


كما أكدت المجلة في عددها الرابع أنّ الشيخ عبد الله حسين هو متعهد الجريدة في جيبوتي، فجاء فيها: "وبداية من العدد الرابع دخل في متعهدي التوزيع فرع جيبوتي، ونص على أنّ السيد "عبد الله حسين علي نور اليماني" هو رئيس فرع جمعية الإخوان المسلمين بجيبوتي".

تزامن دخول إخوان الصومال (حركة الإصلاح) إلى جيبوتي بعد سنة واحدة من نيل جيبوتي استقلالها من الاستعمار الفرنسي

ركز المنضمون للإخوان في البداية جهودهم على الجانب الدعوي، ومراقبة تصرفات الشعب الجيبوتي، وحثِّهم على الالتزام بالتعاليم الإسلامية والاهتمام باللغة العربية، وأخذ حراكهم طابعاً إرشادياً ووعظياً في البداية.
ومن الجير بالذكر أنّ الإخوان في جيبوتي شهدوا تحولات كبيرة نتيجـة لجملـة من العوامـل والتغييـرات السياسيـة والاجتماعيـة الواسعـة التي بدأت تظهـر في جيبـوتي، يضاف إلى ذلك حقيقـة جوهـرية أخرى تتصل بالتحـولات السياسيـة والفكـرية في الصـومال، والظـروف الأمنيـة عايشها شباب الصحـوة الإسـلامية التي أعقبت ميـلاد حـركة الإصـلاح الصـومالية في 11 تموز (يـوليو) عام 1978. وفي تلك الفتـرة، احتضنت جيبـوتي كثيـراً من قيادات الصحـوة الإسـلامية الهاربيـن من قمـع الحكومة الاشتراكية في الصومال، وبدورها عكفت تلك القيادات المهاجـرة على تقوية الوجود الإخواني في جيبوتي، ونشـر فكرهم في أوسـاط المجتمع.

المرتكزات الفكرية للحركة الإسلامية في "جيبوتي"
ومن النتائج البارزة التي قادت إليها تلك التحـولات في طبيعـة الحـركة الإسـلامية، أنّها أصبحت تهتم بدخول العمل السياسي، وباتت تلعب أدواراً اجتماعية مختلفة، من بينهما العمل الخيري والتغلغل في النظام التعليمي في البلاد، وسيطرة الحياة العامة، وتتمركز الأهداف الفكرية للحركة الإسلامية في جيبوتي حسبما يقول أحد قياداتها وهو الشيخ عبد الرحمن بشير في الأهداف التالية:
1. تربية الشباب على الإسلام.
2. غرس الأفكار والوعي الإسلامي في نفوسهم.
3. دعوة غير المسلمين.
4. تطبيق الشريعة.
5. تربية المجتمع على الإسلام.
ولم تأتِ الحركة الإٍسلامية بجديد في هذه الأهداف، فما معنى أن تدعو إلى الإسلام إلى شعب مسلم؟ أو تربية مجتمع محافظ أصلاً على الإسلام؟ إلا أنّه من الجدير بالملاحظة أنّ الإخوان نجحوا جنباً إلى جنب مع الحركة السلفية الوهابية، في أسلمة الحياة العامة، وكان أول مظاهر تأثيرهما انتشار الحجاب بين الفتيات الجيبوتيات، وزيادة المدارس الإسلامية: ابتدائية وثانوية، وانتشار إلقاء المحاضرات في الجوامع وانتشار الشريط الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تبدو جماعة الإخوان المسلمين في أفريقيا منذ 2013؟
وساهمت كذلك حكومة الرئيس الجيبوتي السابق جوليد أبتيدون الذي اهتم بإرسال بعثات إلى الجامعات الدينية في العالم العربي إبان انضمام جيبوتي للجامعة العربية، في تعزيز ذلك الاتجاه، وكان أبرز تلك الجامعات التي ذهب الطلاب الجيبوتيون للدراسة فيها جامعة الأزهر، ومن هنا يمكن الربط بين انتشار الفكر الإخواني في وسط الطلاب الجيبوتيين من طلبة العلوم الدينية.


ولم يتم الحصول على أية تقارير ترصد دوراً واضحاً لتنظيم الإخوان في مراحل الستينيات والسبعينيات، اللهم إلا الاستنتاجات التي أشرنا لها سابقاً والمتمثلة في أنّ وفود الطلاب في الجامعات الإسلامية هي التي ربما أتاحت قسطاً لهم لنشر فكرهم الإخواني وليس الدعوي بشكل صريح. إلا أنّ اجتياح الفكر الإخواني للمجتمع الجيبوتي تمثل في ولادة فرع الإخوان في الصومال (حركة الإصلاح)، وهو ما ترك بصمة واضحة في تقوية الفكر الإخواني في جيبوتي.
علاقة إسلاميي جيبوتي بنظرائهم في الصومال
يرتبط تاريخ الحركة الإسلامية في دولة جيبوتي بشكل كبير بتاريخ الحركة الإسلامية في الصومال، حيث تقول موسوعة الإخوان المسلمين إنّ "إخوان جيبوتي يعتبرون إخوان الصومال الحركة القائدة لهم"، ومن الجدير بالذكر أنّ حركة "الإصلاح" هي ممثل الإخوان في دولة الصومال والقرن الأفريقي ككل.

الإخوان في جيبوتي شهدوا تحولات كبيرة نتيجـة لجملـة من العوامـل والتغييـرات السياسيـة والاجتماعيـة الواسعـة التي بدأت تظهـر هناك

ويعود نشأة الحركة الإٍسلامية في الصومال إلى نهاية السبعينيات، حين اجتمع خمسة من شباب الصحوة الإسلامية في الصومال في شهر تموز (يوليو) من عام 1978، وهم الشيخ محمد أحمد نور جريري، والدكتور علي الشيخ أحمد أبو بكر، والدكتور محمد يوسف عبد الرحمن، والشيخ أحمد رشيد حنفي، والأستاذ عبد الله محمد عبد الله في منزل أحمد رشيد حنفي في العاصمة السعودية الرياض، وأعلنوا ميلاد حركة الإصلاح ذات النهج الإخواني، وأصبحت في عام 1987 عضواً في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وممثلة له في منطقة القرن الأفريقي.

اقرأ أيضاً: الإخوان غير حريصين على عودة ليبيا الموحدة
وبسبب أنّ الصومال في ذلك الوقت كان تحت سيطرة الحكومة الاشتراكية العلمية ذات التوجهات العلمانية، لم يجد الإسلاميون موطئ قدمٍ في الصومال، لذلك بقي المؤسسون في المنفى خوفاً على سلامتهم من جانب، ولاستمرار بعضهم في مراحل الدراسات الجامعية المختلفة في المملكة العربية السعودية من جانب آخر. لذلك مثلت جيبوتي أحد تلك المنافي التي لجأ إليها الإخوان الصوماليون، بسبب ترابط الجغرافيا الجيبوتية والصومالية، ووحدة اللسان والشعب، وهو ما جعل انتشارهم هناك أكثر سلاسة.


تزامن دخول إخوان الصومال (حركة الإصلاح) إلى جيبوتي بعد سنة واحدة من نيل جيبوتي استقلالها من الاستعمار الفرنسي. وكان إخوان جيبوتي في تلك الفترة يصارعون لإثبات وجودهم في وجه التيار الثقافي الفرنسي. وتظهر بعض التقارير الإعلامية أنّ حضورهم كان مقتصراً على تعليم القرآن الكريم في المراكز المتخصصة والمساجد التي كانت نادرة، ولم تكن هنالك سوى مدارس إسلامية واحدة تدعى "مدرسة النجاح الإسلامية".
بعد الاستقلال؛ كان أول قرار اتخذته الحكومة الجيبوتية تعريب جيبوتي، ومن وقتها توافد مدرسون من مصر وتونس، والسودان، وتم افتتاح مدارس مثل؛ المدرسة العراقية، واليمنية، والسعودية، حيث أنشأت السعودية معهداً للمرحلتين؛ المتوسطة والثانوية، عني بتدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية.

اقرأ أيضاً: المدارس التابعة لـ "الإخوان": هذه تبعات صدمة الهزيمة
وكان لمجيء أحد أبرز علماء إخوان الصومال، وهو الشيخ عبد القادر نور فارح، حيث درّس التفسير في جيبوتي منتصف الثمانينيات، فضل عن وزير الشؤون الاجتماعية في الحكومة الجيبوتية الدكتور محمد علي إبراهيم، أهمية بارزة في تشكيل خطاب الحركة الإسلامية في جيبوتي، وكان من أهم المتغيرات في هذه المرحلة نشاط الطلبة الصوماليين والجيبوتيين المتخرجين من معهد الإمام السعودي في الدعوة إلى فكر الحركة الإسلامية، حيث فتح هؤلاء الطلبة مدارس ليلية في مختلف أنحاء جيبوتي.
واللافت أنّ علماء الحركة الإسلامية في الصومال لعبوا دوراً بارزاً في نشر فكر الإسلامية في جيبوتي، حيث شهدت جيبوتي توافداً للعديد من دعاة وعلماء الصومال البارزين فكان لهم بصمات في تعزيز مكانة الحركة الإسلامية من خلال نشر العلوم الشرعية وإلقاء المحاضرات، وإقامة الحلقات في المساجد.
ومن أبرز علماء الصومال الذين لهم بصمات في الحركة الإسلامية في جيبوتي، عبد الله نوح وعيس. وبحسب بعض التقارير يعد هذا الرجل من رواد المؤسسين لخطاب الحركة الإسلامية في جيبوتي، والذي ما زال يفسر القرآن الكريم عبر التلفزيون.
غداً حلقة ثالثة وأخيرة

الصفحة الرئيسية