
لم تفقد جماعة الإخوان المسلمين قدرتها على إثارة الجدل داخل القارة الأوروبية، رغم مرور أكثر من نصف قرن على تأسيس قواعدها الأولى في قلب القارة. فمن جنيف، حيث أسس سعيد رمضان المركز الإسلامي عام 1061، إلى ضواحي باريس حيث حُلّت عشرات الجمعيات المرتبطة بالتنظيم في السنوات الأخيرة، تكشف التجربة الأوروبية أنّ حضور الجماعة لم يعد مجرد مسألة دينية أو ثقافية، بل اصبح تحدياً سياسياً وأمنياً يهدد استقرار المجتمعات.
دراسة حديثة صادرة عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات تضع هذا التباين تحت المجهر، عبر مقارنة النموذج الفرنسي الحازم مع النهج السويسري الحذر، لتخلص إلى أنّ غياب سياسة أوروبية موحدة يتيح للجماعة هامشاً واسعاً للمناورة والتغلغل.
سويسرا… قاعدة قديمة ونفوذ متجدد
على عكس الصورة النمطية عن سويسرا كبلد محايد، تحمل أراضيها إرثاً معقداً مع جماعة الإخوان. فمنذ ستينيات القرن الماضي شكلت جنيف ملاذاً آمناً لقيادات التنظيم، وفي مقدمتهم سعيد رمضان، صهر حسن البنا.
ومن هناك انطلقت مشاريع مؤسسية مثل رابطة مسلمي سويسرا واتحاد مسلمي سويسرا والمركز الإسلامي في جنيف، التي باتت أذرعاً متشابكة تحمل خطاب الدعوة والعمل الخيري لكنّها ترتبط عضوياً بالتنظيم الدولي.
توضح الدراسة أنّ الاتحاد الأوروبي لم يتمكن حتى اليوم من صياغة سياسة موحدة تجاه الجماعة. فبينما تسير دول مثل فرنسا والنمسا وبلجيكا في اتجاه تشديد الخناق، تتمسك دول أخرى بموقف متحفظ بحجة حماية الحريات.
برزت أسماء وقيادات تركت بصمتها في المشهد السويسري مثل طارق رمضان، الذي وُصف لسنوات بـ"المفكر الإسلامي الأبرز في الغرب"، قبل أن تضعف قضاياه الجنائية صورته العامة، ويوسف ندا، رجل الأعمال الذي ارتبط اسمه بملفات التمويل الدولي للجماعة، فضلاً عن محمد كرموس وعماد البراني، وقد عملا على ترسيخ نفوذ الإخوان داخل الجالية المسلمة.
هذه الشخصيات أسست لوجودٍ يتجاوز النشاط الديني إلى النفاذ المجتمعي والسياسي، وهو ما أثار مخاوف متزايدة في الأوساط السويسرية خلال العقد الأخير.
برن… بين حماية الحريات وضغوط الأمن
رغم هذا النفوذ، ما تزال سويسرا تتبنّى مقاربة متحفظة تجاه الجماعة. فالنظام السياسي القائم على الفيدرالية واللامركزية يجعل من فرض حظر شامل على الإخوان خطوة شبه مستحيلة قانونياً، لذلك تركز برن على ملفات محددة مثل:
ـ مكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال.
ـ فرض عقوبات مالية وتقييد السفر على أفراد يشتبه في دعمهم حركات مصنفة إرهابية.
ـ إدراج حماس على لائحة المنظمات المحظورة أيار (مايو) 2025، مع ما يستتبعه من تجميد أصول ومنع نشاطات.
غير أنّ هذه الإجراءات تظل انتقائية، إذ لم تُدرج الحكومة الفدرالية الإخوان كتنظيم على قوائم الإرهاب. وهو ما دفع أصواتاً سياسية بارزة مثل جاكلين دي كواترو للمطالبة، في آب (أغسطس) 2025، بإعداد تقرير رسمي حول نشاط الجماعة على غرار التقرير الفرنسي، محذرة من "تسربها" إلى الداخل السويسري.
فرنسا… مقاربة الحسم والتفكيك
في الجهة المقابلة، تبنّت فرنسا منذ عام 2020 مقاربة متشددة، اعتبرت الإخوان إحدى أذرع "الانفصالية الإسلاموية". هذا التوصيف ترجم إلى حل جمعيات ومؤسسات، وفرض رقابة صارمة على المدارس الخاصة والمساجد، وملاحقة التمويل الأجنبي. باريس لم تتردد في اتخاذ قرارات إدارية جذرية، معتبرة أنّ أيّ كيان تابع للجماعة يشكل خطراً مباشراً على قيم الجمهورية.
هذا النهج أثار جدلاً داخلياً وخارجياً، لكنّه منح فرنسا صورة الدولة الأوروبية الأكثر حزماً في مواجهة الإسلام السياسي. ويشير خبراء المركز الأوروبي إلى أنّ باريس باتت مرجعاً لبعض الدول الأخرى التي تتابع تجربتها عن كثب، ولكن دون تبنّي أسلوبها بالكامل.
الاتحاد الأوروبي… غياب البوصلة المشتركة
توضح الدراسة أنّ الاتحاد الأوروبي لم يتمكن حتى اليوم من صياغة سياسة موحدة تجاه الجماعة. فبينما تسير دول مثل فرنسا والنمسا وبلجيكا في اتجاه تشديد الخناق، تتمسك دول أخرى بموقف متحفظ بحجة حماية الحريات.
تبنّت فرنسا منذ عام 2020 مقاربة متشددة، اعتبرت الإخوان أحد أذرع "الانفصالية الإسلاموية". هذا التوصيف ترجم إلى حل جمعيات ومؤسسات، وفرض رقابة صارمة على المدارس الخاصة والمساجد، وملاحقة التمويل الأجنبي. باريس لم تتردد في اتخاذ قرارات إدارية جذرية، معتبرة أنّ أيّ كيان تابع للجماعة يشكل خطراً مباشراً على قيم الجمهورية.
هذا التباين حال دون إدراج الإخوان على قوائم الإرهاب الأوروبية، وجعل المقاربة الحالية قائمة على تبادل المعلومات الاستخباراتية وتشديد الرقابة المالية، دون الذهاب إلى قرارات حظر شاملة.
النمسا تُعدّ الاستثناء، فقد حظرت الجماعة رسمياً عام 2021 ضمن قانون مكافحة الإرهاب، فيما اكتفت دول أخرى كألمانيا وهولندا بالتشديد على الرقابة دون خطوات حاسمة.
التحديات أمام الحظر الأوروبي
تكشف الدراسة عن مجموعة من العقبات تحول دون تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية على المستوى الأوروبي:
ـ الطبيعة الشبكية للجماعة التي تعمل عبر جمعيات قانونية ومؤسسات خيرية تصعّب إثبات صلتها المباشرة بالإرهاب.
ـ التباين الوطني داخل الاتحاد، حيث ترى بعض الدول أنّ الحظر الشامل يتعارض مع قيم الديمقراطية.
ـ الالتزامات الحقوقية، إذ أنّ تجاوز حرية التنظيم والتعبير قد يعرّض الدول لطعون قضائية داخلية ودولية.
ـ المخاطر المجتمعية، يخشى أن يؤدي الحظر إلى دفع الجماعة للعمل في الخفاء، بما يقلل من القدرة على مراقبتها.
هذه العوامل تجعل أيّ محاولة أوروبية لحظر الجماعة شديدة التعقيد، وتفرض على كل دولة اعتماد سياسة وطنية خاصة بها.
نتائج وتوقعات
تخلص الدراسة إلى أنّ سويسرا ستواصل نهجها الانتقائي القائم على الأدلة، مع التركيز على الرقابة المالية والاستخباراتية، دون حظر شامل.
وأنّ فرنسا ستبقى حالة خاصة بمقاربتها الصارمة، فيما ستظل دول أخرى أكثر حذراً.
الاتحاد الأوروبي سيبقى عاجزاً عن صياغة استراتيجية موحدة، وهو ما يترك للإخوان مساحة واسعة للتكيف مع اختلاف البيئات الوطنية.
ويضع التباين بين المقاربتين الفرنسية والسويسرية أوروبا أمام معضلة حقيقية: هل المطلوب تفكيك صارم يحمي الأمن القومي على حساب بعض الحريات، أم حذر قانوني يحافظ على التقاليد الديمقراطية لكنّه يتيح للجماعة مساحة للمناورة؟
الإجابة ما تزال رهناً بالتحولات الأمنية والسياسية في القارة، لكنّ المؤكد أنّ جماعة الإخوان نجحت في توظيف هذا التناقض لصالحها، مستفيدة من خطاب المظلومية في الدول المتشددة، ومن فضاء الحريات في الدول الأكثر تساهلاً. وفي ظل غياب بوصلة أوروبية موحدة، ستظل المواجهة مع التنظيم طويلة الأمد تتأرجح بين التفكيك في باريس والحذر في جنيف.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)