
أصدر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات دراسة جديدة تناولت بالدقة حجم الحضور الإخواني داخل القارة الأوروبية، ورصدت آليات التنظيم الدولي للإخوان في العمل والتغلغل في المجتمعات الغربية، إضافة إلى تتبع مساراته المالية والاقتصادية التي تمثل عصب نشاطه واستمراره. الدراسة حذّرت من أنّ الجماعة ما زالت تشكل تهديداً لأمن أوروبا، رغم القيود والتدابير التي اتخذتها الحكومات الأوروبية في السنوات الأخيرة لمكافحة التطرف.
استراتيجية الانتشار منذ 1928
منذ تأسيسها في مصر عام 1928 اعتمدت جماعة الإخوان المسلمين على استراتيجية توسعية هدفها اختراق المجتمعات، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في الغرب أيضاً. مؤسس التنظيم حسن البنا وضع ما عُرف بـ "أستاذية العالم"، وهو المخطط الذي يقوم على التوسع عبر نشر الفكر الإخواني وتكوين شبكات مترابطة في مختلف أنحاء العالم.
أوروبا كانت وما تزال ساحة رئيسية لهذا المشروع، وقد مثلت لندن منذ الخمسينيات بوابة رئيسية لنشاط الجماعة، قبل أن تمتد إلى باريس وبرلين وفيينا وبروكسل وغيرها. ورغم أنّ السلطات الأوروبية تبنت منذ عام 2021 استراتيجية أشمل لمواجهة الإرهاب في أعقاب هجمات دامية ضربت عدة مدن، فإنّ خطر التغلغل الإخواني لم يتراجع، بل يتخذ أشكالاً أكثر سرّية ومرونة.
البنية التنظيمية: من "الأسرة" إلى "الكتيبة"
أوضحت الدراسة أنّ التنظيم الإخواني في أوروبا يستنسخ الهياكل نفسها التي تأسست في مصر. تبدأ النواة بما يُعرف بـ "الأسرة الإخوانية"، وهي خلية صغيرة تضم عادة من (4 إلى 7) أفراد، يشرف عليها "نقيب الأسرة"، وتلتزم ببرنامج تربوي وثقافي واجتماعي.
غير أنّ أخطر ما يتضمنه هذا البرنامج هو الجانب الرياضي الذي يشبه التدريبات العسكرية ويُعدّ الشباب لما يُعرف بـ "الكتيبة". هذا الهيكل الهرمي يتدرج صعوداً إلى الشُعب، فاللجان، ثم المكاتب الإدارية، وصولاً إلى مكتب الإرشاد، بينما يتولى "التنظيم الدولي" ـ ومقره لندن ـ الإشراف على عمل الأفرع الأوروبية، ضمن إطار يرتبط مباشرة بالقيادة المركزية في مصر.
انقسامات تعصف بالبناء المركزي
تعرّضت جماعة الإخوان في السنوات الأخيرة لهزة عنيفة على مستوى البناء التنظيمي بسبب الصراعات الداخلية. فبعد وفاة إبراهيم منير، القائم بأعمال المرشد العام في لندن، احتدم الصراع بين محمود حسين وصلاح عبد الحق على موقع القيادة، وهو ما أدى إلى انقسام فعلي بين "جماعة إسطنبول" و"جماعة لندن".
ونتيجة لهذه الأزمة تراجع العمل المركزي، وأصبحت الخلايا أقرب إلى مجموعات عنقودية تعمل بشكل منفصل، مع ضعف القدرة على اتخاذ قرارات موحدة. هذا التفكك انعكس بدوره على نشاط الإخوان في أوروبا، إذ باتت الجماعة أكثر حذراً وسرّية في ممارسة نشاطها، مستفيدة من البيئة القانونية الأوروبية التي تسمح بعمل الجمعيات الأهلية والمراكز الثقافية.
استنساخ الآليات في أوروبا
تؤكد الدراسة أنّ الإخوان في أوروبا يستخدمون الأدوات نفسها التي وظفوها في الشرق الأوسط. وتقوم استراتيجيتهم على تشكيل "الأسر" والخلايا السرّية، لكن تحت غطاء قانوني يتخذ شكل منظمات غير حكومية أو جمعيات خيرية.
في ألمانيا، مثلاً، كشف تقرير تلفزيون ولاية بافاريا أنّ الجماعة تنشط عبر "الأسر" الصغيرة التي تجذب مزيداً من الأتباع. أمّا "المكتب الاتحادي لحماية الدستور" في ولاية شمال الراين وستفاليا، فقد أكد وجود ما يُسمّى "خلايا الأسرة" في أوروبا الغربية، وهو ما يثبت أنّ الجماعة تعمل وفق نموذج تنظيمي موحّد، لكنّه متخفٍّ تحت ستار العمل المدني.
استخدام الجمعيات كغطاء
في فرنسا، على سبيل المثال، استغلت جماعة الإخوان عدداً كبيراً من الجمعيات غير الربحية والمساجد والمؤسسات التعليمية لترويج أفكارها. وقد كشفت السلطات الألمانية عام 2021 عن تورط جماعة "أنصار الدولية" في تمويل منظمات إرهابية مثل "هيئة تحرير الشام" و"حركة الشباب الصومالية"، ممّا دفع برلين إلى حظرها.
هذه الأمثلة تعكس النمط الذي تعتمده الجماعة، إذ تستغل القوانين الأوروبية التي تتيح تأسيس الجمعيات والعمل الخيري، لكنّها توجّه هذه الأنشطة نحو خدمة أجندتها السياسية والدينية.
قيادات أوروبية في الصفوف الأمامية
تضم أوروبا مجموعة من أبرز القيادات الإخوانية التي تتولى إدارة شبكات التنظيم، بينهم إبراهيم الزيات الذي يحمل الجنسية الألمانية، ويُعتبر واجهة بارزة للتنظيم في قضايا التمويل والاقتصاد الإسلامي. كذلك تبرز رشيدة النقزي، القيادية التونسية المقيمة في بون، التي تقود قطاع المرأة في اتحاد المنظمات الإسلامية، أمّا سمير فلاح، المقيم في ألمانيا، فيُعدّ المراقب العام للتنظيم في أوروبا.
وفي بريطانيا، يلعب كل من أحمد الراوي وأنس التكريتي دوراً محورياً في إدارة الشأن الديني والاجتماعي، بينما يقود أحمد جاب الله وفؤاد العلوي أنشطة التنظيم في فرنسا. ويمتد النفوذ الإخواني إلى السويد عبر مصطفى الخراقي وشكيب بن مخلوف، وإلى سويسرا عبر عماد البراني ومحمد كرموص.
شبكة مالية عابرة للحدود
لا يقلّ البُعد المالي خطورة عن البُعد التنظيمي. فبحسب الدراسة تمتلك جماعة الإخوان شبكة مالية ضخمة في أوروبا، تمتد عبر البنوك والشركات التجارية والاستثمارات العقارية وتجارة "الحلال". وتلجأ إلى ما يُعرف بـ "الأوف شور"، وهي شركات تُسجّل في دول أجنبية لتفادي الرقابة، ممّا يجعلها بعيدة عن أعين أجهزة الأمن.
من أبرز الكيانات المالية المرتبطة بالجماعة بنك التقوى الذي أسسه يوسف ندا برأسمال تجاوز (229) مليون دولار، وبنك أكيدا الدولي المتورط في تمويل جماعات أصولية، من بينها حركة حماس والجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر. كذلك أسست الجماعة شركات إعلامية وتجارية مثل World Media Services Ltd) في بريطانيا وشركة Stahel Hardmeyer AG) في سويسرا، إلى جانب استثمارات عقارية كبرى.
صعوبة الملاحقة القانونية
تشير الدراسة إلى أنّ أبرز تحديات مواجهة الإخوان في أوروبا هو الغطاء القانوني الذي تحتمي به أنشطتها. إذ يصعب في كثير من الأحيان إثبات الصلة المباشرة بين الجمعيات أو الشركات وبين الجماعة الأم، خصوصاً مع حرص التنظيم على العمل عبر واجهات محلية تبدو مستقلة.
هذا التعقيد يجعل من الصعب على السلطات الأوروبية وضع حدود فاصلة بين العمل الأهلي المشروع وبين الأنشطة ذات الطابع السياسي والديني التي تخدم أجندة التنظيم الدولي.
قراءة مستقبلية: خطر لم ينتهِ
خلصت الدراسة إلى أنّ جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا ما زالت تمثل شبكة متماسكة رغم الصراعات الداخلية. إذ تظل الهياكل الأوروبية مرتبطة عضوياً بمكتب الإرشاد في مصر، وتنفذ التوجيهات الصادرة عن القيادة المركزية، حتى وإن حاولت إظهار نفسها ككيانات مستقلة.
وتؤكد هذه الحقيقة أنّ الجماعة تعمل ككتلة واحدة عابرة للحدود، وهو ما يتطلب من الحكومات الأوروبية إعادة تقييم مواقفها والتعامل مع جماعة الإخوان باعتبارها منظمة دولية ذات أجندة متطرفة وليست مجرد جمعيات محلية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)