استقطاب عبر الشاشات.. أذرع "الإخوان" تحول العلاج النفسي إلى أداة نفوذ بفرنسا

استقطاب عبر الشاشات.. أذرع "الإخوان" تحول العلاج النفسي إلى أداة نفوذ بفرنسا

استقطاب عبر الشاشات.. أذرع "الإخوان" تحول العلاج النفسي إلى أداة نفوذ بفرنسا


23/09/2026

سارة عبدالقادر

بعبارات تبدو مألوفة في عيادات العلاج النفسي الحديثة، من "الاستماع الفعّال" إلى "العناية بالنفس" و"التطوير الذاتي"، يتوسع حضور ما يُعرف بـ"علم النفس الإسلامي" في فرنسا، مدفوعًا بانتشاره على منصتي "تيك توك" و"إنستغرام". 

لكن خلف هذه اللغة العلاجية الحديثة، كشف تحقيق لمجلة "لو بوان" الفرنسية، صلات مفترضة بين بعض ممارسي هذا التيار وشبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.

نجمات على تيك توك 

وهيبة بحو تصف نفسها بأنها "عالمة نفس إكلينيكية" خريجة جامعة باريس، بتدريب إضافي في إنجلترا وتركيا وماليزيا. على تيك توك وإنستغرام، يتابعها 70 ألف سيدة. 

وفي مقطع بثّته من هاتفها الذكي، تتحدث عن مريض يعاني ضيقًا شديدًا بسبب ميوله الجنسية خلال صيام رمضان، ويشعر بأنه منافق، خصوصًا مع وجود محيط لا يتعامل مع حالته بتفهّم ويقول، إن صيامه لا جدوى منه. 

وتشرح بحو أن هناك فرقًا بين "المعصية" من جهة، و"الميل" الذي لا ينخرط فيه الشخص من جهة أخرى، وبين الالتزامات الدينية.

وتعرض بحو، وهي أيضًا رئيسة "الرابطة الفرانكوفونية لعلم النفس الإسلامي (AFPI)"، التي تمنح شهادات اعتماد لدورات تدريبية مدفوعة دون أيّ اعتراف رسمي من الجهات المنظِّمة للمهنة، دمج القرآن مع معارفها النفسية بوصفه سمة أساسية في ممارستها، إذ ترى أن "علم النفس الإسلامي" يقدم رعاية شاملة تدمج الروحانية والجانب الديني، وأنه من البديهي، بالنسبة إليها، ألا يُغفل الشخص المسلم الله أثناء متابعته النفسية".

أما حفصة قرقري، التي لديها قرابة 200 ألف متابع على إنستغرام، وتحمل ماجستيرًا في علم النفس من جامعة كان، توجّهت إلى "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)" في باريس لدراسة "العلوم الإسلامية"، وهذه العلوم، بحسب "لو بوان"، لا تحمل طابعًا علميًّا بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي في الواقع دروس دينية.

الإخوان في الخلفية

الرابط بين هذه الوجوه وشبكات الإخوان المسلمين ليس مجرد تضمين في السيرة الذاتية، بل سلسلة متصلة الحلقات، بحسب المجلة الفرنسية. فمعهد (IESH) في باريس كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بفرع "شاتو شينون" في إقليم نيفر، والذي صدر بحقه مرسوم حلّ في مجلس الوزراء الفرنسي سبتمبر 2025. 

المرسوم وصف المعهد بأنه "مرحلة حاسمة في مسار التطرف العنيف لعدد من طلابه السابقين"، وفي سيرتها على "لينكد إن"، تذكر قرقري أنها عملت مشرفةً في مخيمات صيفية تابعة لمعهد "شاتو شينون". وقد ترأست فرع كان لـ"طلاب مسلمي فرنسا (EMF)"، التي تصنّفها الحكومة الفرنسية ذراعَ الشباب للإخوان المسلمين في البلاد.

أما علي حبيبي، الممارس الفرنسي المقيم في المغرب والمؤسس الفعلي للرابطة الفرانكوفونية لعلم النفس الإسلامي، فقد شارك مرات عدة في "اللقاءات السنوية لمسلمي فرنسا (RAMF)" التي تنظّمها "مسلمو فرنسا" المعروفة سابقًا بـ "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا(UOIF)"، وهي المنظمة ذات الصلة التاريخية الموثقة بالإخوان. أما وهيبة بحو نفسها فظهرت في برنامج (RAMF 2026) الذي انعقد في لو بورجيه في نيسان/ أبريل.

وكشفت "لو بوان" أن حفيد مؤسس الإخوان طارق رمضان يُدرّس حاليًّا من سويسرا في مركز "شفاء"، الذي تديره دكتورة في علم النفس الإكلينيكي اسمها فاني بوير-موتي. البرنامج يجمع الإنسانيات والأنثروبولوجيا وعلم النفس والتطوير الذاتي مع القرآن. 

يمتد جذر هذا التيار إلى البروفيسور مالك بدري (1932-2021)، السوداني المتخرّج في بريطانيا، الذي كان يعتبر المثلية الجنسية اضطرابًا يُعالَج بالعلاج المعرفي الإسلامي، ويُفسّر فيروس الإيدز بوصفه عقابًا إلهيًّا على "انحلال الغرب". 

فراغ تنظيمي يُغري بالتوسع

منذ مرسوم صدر عام 1985، يشترط لممارسة مهنة عالم النفس الحصول على إجازة جامعية وماجستير في علم النفس، إضافة إلى 500 ساعة تدريب على الأقل تحت إشراف ممارس. كما أن التسجيل في سجل مهنيي الصحة إلزامي.

لكن، بخلاف الأطباء، لا يملك علماء النفس هيئة مهنية مماثلة لـ"نقابة الأطباء"، إذ تعارض بعض المنظمات المهنية إنشاء مثل هذه الهيئة، معتبرة أنها قد تهدد تعددية الممارسات.

ولعلماء النفس مدونة أخلاقيات تحظر التبشير واستغلال العلاقة المهنية لأغراض "دينية أو طائفية أو سياسية"، غير أن هذه المدونة "غير ملزمة قانونيًّا"، وبحسب رينيه كلاريس، الأستاذ الفخري في علم النفس والرئيس السابق للجمعية الفرنسية لعلم النفس "هي بمثابة دليل إرشادي يُدرّس منذ مرحلة التكوين، ويعود إلى الممارس احترامه أو عدم احترامه".

أما اللجنة الوطنية الاستشارية لأخلاقيات المهنة، التي تتابع احترام مدونة المهنة، فهي جمعية خاضعة لقانون 1901 ولا تملك سلطة فرض عقوبات، وإنما تصدر آراء. ولم تصدر عنها حتى الآن آراء بشأن "علم النفس الإسلامي". ويقول رينيه كلاريس إن اللجنة "لم تواجه هذا الموضوع حتى الآن. وربما لا يكون الأمر سوى مسألة وقت".

ملايين المتابعات وشهادات بلا رقابة

قوائم الانتظار لدى بعض هؤلاء الممارسين تمتد من ثمانية إلى عشرة أشهر، الجمهور الأوسع نطاقًا هو النساء، كما تُشير قرقري صراحةً. والمنصات تتضاعف: إنستغرام، تيك توك، يوتيوب، ودورات مدفوعة عبر الإنترنت.

والسؤال الذي يطرحه التحقيق الفرنسي في نهاية المطاف ليس دينيًّا بقدر ما هو مهني وأخلاقي: هل نحن أمام ممارسة لعلم النفس تراعي الحساسية الدينية للمريض، أو أمام مرجعية دينية تتقاطع مع شبكات مرتبطة بالإخوان المسلمين، وتتدثر بمفردات علم النفس؟

إرم نيوز




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية