استطلاع يربط بين تراجع التديّن وعدم الثقة بالجماعات الإسلامية

الجماعات الإسلامية

استطلاع يربط بين تراجع التديّن وعدم الثقة بالجماعات الإسلامية

مشاهدة

30/06/2019

خمسةٌ وعشرون ألف شخص من عشرِ دولٍ عربية شكلوا قوام الاستطلاع الذي قامت به شبكة "بي بي سي" ونشرته في الثالث والعشرين من حزيران (يونيو) الجاري، لتخلصَ إلى أنّ العالم العربي غير متجانس، وأنّه غامض حضارياً، ومشجعٌ للهجرة على صعيد الجغرافيا. وربط الاستطلاع بين تراجع التديّن وعدم الثقة بالجماعات الإسلامية.

اقرأ أيضاً: مراجعات الجماعات الإسلامية.. مشروع حقيقي أم مناورات خطابية؟ا
الاستطلاع، الذي خرج بعدة رسومٍ بيانية وآراء حول الهجرة والاقتصاد والدين والجنس، منح مسحةً تشاؤميةً على وطنٍ عربيٍ تنازعه الربيع العربي منذ أعوام، وتتنازعه طموحات الشباب التي غرق معظمها في مستنقعات العنف وعدم الاستقرار، فهل يكشف هذا الاستطلاع  عن الواقع حقاً؟ أم إنّ لغة الأرقام لا تكفي؟

الدين وعدم الاستقرار
نشرت "بي بي سي" نتائج استطلاعها حول الدين والهجرة والحريات في العالم العربي والذي يحمل نتائج خلال فترة العام 2013، وحتى 2019، وشملت: الجزائر والمغرب وتونس وليبيا والسودان ولبنان والأردن وفلسطين ومصر والعراق واليمن.

انخفاض الثقة في الحركات الإسلامية الرئيسية في المنطقة أحد أسباب تراجع التدين عند الشباب وفقاً للاستطلاع

ويظهر الاستطلاع أنّ نسبة المتدينين "قلّت" في بعض الدول العربية، خصوصاً تونس وليبيا المتناقضتين؛ حيث لم يتغير الكثير اقتصادياً وسياسياً في تونس المستقرة أمنياً على العموم، بينما تغرق ليبيا في التمزق تحت نيران الميليشيات المسلحة، ورغم التناقض في الوضع الأمني للدولتين، إلا أنهما تشتركان في زيارة الربيع العربي لهما، وسواء انتهت موجته في تونس بالاستقرار، أو لا تزال تتحول إلى عنفٍ لا يرحم في ليبيا، فإنّ نسبة غير المتدينين ارتفعت في كلا البلدين.
دولٌ أخرى شهدت "تراجعاً" في تدين الشباب بحسب الاستطلاع، وهي المغرب والجزائر، وكذلك السودان، مع نسبٍ أقل بكثير في دول كلبنان والأردن وفي الأراضي الفلسطينية، ويحمل التقرير في صلبه بعض الأسباب التي ربما تكون دافعاً لهذا التراجع.

اقرأ أيضاً: كيف صوّرت "أدبيات التجنيد" في الجماعات الإسلامية العالم؟ ‎
فالسبب الآخر غير عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي، يعود إلى "انخفاض الثقة في الحركات الإسلامية الرئيسية في المنطقة، كالإخوان المسلمين وحماس وحزب الله، التي تشهد تراجعاً مستمراً". وربما أنّ ربط التدين بالإسلام السياسي الذي تدعي هذه الحركات تمثيله بالأساس، وأنها تمثل من خلاله قضايا عربيةً رئيسية سياسية واقتصادية أسهم في تراجعها، خصوصاً خلال فترة الربيع العربي.

الزيادة في غير المتدينين ربما تعود إلى عدم الثقة بالجماعات الإسلامية

وفي هذا الشأن، رأى الكاتب في صحيفة "الاتحاد" الإماراتية، أحمد أميري، أنّ "مفهوم التدين تعرض إلى  تشويه حقيقي، وصار مرادفاً للتزمّت، وعدم قبول الآخر، والاستعلاء على المختلف، والتشدّد في العبادات، والتهاون في المعاملات أو التعامل في الحياة. وارتبط المفهوم كذلك بجملة من الشكليات. وفي بعض الجماعات أحياناً".

مشاركون في الاستطلاع: القضية الأساسية في الوطن العربي لا تزال تتمحور حول فلسطين، وإسرائيل ما زالت الخطر الأكبر

ويشير أميري، في مقالته المنشورة بتاريخ 26 حزيران (يونيو) الجاري، إلى أنّ الربيع العربي أسهم في أحد جوانبه بـ "ربط التدين ببعض الجماعات الإرهابية تحديداً، مما أسهم في تشويه صورة التدين، وإشاعة نوعٍ من النفور لدى بعض الشباب. وطغى التشويه على صور التعددية والمساواة والتسامح التي تمثل روح التدين". وكان الكاتب أكد أنّ التدين بشكل عام يمر بمرحلةٍ صعبة جعلت أرقام "بي بي سي" تبدو تشاؤمية بشأن مستقبل المنطقة؛ دينياً واقتصادياً.
من ناحيةٍ أخرى، وخلال النصف الأول من العام 2018، كان لرئيس مركز الدراسات الشرق أوسطية في مدينة ماربورغ الألمانية البروفيسور، رشيد عويسة، رأيٌ آخر وفق دراسةٍ استطلاعية أجريت في ذلك الحين من خلال ذلك المركز، رأى عويسة في نتائجها أنّ "94% من الشباب المستطلعةِ آراؤهم بين 2016 و 2018 من بلدان كاليمن وتونس والمغرب والجزائر والبحرين والأردن ولبنان ومصر، هم أكثر تديناً، وكذلك النساء". وفقاً لتقرير نشره موقع "قنطرة" في 11 آذار (مارس) الماضي.

اقرأ أيضاً: هل ستناضل الجماعات الإسلامية الجديدة لاستقلال الدين عن الدولة؟
وكان عويسة أضاف في التقرير أنّ أسباب زيادة نسب التدين تعود إلى "أن الدين يلعب دوراً كبيراً بالنسبة للشباب في أعمالهم اليومية وحياتهم، كدليل إرشادي أخلاقي، وكإطار مرجعي في تفكيرهم السياسي وكذلك كآلية للانضباط الذاتي؛ وأيضاً كملاذ في هذا العصر المليء بالريبة والشكّ"، بحسب المصدر ذاته. وهذا يعني بوضوح أنّ أسباب تراجع نسب التدين لدى الشباب، وفق استطلاع "بي بي سي"، تتشابه مع أسباب تدين الشباب، وفق الاستطلاع السابق الذي نشره موقع "قنطرة"، مع تقاربٍ في الفترة الزمنية التي أجري فيها الاستطلاعان. وتكشف هذه المقارنة أنّ الأرقام لا يمكن أن تكون نهائيةً أو دقيقة.

الهجرة والحريات
يفتح استطلاع "بي بي سي" الباب واسعاً للعديد من التساؤلات حول مستقبل التنمية في العديد من بلدان الوطن العربي، حيث إنّ نسبة الشباب الذين يريدون الهجرة كبيرة وفي ازدياد بالنسبة لجميع الدول التي شملها الاستطلاع، ولأسبابٍ تتعلق بالوضع الاقتصادي والبطالة عن العمل وعدم توفر فرصٍ إبداعية وبيئاتٍ حرةٍ وآمنة كافية. ووفق التقرير، فإنّ "معظم الشباب من الراغبين بالهجرة يرغبون بالاتجاه بعيداً عن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا الغربية عموماً تجاه أمريكا الشمالية ودولٍ أخرى" بحثاً عن فرص عملٍ أفضل.

مؤشرات الرغبة في الهجرة ترتفع وفق الاستطلاع

أما بالنسبة إلى الحريات، فإنّ الشباب يميلون إلى أنواع متناقضة من المساواة كما يُظهر الاستطلاع، فمع "قبول معظمهم في البلدان العربية (باستثناء الجزائر) أن تتولى امرأة المسؤولية في منصب رئيس الوزراء مثلاً، فإنهم يرفضون في المقابل أي رأيٍ رئيسيٍ لها ضمن إطار العائلة" إضافةً إلى ما بينه الاستطلاع عن "عدم ثقة الشباب بأنّ أجواءً سياسية أكثر ديموقراطية ربما تمنحهم حياةً أفضل، وذلك رغم التزامهم بضرورة إطلاق الحريات". وكانت البرفيسورة في جامعة "برنستون" أماني جمال، وهي من المشرفين على الاستطلاع، قالت ضمن تقرير "بي بي سي" إنّ "العرب يخشون أو يخافون من الانتقال إلى الديموقراطية الليبرالية". ويمكن إحالة هذا الخوف أيضاً إلى بعض النتائج التي قدمها الربيع العربي في دول كسوريا واليمن وليبيا مثلاً، إضافةً إلى تضارب المشاعر والأفكار الناتج عن التمسك بالعادات والتقاليد سواء كانت مناطقيةً او طائفية أو قَبَلية في العديد من أنماط الحياة اليومية، وهو ما ينعكس بصورةٍ أو بأخرى على النظرة إلى التحولات الديموقراطية وفتح باب الحريات.

لا تزال إسرائيل تمثل التهديد الأكبر بالنسبة لكثيرين

الجانب السياسي من الاستطلاع، بين بصورةٍ جلية أنّ القضية الأساسية في الوطن العربي لا تزال تتمحور حول فلسطين، ذلك أنّ معظم المشاركين "رأوا أنّ إسرائيل ما زالت هي الخطر الأكبر، مع انخفاض في شعبية أمريكا من خلال رئيسها دونالد ترامب الذي يتمتع بأقل انطباعٍ إيجابي عنه بين المشاركين، بينما يأتي الرئيس التركي في المرتبة الأولى وخلفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين"، مما يعني أنّ الأحداث السياسية التي هزت الوطن العربي على مدى الأعوام السبعة الأخيرة لم تغير كثيراً من آراء العرب في اللاعبين السياسيين الكبار في المنطقة.
وبصورةٍ عامة، لا يمكن لهذا الاستطلاع أن يكون حاسماً باتجاه تحولٍ تام أو كبير في الوطن العربي، سواء بشأن الدين أو الحريات. لكنه يحمل مؤشراتٍ خطيرة تتعلق بمسائل التنمية والهجرة واليأس من التقدم ربما.

الصفحة الرئيسية