استطلاع: معظم الأمريكيين يخافون من كل ما هو "عربي"

استطلاع: معظم الأمريكيين يخافون من كل ما هو "عربي"

مشاهدة

25/06/2019

ترجمة: محمد الدخاخني


هل يجب أن يتعلّم الأمريكيّون، ضمن مناهجهم المدرسية، الأرقام العربية؟

الرئيس التنفيذي لشركة الاستطلاعات وصف النّتيجة بأنّها أتعس وأطرف شهادة على التعصب الأمريكي نراها في بياناتنا

طرحت سيفيك ساينس، وهي شركة أبحاث مقرها بيتسبيرغ، هذا السؤال مؤخراً على نحو 3,200 أمريكي ضمن استطلاع يدور، على ما يبدو، حول الرياضيات، لكن النتيجة كانت مقياساً لمواقف الطلاب تجاه العالم العربي. وقد قال حوالي 56 بالمائة من المُستطلَعين "لا". ولم يصرح 15 بالمائة منهم بأي رأي.

هذه النتائج، الّتي أثارت بسرعة أكثر من 24,000 تغريدة، ربّما كانت لتختلف بشكل حادّ لو أوضح المستطلِعون ماهيّة "الأرقام العربيّة".
هناك 10 منها، هي: 0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8 ، 9.
تلك الحقيقة دفعت جون ديك، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة الاستطلاعات، إلى وصف النّتيجة بأنّها "أتعس وأطرف شهادة على التّعصّب الأمريكيّ نراها في بياناتنا".

اليوم تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة
يُفترَض أنّ الأمريكيين الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة (وكانت نسبة الجمهوريّين بينهم أكبر من الديمقراطيين) يفتقرون إلى المعرفة الأساسيّة بماهيّة هذه الأرقام، ولديهم أيضاً بعض النّفور من أيّ شيء قد يُوصف بأنّه "عربيّ".
إنّه أمر محزن ومضحك بالفعل - وأيضاً سبب للتّوقّف وطرح سؤال بسيط: لماذا يُدعى النّظام العدديّ الأكثر كفاءة في العالم، والأكثر معياريّة في الحضارة الغربيّة، بـ"الأرقام العربيّة"؟

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: اختراق "القارة العجوز" وصعود الإسلاموفوبيا
يأخذنا الجواب على ذلك إلى الهند في القرن السّابع؛ حيث طوِّر النّظام العدديّ، الّذي تضمّن الصّياغة الثّوريّة للصّفر. وبعد حوالي قرنين من الزّمان، انتقل إلى العالم الإسلاميّ، الّذي كانت عاصمته الرّائعة، بغداد، آنذاك أفضل مدينة في العالم يتابع فيها المرء حياته الثّقافيّة. وهناك، طوَّر عالم مسلم فارسيّ، يُدعى محمّد بن موسى الخوارزميّ، تخصّصاً رياضيّاً يسمّى الجبر، ويعني حرفيّاً "لم شمل الأجزاء المكسورة".
وفي أوائل القرن الثّالث عشر، اكتشف عالم رياضيات إيطاليّ، يُدعى فيبوناتشي، درس الحساب على يد مُعلِّم عربيّ في إحدى دول شمال إفريقيا المسلمة، أنّ هذا النّظام العدديّ وطبيعته العشريّة أكثر عمليّة بكثير من النّظام الرّومانيّ، وسرعان ما نشره في أوروبا؛ حيث أصبحت الأرقام معروفة باسم "الأرقام العربيّة".

اقرأ أيضاً: كيف انتشرت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومن غذّاها؟
وفي الوقت نفسه، صار عِلم الجبر يُعرف بـ"algebra"، وتطوَّر اسم الخوارزميّ إلى "algorithm".
اليوم، تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة؛ وقد تشتمل قائمة مختصرة على كلمات مثل: أميرال admiral، الكيمياء alchemy، الكُوَّة alcove، الإنبيق alembic [أداة تقطير]، القلويّ alkali، ملاط lute، ماسِك أو قِناع mask، موصلين muslin [نوع من الأقمشة]، نظير nadir، سُكر Sugar، شراب syrup، تعريفة tariff، ذروة zenith. ويعتقد بعض العلماء أنّه حتّى كلمة "check"، أي الورقة الّتي يتحصّل عليها المرء من أحد البنوك، تأتي من الكلمة العربية "صكّ"، والّتي تعني "وثيقة مكتوبة". (وتستخدم صيغة الجمع، "صكوك"، في الصّيرفة الإسلاميّة للإشارة إلى السّندات).

محمّد بن موسى الخوارزميّ
هناك سبب يرجع إليه امتلاك هذه المصطلحات الغربيّة لجذور عربيّة: بين القرنين الثّامن والثّاني عشر، كان العالم الإسلاميّ، عبر لغته المشتركة، العربيّة، أكثر إبداعاً من أوروبا المسيحيّة، الّتي كانت آنذاك تعيش أواخر عصورها الوسطى. كان المسلمون من الرّواد في الرّياضيّات والهندسة والفيزياء والفلك والأحياء والطّب والعِمارة والتّجارة، والأهم من ذلك، الفلسفة. ولا شكّ أنّ المسلمين قد ورثوا هذه العلوم من ثقافات أخرى، مثل؛ اليونانيّين القدماء والمسيحيّين الشّرقيّين واليهود والهندوس. ومع ذلك، فقد طوّروا هذه التّخصّصات من خلال ابتكاراتهم الخاصّة ونقلوها إلى أوروبا.

الأمريكيون الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة ونسبة الجمهوريّين بينهم كبيرة لديهم بعض نفور من أيّ شيء يُوصف بأنّه عربي

لماذا الخوض في هذا التّاريخ المنسيّ؟ لأنّ دروساً يمكن أن تستقى من ذلك، لكلّ من المسلمين وغير المسلمين.
ومن بين الأخيرين يأتي المحافظون الغربيّون، الّذين لديهم شغف بحماية تراث الحضارة الغربيّة، والّتي غالباً ما يعرّفونها على أنّها حضارة "يهوديّة-مسيحيّة" فقط. بالطّبع، الحضارة الغربيّة لديها إنجاز عظيم يستحقّ الحفاظ عليه: التّنوير، الّذي منحنا حرّيّة الفكر وحرّيّة الدّين وإلغاء العبوديّة والمساواة أمام القانون والدّيمقراطيّة.
ولا ينبغي التّضحية بتلك القِيَم لصالح القَبَليّة ما بعد الحداثيّة المسمّاة "سياسة الهويّة". لكنّ المحافظين الغربيين يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة. إنّ ثالث الدّيانات الإبراهيميّة العظيمة، الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث، وتكريم ذلك الإرث قد يساعد على إقامة حوار بنّاء مع المسلمين.

الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث
بالطّبع، أمامنا، نحن المسلمين، سؤال كبير يجب علينا الإجابة عنه: لماذا كانت حضارتنا ذات يوم خلّاقة، ولماذا فقدنا ذلك العصر الذّهبيّ؟
يجد بعض المسلمين إجابة بسيطة في التّقوى والافتقار إليها، معتقدين أنّ هذا التّراجع جاء عندما أصبح المسلمون "آثمين". ويفترض آخرون أنّ العظمة المبكّرة يمكن إرجاعها إلى القادة الأقوياء، الّذين يأملون في أن تتجسّد نماذج مماثلة لهم. ويجد البعض العزاء في نظريّات المؤامرة الّتي تُلقي بالّلوم على الأعداء في الخارج و"الخونة" في الدّاخل.
إليكم تفسير أكثر واقعيّة: كانت الحضارة الإسلاميّة المبكّرة مبدعة لأنّها كانت منفتحة. على الأقلّ، امتلك بعض المسلمين الرّغبة في التّعلُّم من الحضارات الأخرى. كان هناك مجال لحرّيّة التّعبير، وهو ما كان أمراً استثنائيّاً في ذلك الوقت. وقد سمح ذلك بترجمة ومناقشة أعمال فلاسفة يونانيّين كثيرين، مثل أرسطو، كما سمح لعلماء لاهوت من مختلف الأطياف بالتّعبير عن آرائهم، وأتاح للباحثين بيئة عمل مستقلّة. على كلّ حال، منذ القرن الثّاني عشر وما بعده، فرض خلفاء وسلاطين لهم طبيعة استبداديّة شكلاً أقلّ عقلانيّة وأقلّ قبولاً بالتّنوّع للإسلام. وهكذا تحوّل الفكر الإسلاميّ نحو العزلة والتّكرار والّلامبالاة.

وبحلول القرن السّابع عشر، في الهند المسلمة، كان أحمد السّرهنديّ، وهو عالم بارز عُرِف أيضاً باسم الإمام ربّانيّ، يمثّل منعطفاً دوغمائيّاً عندما أدان جميع "الفلاسفة" وتخصّصاتهم "الغبيّة". وكما كتب: "تأتي الهندسة بين علومهم المدوّنة والمنظّمة، وهي عديمة الفائدة تماماً. مجموع ثلاث زوايا في مثلث عبارة عن مجموع زاويتين قائمتين - ما الفائدة الّتي يمكن أن يعود علينا بها مثل هذا الكلام"؟

المحافظون الغربيون يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة

بالضّبط، لماذا حدث هذا الإغلاق المأساويّ للعقل الإسلاميّ، وكيف يمكن الانقلاب عليه، هو السّؤال الأكبر الّذي يواجه المسلمين اليوم. ويجب ألّا نفقد المزيد من الوقت من خلال ألعاب الإنكار والّلوم.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، يجب ألّا يخطئ الآخرون في الحكم على الحضارة الإسلاميّة من خلال النّظر إلى أسوأ منتجاتها، الّتي يشيع الكثير منها الآن. إنّها حضارة عظيمة قدّمت إسهامات كبيرة للبشريّة، لا سيّما الغرب.
ولهذا السّبب، حين تتّصل عبر هاتفك، تقوم باستخدام "الأرقام العربيّة". وهذا مجرّد غيض من فيض من الأفكار والقِيَم المشتركة بين الإسلام والغرب.


المصدر: مصطفى أكيول، النيويورك تايمز

الصفحة الرئيسية