ارجموا مريم: صرخة مسرحية غزّاوية تعرّي العنف ضد المرأة

ارجموا مريم: صرخة مسرحية غزّاوية تعرّي العنف ضد المرأة

مشاهدة

14/09/2020

ارجموا مريم.. عنوان مسرحية تعرض في غزة تلقي الضوء على العنف الممارس ضد المرأة العربية بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص، لمنح هؤلاء النسوة صوتاً فقدنه منذ فترة طويلة، نتيجة الظلم المجتمعي الواقع عليهن، بفعل الأفكار الراسخة والمتوارثة عبر الأجيال، من حرمان المرأة من الميراث، أو عدم تزويجها خوفاً من ضياع الميراث، وقتل المرأة بذريعة الدفاع عن الشرف، ومنع الفتاة من استكمال دراستها، أو إخضاع المرأة للرجل وممارسة العنف ضدها. 

مسرحية "ارجموا مريم" ترمي إلى توعية الأجيال الجديدة بدور المرأة في المجتمع والذي لا يقل أهمية عن الرجل، ليبحثن عن ضوء يبشّرهن بأمل جديد، بعيداً عن سطوة الجلاد

وعلى اعتبار أنّ مريم العذراء تمثل رمز النقاء والصفاء والطهر والتي تعرضت للتشويه بعد أن اتهمت بحملها بعيسى المسيح من غير زواج، تم إبراز العنف الذي يمارس ضد المرأة، والذي سببه الإنسان وأدعياء الدين والسياسة والثقافة، والذين كان لهم دور بارز في اضطهاد المرأة وتجريدها من حقوقها المشروعة.

...

وفي الأراضي الفلسطينية غُيبت العقوبات الرادعة التي توصي بحماية المرأة من العنف، وعارضت أحزاب وعشائر فلسطينية إقرار قوانين تتعلق بحماية النساء كاتفاقية "سيداو"، والتي صادقت عليها السلطة الفلسطينية خلال العام 2009م، وطالبت بضرورة حماية المرأة والمساواة بينها وبين الرجل في كافة الحقوق.

اقرأ أيضاً: التمييز ضد المرأة في إيران يصل إلى "الكتاب المدرسي"... كيف؟

وتتناسب اتفاقية "سيداو" والتي جاءت بعد نضال نسوي عالمي، مع كافة الإناث في أي بقعة حول العالم، لحفظ كرامتهن وحقوقهن، إلا أن عدم قيام الجهات المختصة الفلسطينية بشرح تفاصيل الاتفاقية للرأي العام نتيجة لعدم الاهتمام بتطبيق مضامينها على أرض الواقع، وفر ذلك بيئة خصبة لممارسة العنف ضد النساء وهدر حياتهن.

اقرأ أيضاً: عن فيديو آية الصباغ: هل العنف ضدّ المرأة "أسرار عائلية"؟

ووفقاً لإحصائية صادرة عن مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي خلال العام 2019، فقد تعرضت 18 امرأة للقتل، وتوزعت الحالات ما بين  14 حالة في الضفة و4 حالات في غزة، على خلفيات ما بين القتل الفعلي والأسباب الغامضة لعملية القتل  والانتحار أو "الاستنحار" والمقصود فيه ممارسة العنف والضغوطات النفسية على الضحية ما يدفعها للانتحار.

مشاهد العنف ضد المرأة

بدوره، يقول مخرج المسرحية مصطفى النبيه إنّ "المسرحية بدأت بمشاهد تمثيلية وموسيقى تصويرية ورقصات إيحائية، للتعبير عن مشاهد العنف الموجه ضد المرأة بناء على قصص واقعية عايشتها خلال مسيرتي الفنية، لتسليط الضوء على ما يواجه النساء من تحديات ومعيقات في مجتمعنا الفلسطيني والعربي، والذي يغلب عليها النظرة الذكورية".

...

ويضيف النبيه في حديثه لـ "حفريات" أنه "على مدار ساعة و15 دقيقة تدور الأحداث فوق خشبة المسرح لعشر شخصيات جسدتها الممثلة الشابة العشرينية لينا العاوور، والتي تمكنت من الانتقال ما بين الشخصية والأخرى بسلاسة وبطريقة تثير انتباه المشاهد، للتعبير عن العنف الممارس ضد المرأة، حيث تمكنت من ممارسة الرقص الإيحائي لدقائق عديدة لتجسد أدواراً متعددة من بينها الطفلة الفرحة، وكذلك البنت في سن المراهقة، والمرأة والعجوز المضطهدة في المجتمع، واستطاعت بلغة جسدها وصرخاتها المؤلمة والمعبرة والمعتمدة على السلوك الدرامي الفني من إيصال رسالة المسرحية لمشاهديها".

مخرج المسرحية لـ"حفريات": كيف لرؤوس مثقوبة مخترقة أن تحمي وطناً وقضيتها محصورة في جسد أنثى، وهي علاقة تتنافى مع واقع المرأة التي تحمل صفات جميلة يتجاهلها المجتمع؟

ولفت إلى أنه "لإنجاح العرض المسرحي وخروجه بالطريقة المرجوة، كان الديكور معبراً عن مضمون المسرحية، فالصليب كان يرمز للاضطهاد الممارس ضد النساء في المجتمع، وكذلك الكرسي الخشبي الذي يمثل رمز السيادة والسلطة، والمشابك والملابس البيضاء التي اكتست بالدماء، والسجن المعنوي الذي يقيد المرأة من حريتها نتيجة العادات والتقاليد السائدة، والكفن الذي علق في أحد زوايا المسرح والذي تنسال منه الدماء لنساء حاولن التعبير عن ذاتهن، أو حاولن ممارسة حقهن في الحياة كبقية النساء حول العالم بعيداً عن قيود المجتمع".

اقرأ أيضاً: جسد المرأة: صراع ديني علماني أم اقتصادي؟

واستطاعت المسرحية من خلال عرضها، وفق النبيه، أن توصل رسالتها الاجتماعية، وتطرح تساؤلاً مهماً وهو كيف لرؤوس مثقوبة مخترقة أن تحمي وطناً وقضيتها محصورة في جسد أنثى؟ وهي علاقة تتنافى مع واقع المرأة والتي تحمل صفات جميلة يتجاهلها المجتمع ويقتصر النظر إليها والتعامل معها كجسد فقط.

...

وتابع أنّ "المونودراما تُمثل قضية ثورية للتغيير وبناء الإنسان، في ظل واقع مريض نتج عن العادات والتقاليد السائدة والصراعات السياسية الحاصلة، بهدف حث ودعوة السلطتين التنفيذية والقضائية لإنصاف المرأة وحمايتها من الظلم الواقع عليها بالإسراع في استصدار قانون حماية الأسرة".

عراقيل تمنع النهوض بالعمل المسرحي

وأكد أنه "بسبب جائحة كورونا منعت مونودراما ومسرحية ارجموا مريم من أن تصل إلى بعض دول العالم كايطاليا والنرويج والجزائر والمغرب، والتي كان من المقرر أن يتم عرضها على مسارح تلك الدول خلال شهر آذار(مايو) الماضي، لتسليط الضوء على معاناة المرأة العربية والفلسطينية والاضطهاد الواقع عليها من المجتمع".

ويرى النبيه أنّ "المسرح الفلسطيني بحاجة إلى شراكة فنية ودرامية مع مسارح عربية وأجنبية، لتبادل الخبرات والمهارات في المجال المسرحي والفني، للتأسيس لحالة فنية مسرحية واعدة يمكن التعويل عليها مستقبلاً وتحديداً في قطاع غزة المحاصر منذ عدة سنوات" .

اقرأ أيضاً: المرأة بعينيّ المنفلوطي.. مساوية للرجل ولا تخالطه

وعن أبرز العراقيل التي تحول دون النهوض بالعمل المسرحي في غزة، يقول النبيه بأنه "على الرغم من الأعمال المسرحية المتواضعة في قطاع غزة، إلا أن هناك معيقات من أبرزها فقدان القطاع للمسارح الفنية المؤهلة لإقامة العروض الدرامية والمسرحية، وارتفاع ثمن استئجار المسارح الموجودة حالياً والتي لا تتناسب مع أداء الأعمال المسرحية، إضافة إلى ندرة الدعم المالي المخصص لاحتضان الفنانين والمبدعين، حيث تقتصر معظم الأعمال المسرحية على الجهود الفردية فقط".

مسرحية تمس العمق المجتمعي

من جهتها، تقول كاتبة مسرحية ارجموا مريم، ديانا الشناوي في حديثها لـ "حفريات" إنّ "المسرحية تتناول قضية تمس العمق المجتمعي وذلك مع ارتفاع معدل قتل النساء في المجتمع الفلسطيني، وحالات العنف والاضطهاد التي تتعرض له المرأة الفلسطينية بشكل خاص والمرأة العربية بشكل عام، لتحمل المسرحية تجارب واقعية لنساء تعرضن للعنف الأسري".

...

وترى الشناوي أنّ "المواطن الفلسطيني متعطش للفنون المسرحية الحقيقية التي تخاطب الأفكار والعقول والأرواح حتى يستيقظ من حالة السبات التي يعيشها، ويواجه الحقائق التي تعتري الواقع المرير التي تعيشه المرأة لكونها أنثى، لتدفع حياتها في كثير من الأحيان ثمناً لعادات المجتمع السلبية والسيطرة الذكورية على حقوقها وحريتها المشروعة".

وتابعت أنّ "المسرحية شملت رقصات تعبيرية كرقصة الموت والتي توضح المرأة التي قتلت وارتدت الكفن تمهيداً لدفنها تحت التراب، ورقصة الحرية لمحاولة التخلص من الأفكار الرجعية السائدة في المجتمع، وكذلك استخدام اللغة العربية الفصحى والعامية لتستطيع أن تصل رسالة المسرحية لكافة فئات المجتمع بمختلف خلفياتهم الفكرية والاجتماعية".

الثورة على واقع النساء المرير

وهدفت المسرحية، وفق الشناوي، إلى توعية الأجيال الجديدة بدور المرأة في المجتمع والذي لا يقل أهمية عن الرجل، ليبحثن عن ضوء يبشّرهن بأمل جديد، بعيداً عن سطوة الجلاد الذي يمارس على المرأة سطوته الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، ليبقى سرد القصة خلال المسرحية هو اللاعب الأكبر في توصيل رسالتها إلى كافة أفراد المجتمع بضرورة حماية المرأة والحفاظ عليها من العنف الممارس ضدها.

اقرأ أيضاً: أمثال شعبية قللت من شأن المرأة على مر التاريخ

وتشرح الشناوي أنّ "غياب العنصر النسائي من الحضور على خشبة المسرح ساهم في تحجيم الكتابة المسرحية لطرح القضايا المجتمعية، لعدم تقبل المجتمع في غزة اختلاط الرجال مع النساء في معظم الأعمال، والتي يرون أنها تتعارض مع العادات والتقاليد المحافظة، لذلك نجد الكثير من المسرحيات يقوم الذكور من خلالها بتقمص أدوار الفتيات، لتجاوز معضلة غيابهن عن الأعمال الدرامية والمسرحية".

...

وانتهت المسرحية، بحسب الشناوي، بالثورة على الواقع السيئ والمرير التي تعيشه النساء في فلسطين عموماً، مع عمليات القتل والاضطهاد التي يتعرضن له، والتأكيد على أنّ الحقوق لا تتطلب وإنما يتم انتزاعها بالقوة .

كونها ولدت أنثى

تقول سمية أبو شمالة ( 45 عاماً) وهي متزوجة وأم لأربعة أبناء وشاهدت مونودراما ارجموا مريم لـ "حفريات" إنّ "المسرحية استطاعت تسليط الضوء وطرح قضية مجتمعية مهمة في المجتمع الفلسطيني، وهو العنف الواقع على المرأة وما تتعرض له من ظلم وقهر من قبل زوجها وعائلتها وأقاربها، وذلك بجرأة وموضوعية وبطريقة درامية سلسلة، لإيصال رسالة المسرحية الهادفة لمتلقيها".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: أوهام ومناورات وعنصرية ضد المرأة.. هذه آخر أزماتهم

أما طارق الحاج ( 35 عاماً) وهو طالب دراسات عليا، فأبلغ "حفريات" أنّ "المسرحية جسدت عدة مشاهد تبين ما حل بالمرأة من ظلم وسيطرة على كينونتها كونها ولدت أنثى فقط، وكذلك التعبير عن سلوكيات بعض أفراد المجتمع في قتل النساء من أجل الحصول على ميراثها ، ليتم اتهامها بعد هذا القتل بأنها قتلت بداعي الشرف أو ما شابه".

الصفحة الرئيسية