احتفالات المولد النبوي: مشهدية روحانية تتحدّى التشدّد

956
عدد القراءات

2017-11-30

رغم زحمة الصراعات والأزمات التي يمر بها العالم العربي والإسلامي اليوم، وضجيج المقولات التحريمية التي ترافق الاحتفالات الشعبية بالمولد النبوي الشريف الذي يصادف 12 ربيع الأول من كل عام، يواصل الناس بعفوية صادقة الاحتفاء بهذه المناسبة، لتمتزج العادات والتقاليد بالأبعاد الروحية والدينية، وتجتمع المأكولات التقليدية بالأناشيد والأذكار، في مشهد روحاني تحرص الشعوب على تجديده تعبيراً عن حبها لنبيها الكريم في ظاهرة تتقاطع فيها الأبعاد الدينية بالاجتماعية والثقافية.

ترجع بداية ظهور الممارسات الاحتفالية بالمولد النبوي إلى العصر الفاطمي  وما تزال حاضرة إلى اليوم

وهي تمثل جانباً جمالياً للدين، لا ترفضها إلا التفسيرات المتشددة، التي تقف عند ظاهر النصوص، وتعجز عن سبر المعاني الجمالية والثقافية والحضارية، وصدق عاطفة الشعوب وارتباطها العفوي بدينها ونبيّها، غير عابئين بذلك الفهم الظاهري المتزمّت الذي نأى بالمناسبة عن جوهرها القيمي.

تاريخ انطلاقة الاحتفال بالمولد

تعود انطلاقة عادة الاحتفال بالمولد النبوي إلى العصر الفاطمي؛ حيث اعتبره الخلفاء آنذاك من ضمن "المواليد الستة" التي أقاموا الاحتفالات لها، وما يزال جوهر تلك الممارسات الاحتفالية حاضراً اليوم، كعمل الحلوى وتوزيع الصدقات. وفي العصر الأيوبي بدأ الاحتفال بالمولد النبوي يأخذ شكلاً منظماً، وذلك في عهد السلطان مظفر الدين كوكبوري؛ حيث كان ينفق في الاحتفال الأموال الكثيرة، والخيرات الكبيرة، حتى بلغت ثلاثمئة ألف دينار، في كل عام.

ينطوي الاحتفاء بالمولد على بعد روحي ديني تعبّدي إضافة إلى الاحتفالات العائلية وإعداد الأكلات التقليدية الخاصة بالمناسبة في كل بلد

وفي الدولة المرينية، أصدر السلطان الناصر لدين الله أبو يعقوب المريني، أوامر سلطانية جعل على إثرها المولد النبوي عيداً رسمياً، كعيديّ: الأضحى والفطر، ويعاقب كل من يمتنع عن الاحتفال به. وفي المغرب الأقصى، كان بعض السلاطين يهتمون بالاحتفال بالمولد النبوي، لا سيما في عهد أحمد المنصور (القرن العاشر الهجري)، فإذا دخل شهر ربيع الأول يجمّع المؤذنين من أرض المغرب، ويوم المولد النبوي، تقام الصلاة، ويتقدم الواعظ ليسرد فضائل النبي الكريم، وبعد أن يفرغ، يبدأ المؤذنين بإلقاء الأشعار والمدائح.

تتجمل الأحياء الشعبية المصرية للمناسبة وتنتشر السرادقات حول المساجد وتجوب المسيرات الاحتفالية الشوارع على وقع ضرب الدفوف

واليوم تستمر الشعوب العربية الإسلامية في ممارسة هذه العادة؛ حيث تنطوي الاحتفالات على بعدين أساسيين؛ الأول روحي ديني تعبّدي، ويتمثل في سلسلة الاحتفالات الدينية التي تقوم على الصلاة والأناشيد والأذكار والأغاني التي تحتفي بالسيرة النبوية، وأما الثاني فيتمثل في الاحتفالات العائلية وإعداد الأكلات التقليدية، التي يتم تبادلها بين الأقارب والجيران، كما يُتصدق بها على الفقراء والمحتاجين.
 

احتفال بالمولد النبوي العام 1896 بميدان البلدية في مدينة بنغازي الليبية

عبادات وذكر وزينة
تتجمل الأحياء الشعبية في المدن المصرية للمناسبة، وتنتشر السرادقات حول المساجد، كمسجد الإمام الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والسيدة عائشة، التي يتوافد عليها المصريون ليقوموا بالذكر والإنشاد، كما تنطلق المسيرات الاحتفالية لتجوب الشوارع على وقع ضرب الدفوف.

تشهد القيروان بتونس المظاهر الكبرى للاحتفال بهذه المناسبة متمثلة في فعاليات دينية وثقافية وموسيقية وأسواق تقام خصيصاً لهذه المناسبة

وفي تونس، تحفل ليالي المولد النبوي بمواكب الذكر وتلاوة المدائح في زوايا ومقامات عدة، ويجتمع الناس في جامعيّ الزيتونة وعقبة بن نافع في القيروان لتلاوة قصيدة الهمزية في مدح خير البرية، للإمام البوصيري.
وتشهد القيروان المظاهر الكبرى للاحتفال بهذه المناسبة، متمثلة في فعاليات دينية وثقافية وموسيقية وأسواق تقام خصيصاً لهذه المناسبة، كما تروى السيرة النبوية داخل مقام سيدي الصاحب، في حين تملأ الأناشيد الدينية والمدائح النبوية، الأسواق العتيقة وتضفي على المدينة قدسية خاصة؛ حيث تنتعش الحركة السياحية بالمدينة في هذا الموسم.

جلسات الذكر الجماعي من الطقوس الاحتفالية بالمولد النبوي

وفي المغرب، يطلق على هذه المناسبة "الميلودية"، وتتميز أجواء الاحتفال بها بطابع خاص من الطقوس، وفي يوم المولد يبدأ الاحتفال من الصباح بإفطار جماعي يشمل كل أفراد الأسرة، لتستمر بعده الاحتفالات بالأذكار والأناشيد والمدائح الخاصة بهذه الذكرى.
وبعد صلاة المغرب، تعقد دروس المساجد في السيرة النبوية وسير الصحابة وفضائل الرسول، ومع هذه الدروس يحضر الإنشاد الديني والمدح للنبي الكريم، وتتولى الطرق الصوفية القيام بهذه المهمة.

في المغرب تعقد دروس المساجد في السيرة النبوية وسير الصحابة يرافقها الإنشاد الديني والمديح النبوي

وتتميز مدينة مكناس وسط المغرب باحتفالات المولد، فبالإضافة إلى الأنشطة الدينية والندوات الفكرية ومعرض القرآن الكريم، تشهد شوارع المدينة خلال اليوم الأخير من الاحتفالات استعراضاً خاصاً لفرق فلكلورية وتراثية وأخرى للأناشيد الدينية. وبمدينة سلا قرب الرباط ينظم موسم الشموع الذي يتداخل فيه الجانب التراثي بالجانب الديني؛ حيث تقام استعراضات الفرق الفلكلورية بالشموع الضخمة التي يبلغ طولها أربعة امتار، تحمل نقوشاً لأسماء الله الحسنى وبعض الآيات القرآنية.
وفي الجزائر، كان الاحتفال بذكرى المولد النبوي وما يزال جزءاً من هوية الشعب الجزائري، وقد واجه الجزائريون في السابق المدّ الثقافي الفرنسي بإحياء ذكرى المولد؛ حيث تردد الطرق الصوفية الابتهالات والأناشيد الدينية، وتعد مدينة مستغانم مركز الاحتفالات بذكرى المولد النبوي في الجزائر؛ إذ تشهد أكبر تجمع للطرق الصوفية، فتتعالى الزغاريد في شوارعها، وتشعل الشموع، كما تنتشر روائح البخور والعنبر.

واجه الجزائريون في السابق المدّ الثقافي الفرنسي بإحياء ذكرى المولد النبوي

وفي بلاد الشام، تكثر دروس السيرة النبوية داخل المساجد، وحلقات الذكر والابتهالات، فضلاً عن جمع الصدقات والقيام بالأعمال الخيرية احتفالاً بهذه المناسبة، وتخرج فرق الإنشاد بزي خاص ومميز إلى الشوارع تردد أناشيد وابتهالات مدح المصطفى بمشاركة الأطفال، وخلال الاحتفالات يوزع التجار الحلوى على المارة في الشارع.

وفي السودان، وتحديداً في مدينة أم درمان التاريخية، تبدأ الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف، مع بداية شهر ربيع الأول وحتى موعد المناسبة نفسها في الثاني عشر من الشهر.

وفي ليبيا، يخرج الأطفال والشباب حاملين القناديل والمشاعل، وهم يرددون الأناشيد الخاصة بالمولد، ويتجمعون حول مشعلة من النار وسط إحدى الساحات، ويتم استقبال هؤلاء الشباب من طرف ربات البيوت وهن يزغردن ويقمن برش ماء الورد وتستمر هذه المظاهر طيلة سبعة أيام احتفاء بقدوم المولد النبوي.
وفي سلطنة عُمان، تمتد الاحتفالات بالمولد النبوي طوال أسبوع في حلقات تردد خلالها الأناشيد الدينية ومدح الرسول، وهناك ينتشر فن "الهوامة" الذي يتم فيه إنشاد نصوص مختارة من الشعر الصوفي والمديح النبوي، وهذا الفن منتشر في أغلب أقطار الخليج العربي.
 

حلوى المشبك التي تشتهر بها بلاد الشام خصوصا في المولد النبوي

احتفالات عائلية ومأكولات خاصة
ولا تقتصر احتفالات المولد النبوي على الجانب الديني، وإنما تكتسب المناسبة طابعاً اجتماعياً وثقافياً؛ حيث ارتبطت بها عادات وتقاليد على مستوى الأسرة، من إعداد أكلات وحلوى خاصة بهذه المناسبة.
ففي المغرب تحرص معظم العائلات على إعداد الكسكسي بالدجاج، والعصيدة المغربية بالمكسرات، استحضاراً لذكرى الرسول الأكرم وميلاده، فضلاً عن صنع الحلوى المغربية لهذه المناسبة.
وفي مصر، تعتبر حلوى المولد الحاضر الأساسي في هذه المناسبة؛ حيث يعد المصريون أنواعاً خاصة من الحلوى، وهي: السمسمية، والفولية، والحمصية، والجوزية، والبسيمة، والملبن المحشو بالمكسرات، علاوة على عروسة المولد الشهيرة، والحصان وغيرها، وهي حلويات تبدأ العائلة المصرية في إعدادها قبل المولد بشهر أو شهرين. ويصطف بائعو الحلوى بخيامهم المزركشة، بجوار المساجد التي تقام فيها الاحتفالات، وتتصدر واجهات المحلات، دميتا عروس المولد والحصان المعروفتان.

في بلاد الشام تكثر دروس السيرة النبوية داخل المساجد وحلقات الذكر والابتهالات فضلاً عن جمع الصدقات والقيام بالأعمال الخيرية

وفي تونس، تستعد العائلة التونسية لمناسبة المولد قبل أيام، وتخصص لها موازنة خاصة؛ حيث تتميز الاحتفالات بطهي "العصيدة" التي تحضر بعجينة فاكهة "الزقوقو"، أو حب الصنوبر الحلبي.
وفي ليلة المولد، تجتمع العائلة، ويقوم أكبر أفرادها سناً أو أمهرهم في الطبخ، بتحضير العصيدة، وتسهر العائلة على إيقاعات تخليطها في القدر، مع سرد قصص دينية، ومع الفجر، وبعد تبريد العصيدة، توضع الكريمة فوقها، وتزخرف بالفواكه الجافة والحلوى، وتختلف طريقة الزينة ومكوناتها من مدينة إلى أخرى عاكسة تقاليد سكانها.

عصيدة الزقوقو.. يتهاداها التونسيون في المولد النبوي

ويوم المولد النبوي الشريف، تتبادل العائلات التونسية الزيارات، وأواني "العصيدة" المزخرفة بإتقان، وهو عنصر أساسي، يرمز إلى قوة الروابط العائلية. كما يجلب الشبان إلى خطيباتهم، الهدايا أو "الموسم" الذي يعتبر واجباً على كل رجل في هذه المناسبة.
وفي الجزائر، تقوم العائلات بطهي الأكلات الجزائرية الخاصة لهذه المناسبة مثل: الرشتة، والشخشوخة، والتريدة. وتتجمع الأسر ليلاً على مائدة عشاء خاص؛ حيث تفضل العديد من العائلات الجزائرية قضاء السهرة في التجمع للسمر، وخلال السهرة يتم تقديم الشاي، إلى جانب أطباق الحلويات التقليدية، مثل "المقروض" وطبق "الزريرة"، وفي معتقدات العائلات الجزائرية، أنّ طبق "الزريرة"، هو فرحة بمولد الرسول، وتبدأ الجلسات بالذكر المجرد، تتناوب خلالها القصائد في تمجيد الله والرسول.
وفي ليبيا، تقوم العائلات بإعداد العصيدة التي تقدم مع العسل، وفي بلاد الشام يُعد "المشبك" الحلوى الأشهر التي يتم توزيعها خلال ذكرى مولد النبي، وفي السودان، في منطقة الخليفة تحديداً، بأم درمان، تقام الشوادر والخيام، وتباع الحلوى، وأشهرها "السمسمية"، وداخل الخيام، يقدم الطعام للمحتفلين، ومن أشهر الأكلات في هذه المناسبة "الثريد".

اقرأ المزيد...

الوسوم: