احتدام صراع النفوذ والمصالح في الصومال

الصومال

احتدام صراع النفوذ والمصالح في الصومال

مشاهدة

18/04/2018

ارتبطت صورة الصومال خلال العقود الأخيرة بالمجاعة، والحرب الأهلية، وصعود الحركات المتطرفة، ولكن خلف هذه الصورة الظاهرة تكمن الكثير من التفاصيل؛ حيث ترتبط الجغرافيا الصومالية بالأهمية الإستراتيجية على مستويات عديدة؛ فالسواحل الصومالية يبلغ طولها نحو 3000 كم، لتكون بذلك الأطول على مستوى القارّة الإفريقية، وهي مشرفة على خليج عدن ومضيق باب المندب الإستراتيجيين؛ واللذيْن تمر بهما نسبة كبيرة من التجارة البحرية العالمية، وهو ما استدعى اهتماماً وتوجهاً دولياً متزايداً، خصوصاً مع ضعف الحكومة المركزية في البلاد.
القوة التركية "الفاضلة"
ضِمن التّوجه التركي للتمدد الناعم في المنطقة، ومع تبلور سياسة رجب طيب أردوغان الخارجية المعروفة بـ"القوة الفاضلة"، والقائمة على اكتساب النفوذ، والولاء، عبر تحسين صورة الدولة التركية وإظهارها في صورة فاعل الخير والمُحسن، جاءت زيارة أردوغان إلى الصومال عام 2011؛ حيث أعلن فيها عن التطلّع التركي للمساهمة في تدشين عهد جديد للصومال بعد عقدَيْن من الحروب الأهلية، ومع وعود باستثمارات تركية كبيرة، وذلك ضمن الإستراتيجية والتوجه التركي لاختراق الأسواق الإفريقية الناشئة.

قام رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بزيارة مقديشيو في آب من العام 2011

جاءت بداية مد النفوذ التركي في الصومال من بوابة أحد مزودي المساعدات، وذلك عبر الهلال الأحمر التركي؛ حيث تحول إلى أحد مزودي الخدمات في العاصمة الصومالية، بما في ذلك من بناء بعض المدارس والعيادات الصحية. واليوم تمتلك تركيا أكبر سفارة رسمية في مقديشيو، وقد تنوعت سياسات القوة الناعمة، لتشمل تخصيص مقاعد دراسية كمنح للطلاب الصوماليين في الجامعات التركية، كما أصبحت الخطوط الجوية التركية المسيّر الأول للرحلات المنتظمة من وإلى مطار مقديشيو.

جاء الدخول التركي إلى الصومال من بوابة المساعادات الإنسانية وذلك عبر الهلال الأحمر التركي

ولكن السياسة التركية لم تتوقف عند حدود القوة الناعمة، وإنما تجاوزتها إلى القوة العسكرية الصلبة؛ حيث قدمت تركيا بدايةً نحو 9 ملايين دولار لإعادة هيكلة الجيش الصومالي وقوة الشرطة، كما بدأت بتنفيذ برامج تدريب عسكريين صوماليين في أكاديميات عسكرية في تركيا، وتوّجت التوجهات التركية مع افتتاح القاعدة العسكرية التركية في تموز (يوليو) من العام 2016، وبعد عامين من أعمال التجهيز والبناء. والتي تقع على مساحة 400 دونم، وبلغت تكلفتها حوالي 50 مليون دولار. ما يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات حول طبيعة وحقيقة الأهداف من وراء هذا الاختراق التركي المتوج بقاعدة عسكرية في منطقة عربية ذات طبيعة جغرافية واستراتيجية حساسة جدا.

مشاركة رئيس أركان الجيش التركي في مراسم افتتاح القاعدة العسكرية التركية

تزايد الاهتمام الإماراتي
كانت المصالح الإماراتية بالصومال مرتكزة بالأساس في مجال حفظ الأمن والاستقرار، وضمان المرور الآمن لسفن النفط عبر موانئ القرن الإفريقي، وفي مضيق باب المندب، وما يقتضيه ذلك من ضرورة مواجهة عمليات القرصنة البحرية في خليج عدن.
ومنذ العام 2011، بدأت الإمارات بتبنّي دبلوماسية المساعدات والتأهيل، عبر إرسال مساعدات تموينية وإغاثية، تم تقديم معظمها من خلال الهلال الأحمر الإماراتي، ومؤسسة "خليفة بن زايد"، حيث كانت البداية مع إطلاق حملة "لأجلك يا صومال"، بعد اشتداد مجاعة الصومال العام 2011.

كانت المصالح الإماراتية بالصومال مرتكزة بالأساس على مساعدة الصوماليين في مجال حفظ الأمن والاستقرار وتقديم مساعدات الإنسانية

وفي عهد الرئيس الصومالي السابق "حسن شيخ محمود"، منذ العام 2012، تطوّرت المساعدات الإماراتية لتشمل مشاريع دعم قطاعيْ التعليم والصحّة، بما في ذلك من بناء وإدارة مدارس ومستشفيات، وفي مقدمتها مستشفى الشيخ زايد في مقديشيو. كما ساهم في تعزيز العلاقات الإماراتية الصومالية، عوامل أخرى، أهمها وجود حوالي مائة ألف صومالي، يعملون في الإمارات، ويقومون بتحويل ما يقرب من 1.5 مليار دولار سنوياً.

تميز عهد الرئيس حسن الشيخ محمود بالتقارب مع الإمارات

وبلغت العلاقات الإماراتية الصومالية ذروة تطوّرها مع توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في المجال العسكري العام 2014، وما تبعه من تأسيس مركز تدريب خاص للقوات الصومالية في مقديشيو، إضافة إلى دفع رواتب أكثر من 2000 جندي صومالي، يضاف إلى ذلك الدعم الإماراتي المُقَدَّم لقوات الشرطة البحرية في إقليم "بونتلاند" الصومالي. وقد درّبت الإمارات المئات من الجنود الصوماليين منذ عام 2014، وذلك في إطار جهود محاربة عصابات القرصنة والجماعات الإسلامية المتشددة.

تدريب جنود صوماليين في مركز التدريب الإماراتي

مع بداية عهد الرئيس الصومالي الجديد "محمد فرماجو" استمر الحضور الإماراتي في الصومال، وتطور بالانتقال لمجالات تعاون واستثمار جديدة، ففي مطلع آذار (مارس) من العام الحالي، أعلنت الشركة الإماراتية "موانئ دبي العالمية" توقيع اتفاقية مع حكومة إقليم "صوماليلاند"، والحكومة الأثيوبية، لتطوير ميناء "بربرة"، بحيث يصبح أكبر موانئ شرق إفريقيا على الإطلاق، وذلك بتكلفة قُدرت بحوالي 442 مليون دولار، ليعتبر هذا المشروع بذلك أكبر استثمار في الإقليم (صوماليلاند) منذ إعلان استقلاله العام 1991.
كما أبدت شركات إماراتية أخرى اهتماماً بالحصول على عقود تطوير الميناء والمطار في مدينة كسمايو، إضافة إلى توجه شركة دبي لإدارة ميناء "بوصاصو"، في إقليم بونتلاند، بعد توقيع اتفاق مع الحكومة المحلية.

منظر عام لميناء بربرة في إقليم صوماليلاند

الأزمة
شهد العام 2017 بروز الاهتمام والتدخل القطري في المشهد الصومالي، ففي شباط (فبراير) من العام الماضي، وأثناء الانتخابات الرئاسية للعام 2017، قامت الدوحة بتمويل الحملة الانتخابية للرئيس الصومالي محمد عبدالله محمد فرماجو، وفق ما أورد موقع دويتشيه فيليه، وذلك في مواجهته للرئيس السابق "حسن شيخ محمود" الذي دعمته الإمارات، نظراً لتقاربه منها، ودعمه سياسة التعاون مع الإمارات.
وبعد بداية الأزمة الخليجية بأشهر، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2017، وقّعت قطر اتفاقاً مع الحكومة الصومالية بمقدار 200 مليون دولار بهدف إعادة تأهيل طرق سريعة، وهو الاتفاق الأول من نوعه بين الدوحة ومقديشيو. وقد أثار توقيت توقيع الاتفاق تساؤلات عديدة حول المغزى منه، حيث اعتُبر، وفق مراقبين، بمثابة "توجه قطري لإزعاج السعودية من جهة الغرب".

فرماجو في زيارة إلى إسطنبول حيث تميز عهده بالتقارب مع قطر وتركيا

بقيت أمور الصراع تُدار تحت السطح، إلى أن وافق مجلس النواب الصومالي، في الحادي عشر من آذار (مارس) العام 2018، على مقترح قانون يمنع شركة "موانئ دبي العالمية" من العمل في البلاد، مع التوجه لتقديم شكوى رسمية للأمم المتحدة، باعتبار أنّ الاتقاقية الموقعة بين الشركة وحكومة "صوماليلاند" فيها تعدٍّ على سيادة مقديشيو، وهو ما اعتبر بمثابة استهداف مباشر للمصالح الإماراتية في الصومال.
وبحسب الكثير من المراقبين، فإنّ الرفض الصومالي كان ذا أهداف ومغاز سياسية، ذات صلة بالخلاف الإماراتي القطري؛ حيث كانت حكومة صومالي لاند قد توصلت في العام 2014 إلى اتفاقية مع الحكومة الفدرالية، تجيز للإقليم - باعتباره سلطة الأمر الواقع – الانخراط في علاقات خارجية، بحيث تعتبر حكومة الإقليم هي المسؤول الوحيد قانونياً، خاصة في حالات الاستثمار الأجنبي. وقد سبق أن وقّعت الصومال اتفاقيات عدّة مع شركات مختلفة، ولم تحتجّ الحكومة على أي منها.

تمثلت المصالح الإماراتية بالصومال في ضمان المرور الآمن لسفن النفط عبر موانئ القرن الإفريقي

تفاقمت الأزمة مع احتجاز السلطات الصومالية مبلغ عشرة ملايين دولار، كانت محمولة على متن طائرة مدنية خاصّة مسجلة في الإمارات؛ حيث تم احتجاز الأموال والطائرة، مع احتجاز 47 عنصراً من "قوات الواجب" الإماراتية، كانوا على متنها، وبحسب بيان وزارة الخارجية الإماراتية فإنّ "المبالغ المالية كانت مخصصة لدعم الجيش الصومالي والمتدربين" وأدخلت بناء على موافقة قائد الجيش الصومالي ضمن اتفاق معلن ومستمر منذ سنوات، وهو ما صرح به قائد الجيش الصومالي نفسه بعد الحادثة.
وبلغت الأزمة ذروتها مع قرار الحكومة الفيدرالية في مقديشيو بتاريخ 11/4/2018 بإنهاء برنامج التدريب المشترك مع الإمارات، إضافة إلى تعرّض مستشفى الشيخ زايد في مقديشيو لمضايقات متزايدة. وفي 16/4/2018 قررت الإمارات إغلاق مستشفى الشيخ زايد وإنهاء مهمة قواتها العسكرية، وهو ما فتح باب تساؤلات عديدة حول مستقبل العلاقة بين البلدين، ومدى حجم النفوذ والاختراق التركي-القطري المتزايد في الصومال ودوره في تصعيد الأزمة، وقدرته على سد الفراغ الإماراتي. في ظل تنامي المخاوف من عودة نشاط حركة الشباب الإسلامي الإرهابية في الصومال.

الصفحة الرئيسية