إيران VS أميركا: من يربح معركة الإقناع؟

إيران VS أميركا: من يربح معركة الإقناع؟

إيران VS أميركا: من يربح معركة الإقناع؟


16/06/2026

محمد الصالحين الهوني

في اللحظة التي أعلن فيها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف صباح الأحد أن “اتفاق السلام بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية إيران الإسلامية قد تحقق”، انقسم العالم فورًا إلى نسختين من الحقيقة. في واشنطن، أعلن ترامب رفع الحصار البحري وأبلغ رؤساء الدول بـ”اتفاق يجنب العالم كارثة طاقة”. وعلى الشاشات الإيرانية الرسمية، ظهر مانشيت يقول “أميركا أُجبرت على التوقيع لإنهاء الحرب”. سردية واحدة، توقيع واحد، وعالمان متوازيان لا يلتقيان. هذا الاختلاف في الرواية هو، من زاوية معينة، أهم من كل بنود مذكرة التفاهم المزمع توقيعها رسميًا الجمعة.

لأن الحرب لم تنتهِ. بل انتقلت من ميدان تتبادل فيه الصواريخ الباليستية والقنابل الباحثة عن المنشآت النووية، إلى ميدان تتبادل فيه القنوات الفضائية والمنصات الرقمية والمواقف الرسمية أسلحةً من نوع آخر: الرواية، والتأطير، والإقناع. والفائز في هذا الميدان لن يُحدّده اتفاق نصّي بل سيُحدده الرأي العام، داخل إيران وداخل الولايات المتحدة وفي عواصم العالم المتفرجة.

حين أعلنت إيران أن أميركا “أُجبرت على التوقيع”، كان ترامب يكتب على منصته الاجتماعية أن ما نشرته وسائل الإعلام الإيرانية عن مضمون الاتفاق “لا علاقة له أبدًا بما اتُّفق عليه كتابةً مع إيران”. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بدوره نشر أن “مذكرة إسلام آباد للتفاهم لم تكتمل بعد، وينبغي للإعلام الامتناع عن التكهنات”، في رسالة غير مباشرة لوسائل الإعلام الإيرانية المتسرّعة في إعلان الانتصار. في اليوم ذاته، انقسمت الصحف الإيرانية والمنصات الرقمية بحدة: المتشددون وصفوا المذكرة بأنها “تراجع”، فيما قدّمها الموالون للدبلوماسية على أنها “مسار مدعوم من القيادة لإنهاء الحرب وتخفيف الضغط الاقتصادي”.

هذا الانقسام الداخلي الإيراني ليس تفصيلًا هامشيّا -بل هو لبّ المشهد. إيران دولة تخرج من حرب مدمّرة فقدت فيها مرشدها الأعلى، وتُعيد ترتيب هياكل سلطة تحت قيادة لم تظهر علنا منذ انطلاق الحرب. في هذا السياق، كل رواية عن مضمون الاتفاق هي أيضًا موقف في الصراع الداخلي على تعريف “الانتصار” وتعريف “التراجع”. المتشددون يحتاجون إلى تصوير الاتفاق خسارة لأن أي انفتاح يُضعف حجتهم في الداخل. والتيار الداعم للدبلوماسية يحتاج إلى تصويره إنجازًا لأن ذلك يُعزز موقفه في مواجهة خصومه. والمواطن الإيراني العادي، المُنهك بالتضخم الذي تجاوز 40 في المئة وانهيار العملة، يبحث ببساطة عن معنى مقبول يُتيح له أن يُصدّق أن ما جرى كان يستحق ما دفعه.

ترامب لا يفصل بين الإعلام والسياسة، بل يُعاملهما باعتبارهما شيئًا واحدًا. منذ لحظة الإعلان، كانت كلماته مُصمَّمة لاستهلاك داخلي في المقام الأول: الرجل الذي شنّ “الغضب الملحمي” يُريد أن يُغلق هذا الفصل بصورة “المنتصر”، لا بصورة المُفاوض المُقيَّد. لكن ثمة ما يُعقّد هذه الصورة: تقرير وكالة استخبارات الدفاع الذي أفاد بأن الضربات ربما أخّرت البرنامج النووي الإيراني أشهرًا لا سنوات، والذي وصفه ترامب بأنه “تسريب سياسي”. وهو توصيف يُقوّض المصداقية قبل أن تُوقَّع مذكرة إسلام آباد رسميّا.

هذا التناقض بين ما يُقال على منصات التواصل وما تقوله الوثائق الاستخباراتية المسرَّبة هو بالضبط ما يجعل الحرب الإعلامية خطيرة: إنها تُشْغل الرأي العام بمعركة “من انتصر” في حين يبقى السؤال الجوهري بلا إجابة. هل إيران قادرة فعلًا على إعادة بناء برنامجها النووي خلال أشهر؟ والإجابة ستُحدد ما إذا كانت هذه الهدنة بداية مرحلة أم محطة استراحة قبل جولة قادمة.

ما يحدث في المشهد الإعلامي الإيراني هو انعكاس أمين لبنية السلطة الإيرانية ذاتها. وسائل الإعلام المرتبطة بالحرس الثوري تتبنى خطاب المتشددين. القنوات الموالية للتيار المعتدل تُقدّم الاتفاق كإنجاز. والإعلام الحكومي الرسمي يُحاول التوازن في خطاب لا يُرضي أحد الطرفين تمامًا. وهذا الانقسام الإعلامي الحاد لم يكن وليد اليوم، بل طبع المشهد الإعلامي الإيراني طوال فترة المفاوضات، مما يعني أن مذكرة إسلام آباد لن تُوحّد هذه الأصوات بل قد تُعمّق انقساماتها.

وهنا يكمن أحد أكثر المخاطر إغفالًا في تحليلات ما بعد الاتفاق: إن كان الإعلام الإيراني منقسمًا إلى هذا الحدّ حول تأطير الهدنة، فإن أي اتفاق نهائي يستلزم من القيادة الإيرانية أن تواجه “جبهتها الداخلية” قبل أن توقّع على أي التزام جوهري. والمتشددون الذين يصفون الاتفاق بـ”التراجع” يمتلكون قاعدة داخلية وأدوات ضغط، وهو ما يُفسّر جزئيّا تردد طهران في “تثبيت” مواقفها العلنية وتفضيلها الصياغات المراوغة.

خارج دائرة طهران وواشنطن، ثمة رأي عام عالمي يُشكّل ضغطًا حقيقيّا على مسار الأيام الستين المقبلة. أسواق النفط ارتاحت -وهذا ما تريد الحكومات الغربية الحفاظ عليه. الرأي العام الأوروبي المُنهك من أزمة الطاقة يريد إغلاق هرمز أن يبقى ذاكرةً لا واقعًا. وقطر ودول الخليج التي تضرّرت من الحرب وساهمت في الوساطة ترحّب بالاتفاق كـ”خطوة نحو السلام المستدام”، لكنها تبقى حذرة من أن يتكرر ما جرى قبل ستين يومًا أو ستة أشهر.

الرأي العام العالمي هو في جوهره رهينة من يملك رواية أكثر إقناعًا. ترامب يراهن على صورة “المنجز” الاقتصادي -فتح هرمز ورفع الحصار وعودة الاستقرار. إيران تراهن على صورة “الصامد” الذي أجبر أميركا على الاعتراف بوجوده وإرجاع أمواله. لكنْ ثمة جمهور ثالث لا يُقنعه هذا الانتصار ولا ذاك: هو الرأي العام الذي يسأل عمّا ستفعله إيران ببرنامجها النووي ومخزون اليورانيوم بعد ستين يومًا. وهو سؤال لا تستطيع أي رواية إعلامية الإجابة عنه بدلًا من المفاوضين.

أن يُحذّر وزير خارجية إيراني إعلامه من التسرّع، وأن ينفي الرئيس الأميركي ما نشره الإعلام الإيراني، كل ذلك في اليوم ذاته الذي يُحتفل فيه باتفاق السلام، فهذا مشهد يكشف ما هو أعمق من مجرد سوء إدارة إعلامية. إنه يكشف أن كلا الطرفين دخلا إلى طاولة التفاوض بأهداف داخلية متباينة، وخرجا منها بروايتين لا تنتميان إلى الاتفاق ذاته. والفجوة بين الروايتين ليست ترفًا تحليليّا، بل هي الخطر الحقيقي على الستين يومًا المقبلة.

السلام الحقيقي لا يحتاج إلى روايتين متناقضتين، بل إلى رواية مشتركة واحدة. وحتى تتشكّل هذه الرواية، يبقى ما وُقّع عليه في إسلام آباد هدنةً أكثر مما هو سلام. والفارق بين الاثنين لن يُحدّده توقيع الجمعة في جنيف، بل ما تقوله الشاشات والمنصات في الأسابيع القادمة.

العرب



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية