إيران على مفترق طرق: الاحتجاجات، والعقوبات، وتآكل شبكة النفوذ الإقليمي

إيران على مفترق طرق: الاحتجاجات، والعقوبات، وتآكل شبكة النفوذ الإقليمي

إيران على مفترق طرق: الاحتجاجات، والعقوبات، وتآكل شبكة النفوذ الإقليمي


04/01/2026

 

تمضي الاحتجاجات في إيران إلى مرحلة تبدو كأنّها نقطة اللّاعودة، فالحراك الأخير والمستمر منذ أكثر من أسبوع يكاد يختلف عن سوابقه المماثلة في احتجاجات مهسا أميني والتمرد النسوي ضد قمع النساء على خلفية أزمة الحجاب الإجباري والمطالبات الحقوقية عام 2022، واحتجاجات رفع أسعار البنزين والأزمات الاقتصادية بين عامي 2018 و2019، بالإضافة إلى تظاهرات الحركة الخضراء عام 2009 التي كانت نقطة الذروة في صدام جناحي النظام الإصلاحي والأصولي بعد تزوير الانتخابات لصالح محمود أحمدي نجاد.

جذور الحركة الاحتجاجية

بل إنّ جذور الحركة الاحتجاجاية في إيران تعود إلى سياق سياسي واجتماعي معقد سبق انتخابات 2009 بسنوات، حيث شهدت البلاد منذ مطلع الألفية الجديدة صراعاً مكتوماً بين التيار المحافظ المهيمن على مفاصل الدولة، والتيار الإصلاحي الذي سعى إلى توسيع هامش الحريات السياسية والاجتماعية من داخل النظام. وقد تعزز هذا الصراع بعد تراجع مشروع الإصلاح الذي قاده الرئيس السابق محمد خاتمي، نتيجة القيود التي فرضتها المؤسسات غير المنتخبة، وعلى رأسها مجلس صيانة الدستور.

ومع الانتخابات الرئاسية في حزيران (يونيو) 2009 سارعت قوى وفئات مختلفة في إيران مجتمعية وسياسية إلى دعم الاتجاهات التي تميل إلى إحداث تغيير سياسي تدريجي عبر صناديق الاقتراع، من خلال دعم المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، الذي مثّل بالنسبة إلى كثيرين بديلاً عن سياسات الرئيس أحمدي نجاد، المتهمة بتكريس العزلة الدولية وسوء الإدارة الاقتصادية.

غير أنّ إعلان فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية، وبنسب مرتفعة، وفي وقت قياسي، فجّر موجة غير مسبوقة من الشكوك حول نزاهة العملية الانتخابية، وهو ما دفع مئات الآلاف للنزول إلى الشوارع في طهران ومدن أخرى، في أكبر احتجاجات تشهدها البلاد منذ ثورة الخميني عام 1070. واتخذ المحتجون اللون الأخضر، رمز حملة موسوي، شعاراً لحركتهم التي رفعت في بدايتها مطالب محددة تتعلق بإعادة فرز الأصوات واحترام إرادة الناخبين.

ومع تصاعد الاحتجاجات تحولت الحركة الخضراء من اعتراض انتخابي إلى تعبير أوسع عن أزمة ثقة عميقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم، خصوصاً بعد دعم المرشد الإيراني علي خامنئي لنتائج الانتخابات، واعتبار أيّ تشكيك بها تجاوزاً لـ "الخطوط الحمراء". وأدى ذلك إلى توسيع سقف الشعارات، لتشمل المطالبة بالإصلاح السياسي والحقوق المدنية، ومحاسبة المسؤولين عن القمع.

قوبلت الحركة بحملة أمنية واسعة عنيفة وقمعية، كما هو الحال في كل المحطات الاحتجاجية بإيران، شنتها قوات الحرس الثوري وميليشيا الباسيج، بالإضافة إلى فرض الإقامة الجبرية على قادتها، إلا أنّ الحركة الخضراء بقيت محطة مفصلية في التاريخ السياسي الإيراني الحديث. 

مرحلة جديدة 

وعليه، فإنّ الاحتجاجات الشعبية في إيران المستمرة لأكثر من أسبوع تؤسس لمرحلة جديدة في ظل اتساعها وعمقها والمتغيرات كافة التي تطال طبيعتها المرحلية المغايرة، بداية من مشاركة طبقة البازار والتجار في طهران والمدن الكبيرة وهي القوى المؤيدة تاريخياً للسلطة والمتحالفة معها، بل لعبت أدواراً تاريخية في إزاحة الشاه عن الحكم، مروراً بالأزمات الاقتصادية التي تشهدها طهران بعد متتالية الإخفاق في مستوى الريال الإيراني وتدني قيمته أمام الدولار الأمريكي والتضخم الذي تجاوز 45%، وحتى العزلة السياسية الإقليمية والدولية بعد حرب غزة وفقدان نظام الملالي شبكة وكلائه الإقليميين. 

وعليه أمرت السلطات الإيرانية بإغلاق المؤسسات العامة، وأصبح الجميع في عطلة بمعظم أنحاء البلاد. وقد عللت طهران ذلك رسمياً ببرودة الطقس وضرورة ترشيد استهلاك الطاقة، بحسب (فرانس برس). لكن، رغم هذه الإجراءات، فالاحتجاجات مستمرة في البلاد، وقد لقي (6) أشخاص على الأقل حتفهم الخميس الماضي في اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، وامتدت رقعة الغضب إلى مدن إقليمية أصغر مثل مرودشت.

وتوضح شبكة (فوكس نيوز) الأمريكية أنّ آلاف الإيرانيين خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على ما وصفته بـ "الانهيار المعيشي الحاد"، مشيرة إلى بث مقاطع مصورة تُظهر متظاهرين يقتحمون بوابات مراكز تابعة للنظام، ويدخلون في اشتباكات مباشرة مع قوات الأمن. وأكدت الشبكة أنّ قوات الحرس الثوري الإيراني لجأت إلى استخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي لتفريق المحتجين، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى واعتقال العشرات، في مؤشر على تصعيد أمني غير مسبوق منذ احتجاجات عام 2022.

نقطة اللا-عودة

في حديثه لـ (حفريات)، يقول عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية علي صفوي: إنّ مواصلة الانتفاضة الشعبية، في طهران، ومختلف المدن الإيرانية وانضمام الطلاب والبازاريين والكادحين إلى صفوف الشباب المنتفض، يثبت أنّ غضب الشعب الإيراني قد وصل إلى نقطة اللا-عودة في وجه دكتاتورية الولي الفقيه المتهالكة.

وأضاف صفوي: "إنّ الانهيار الاقتصادي غير المسبوق والسقوط الحر للعملة الوطنية ليس مجرد أزمة إدارية، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات هذا النظام الفاشي الذي ينهب ثروات الشعب الإيراني ومقدراته لتمويل آلات القتل والميليشيات العميلة في المنطقة، من اليمن إلى لبنان وسوريا، بينما يتضور المواطن الإيراني جوعاً ويبحث عن لقمة العيش في حاويات القمامة." 

وتابع: "في محاولة بائسة للسيطرة على هذا البركان المتفجر، لجأ نظام الملالي إلى تكثيف ماكينة القتل، حيث سجل عام 2025 رقماً قياسياً مرعباً في عدد الإعدامات تجاوز (1900) حالة، ناهيك عن الإعدامات اليومية المستمرة التي تهدف حصراً إلى بث الرعب والخوف لمنع اندلاع الانتفاضة العارمة التي تلوح في الأفق." 

وبيّن أنّ دماء الشهداء الذين سقطوا برصاص القمع في مدينة فسا وغيرها، وشعارات "الموت للديكتاتور" التي تصدح في الشوارع، تؤكد صحة استراتيجية المقاومة الإيرانية ومعاقل الانتفاضة، وتبرهن على أنّ الشعب الإيراني، بقيادة الرئيسة المنتخبة للمقاومة السيدة مريم رجوي، عاقد العزم على إسقاط هذا النظام الإجرامي برمته، ولن يرضى بأقلّ من الحرية والديمقراطية." 

وأكّد صفوي أنّ "على المجتمع الدولي أن يدرك أنّ سياسة المهادنة مع هذا النظام قد فشلت فشلاً ذريعاً، وأنّ الطريق الوحيد لإنهاء هذا الإرهاب والفقر هو الاعتراف بحق الشعب الإيراني ووحدات المقاومة في الدفاع عن النفس والنضال من أجل إسقاط الفاشية الدينية".

واختتم صفوي: "إنّ الانتفاضة الراهنة للشعب الإيراني هي جرس إنذار أخير؛ فالنظام يجلس على برميل بارود، وإرادة الشعب الإيراني في نيل الحرية ستنتصر لا محالة على المشانق والقمع".

إلى ذلك، يقول الباحث المختص في الشأن الإيراني الدكتور محمود حمدي أبو القاسم: "أدت عقود من الحكم الاستبدادي، وسوء الإدارة الاقتصادية، والقمع، إلى خيبة أمل واسعة النطاق، لا سيّما بين الشباب الإيراني، وإلى تدهور العلاقة بين الدولة والمجتمع. وتعكس دورات الاحتجاج، كتلك التي شهدتها إيران في أعوام 2009، 2017-2018، 2022، مطالب مستمرة بالإصلاح السياسي، وتعزيز الحريات المدنية، وإعادة الاندماج الدولي". وقد أدت الأزمة الاقتصادية الإيرانية، التي تفاقمت بفعل العقوبات الأمريكية والمشاكل الهيكلية التي تعاني منها البلاد، إلى مزيد من التذمر.

وبحسب حمدي أبو القاسم في حديثه لـ (حفريات): "لم تنجح أيّ من موجات الاحتجاج السابقة في تغيير المشهد، لكنّ الواقع اليوم مختلف، وقد تكون الاحتجاجات الراهنة فارقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية." 

ويشير الباحث المختص في الشأن الإيراني إلى أنّه بعد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أعادت واشنطن العمل بسياسة "الضغوط القصوى"، وركزت العقوبات والضغوط على صادرات النفط من أجل حرمان إيران من أهم مورد اقتصادي. وفي مضمونها تشير العقوبات الأمريكية إلى رغبة الولايات المتحدة في ممارسة مزيد من الضغوط على إيران، والاستفادة من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة بعد الحرب من أجل خلق مزيد من التحديات الاقتصادية والمعيشية، والتركيز بالأساس على قطاع النفط والبتروكيماويات، باعتبار أنّها المجالات التي توفر لإيران عوائد مالية تغطي بها احتياجاتها الأساسية. ومؤخراً، استخدمت الدول الأوروبية الثلاث الأعضاء في الاتفاق النووي 2015 آلية "سناب باك"، وبموجب ذلك تمّت استعادة العقوبات الدولية على إيران بنهاية أيلول (سبتمبر) 2025، وهو ما كان له صدى مؤثر على الوضع الاقتصادي الداخلي، ووصول سعر الريال الإيراني إلى أدنى مستوى له، فضلاً عن عودة العقوبات الخاصة بحظر الأسلحة.

لكن على الرغم من كل هذه الظروف هناك عدة نقاط يتعين الانتباه لها، وهي أنّ لدى النظام قاعدة تأييد إيديولوجية لا يستهان بها، وأنّ أجهزته الأمنية ما تزال متماسكة، وأنّ الباسيج جاهز للتعامل مع أيّ اضطرابات، وفق ما يذكر المصدر ذاته، كما أنّ هناك مخاوف داخلية من الفوضى وسيناريو دول الجوار بعد ما عرف بـ "الربيع العربي"، حيث إنّ "هذا الخوف ليس داخل إيران وحسب ولكن من جانب القوى الإقليمية والدولية التى لديها مخاوفها من مرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية." 

ويختتم حمدي أبو القاسم حديثه قائلاً: إنّ "الصين ما تزال تستقبل النفط الإيراني بكميات يمكن أن تغطي عوائدها الحد الأدنى من التزامات النظام في الداخل. بل إنّ إيران لديها خبرة طويلة في التعامل مع المطالب والاحتجاجات. على هذا، يبدو أنّ الاحتجاجات قد لا تتخطى نتائجها الموجات السابقة إلا إذا تدخلت الولايات المتحدة وإسرائيل لاستغلال الموقف ودفع عجلة التغيير".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية