إسرائيل تحارب أهل غزة في نسلهم: حين يصبح الإنجاب هدفاً للحرب

إسرائيل تحارب أهل غزة في نسلهم: حين يصبح الإنجاب هدفاً للحرب

إسرائيل تحارب أهل غزة في نسلهم: حين يصبح الإنجاب هدفاً للحرب


كاتب ومترجم فلسطيني‎
10/08/2026

لم تقتصر آثار الحرب الإسرائيلية في غزة على القتل وتدمير المنازل والبنية التحتية، بل امتدت بصورة عميقة إلى أحد أكثر جوانب الحياة ارتباطاً باستمرار المجتمع، وهي القدرة على الإنجاب والحصول على الرعاية الصحية الإنجابية.

وخلال سنوات الحرب تعرضت المستشفيات وأقسام الولادة ومراكز علاج العقم ومنشآت الرعاية الصحية لأضرار كبيرة، بالتزامن مع القيود المفروضة على دخول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، وتدهور التغذية والمياه والصرف الصحي، والنزوح المتكرر، ونتيجة لذلك أصبحت النساء الحوامل يواجهن مخاطر متزايدة أثناء الحمل والولادة، بينما فقد آلاف الفلسطينيين إمكانية الوصول إلى علاجات الخصوبة، وحرمت عائلات من أجنة وحيوانات منوية وبويضات كانت محفوظة داخل منشآت متخصصة.

وتكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة بعدما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في تقرير صدر عام 2025 إلى أنّ السلطات الإسرائيلية دمرت بصورة منهجية مرافق للرعاية الصحية الجنسية والإنجابية في غزة، ومن ضمنها المستشفيات وأقسام الولادة وعيادات الإخصاب، واعتبرت اللجنة أنّ هذه الأفعال، إلى جانب عوامل أخرى، ألحقت ضرراً بالقدرة الإنجابية للفلسطينيين.

وتُعدّ خدمات الحمل والولادة وعلاج العقم من الخدمات التي تحتاج إلى بنية طبية مستقرة، فالمرأة الحامل تحتاج إلى فحوص دورية وأدوية وتغذية مناسبة، وإمكانية الوصول السريع إلى مستشفى في حال حدوث نزيف أو تسمم حمل أو ولادة متعسرة، لكنّ الحرب أدت إلى انهيار واسع في هذه المنظومة.

ووفق مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فإنّ 94% من مستشفيات غزة كانت قد تضررت أو دُمرت بحلول كانون الأول/ديسمبر 2025، الأمر الذي حرم النساء بدرجة كبيرة من خدمات الرعاية الصحية، بما فيها الرعاية الإنجابية، وأشار المكتب إلى ارتفاع مخاطر الوفاة أثناء الولادة والإجهاض مقارنة بما كان عليه الوضع قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023.

يقول الحقوقي علاء خليل: "هناك أدلة وتقارير أممية موثقة على تدمير واسع للبنية الصحية والإنجابية في غزة، وعلى آثار ذلك في الخصوبة والحمل والولادة، ومن هذه الأفعال تدمير منشآت الصحة الإنجابية وعيادة أطفال الأنابيب".

وأوضح في حديثه لـ (حفريات) أنّ "من أكثر الوقائع وضوحاً في هذا الملف تدمير مركز "البسمة" لأطفال الأنابيب في مدينة غزة، ففي كانون الأول/ديسمبر 2023 تعرض المركز لقصف أدى إلى تدمير مختبر الأجنة وإتلاف مخزونات كانت محفوظة في خزانات النيتروجين السائل، وأدى ذلك إلى فقدان أكثرمن 4 آلاف جنين، إضافة إلى نحو 1000 عينة من الحيوانات المنوية والبويضات".

ولفت إلى أنّ "إجراءات الاحتلال تخالف كل القوانين والأعراف الدولية، فالأدلة المتاحة تظهر أنّ الحرب على غزة ألحقت أضراراً واسعة ومنهجية بمنظومة الصحة الجنسية والإنجابية، ولم يقتصر الأمر على ارتفاع مخاطر الحمل والولادة، بل شمل تدمير منشآت متخصصة في علاج العقم وحفظ الأجنة، ونقص الأدوية والمعدات، وتعطيل المستشفيات وتقييد الحركة، وسوء التغذية، وانهيار الظروف الضرورية لحمل وولادة آمنين".

وقال مدير مركز "البسمة" للإخصاب الطبيب بهاء الدين الغلاييني: إنّ "الاحتلال دمر المركز بشكل كامل دون أن يشكل أدنى خطر عليه، في حين أنّ بعض الأزواج الذين فقدوا مخزونهم من الخلايا الإنجابية قد لا تكون لديهم فرصة أخرى للإنجاب بالطريقة نفسها".

وأوضح في حديثه لـ (حفريات) "أنّ مختبرات الإخصاب وحفظ الأجنة تحتاج إلى ظروف دقيقة للغاية، ومن بينها المحافظة على درجات حرارة شديدة الانخفاض بوساطة النيتروجين السائل، لكنّ الحرب أوجدت أزمة في الكهرباء والوقود والإمدادات، وجعل القصف والوضع الأمني الوصول إلى بعض المنشآت الطبية أمراً بالغ الصعوبة".

وبين أنّ "تدمير المركز شكل صعوبة في الوصول إلى خزانات حفظ العينات وإعادة تزويدها بالنيتروجين السائل، قبل أن يؤدي القصف إلى تدمير المختبر ومحتوياته، وهذا يكشف أنّ تدمير القدرة الإنجابية لا يحتاج بالضرورة إلى إجراء طبي مباشر ضد شخص بعينه، فقد يحدث أيضاً عبر تدمير البنية التي تجعل الإنجاب المساعد ممكناً".

وأشار إلى أنّ "الحصار ونقص الأدوية والمستلزمات تؤثر على دخول الأدوية والمعدات الطبية بصورة مباشرة في صحة النساء والأطفال، لأنّ قيود وصول المساعدات أدت إلى إعاقة الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، بما فيها خدمات الطوارئ الخاصة بالولادة وحديثي الولادة".

وتكشف قضية الإنجاب في غزة عن جانب مهم من آثار الحرب الإسرائيلية على المجتمع الفلسطيني، إذ لم تقتصر تداعياتها على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل امتدت إلى ظروف الحياة الأسرية والصحية والإنجابية، ويظهر ذلك أنّ الحرب تؤثر في قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على حياتهم الأسرية واستمرار مجتمعهم، في ظل النزوح والدمار وتدهور الخدمات الصحية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية