إستراتيجيات بناء الخطاب الديني: العدل ومعرفة مراد الله

إستراتيجيات بناء الخطاب الديني: العدل ومعرفة مراد الله


26/07/2022

"الظاهرة الدينية تعكس عمق أزمة المجتمعات وتحولاتها". اريك فروم

يتفاعل الخطاب الديني بما هو المعالجة المنهجية للنص، ثم إحلال هذا الخطاب في الفضاء العام بمنظومة واسعة ومعقدة من الثقافة والسياسة والمصالح والاتجاهات؛ فما أن يتجاوز النص المقدس علاقته العمودية بين المصدر والمتلقي ليمضي أفقياً في الحياة والعلاقات حتى يتحول فهمه وتطبيقه إلى عمليات إنسانية، ومن ثم فلا يمكن الجدل والتفاعل مع الخطاب الديني من غير إقرار بإنسانيته، وأنه خطاب المؤمنين والناس المعنيين بهذا الخطاب حتى لو كانوا غير مؤمنين بقداسة النص! هكذا تشكل مدخلان أساسيان لبناء الخطاب الديني أو إحلال النص الديني وتطبيقه في الفضاء العام، أحدهما العدل؛ والآخر معرفة مراد الله.

بعض ما يقال إنه مراد الله ليس سوى إرادة المؤول بما هو المرجعية الدينية أو العلمية أو السلطة الدينية أو السياسية

إنّ النص بما هو قابل للتأويل أو محتاج إليه غالباً وخاصة في الفضاء العام، يتحول إلى منتج إنساني؛ إذ يحل في لغة الناس والتي هي كائن ينمو وينحسر ويتسع في ظل ثقافة الناس ومعرفتهم وخبراتهم وأدواتهم في ترميز الأفكار والمعرفة، ثم إنتاج المعنى والدلالة والمغزى بالتفسير والتأويل، وفي ذلك ينتج أهل العدل المعنى بتقديرهم للعدل واعتقاد بأنّه حيث ما كان العدل والصلاح فثمة شرع الله ودينه. وفي معرفة مراد الله ينتج القارئ فهمه للنص بلا توقعات مسبقة ليس سوى معرفة أو تلقي مراد الله الذي سيكون تلقائياً هو العدل والصلاح .. ولما كان مراد الله لا يجزم به أحد وقد لا يعلمه أحد.. تتقدم الأوليغاركيا الدينية لتقدم أو تقترح مراد الله.. لكن ما يقال إنه مراد الله ليس سوى إرادة أو سلطة المفسر أو المؤول بما هو المرجعية الدينية أو العلمية أو السلطة الدينية أو السياسية وربما أيضاً مصالحها وأهوائها.

اقرأ أيضاً: "المتعصبون – جنون الإيمان".. قراءة في نفسية مرتكبي العنف
والحال أنه لا يمكن إنتاج الخطاب الديني كما فهم النص الديني إلا بتوقعات وإستراتيجيات سابقة أو مصاحبة لقراءة النص. وفي تغييب العدل أو العقل في بناء الخطاب فإنّ قراءة النص تتحول إلى توقعات السلطة الدينية و/أو السياسية فيتوهم أو يوهَم المؤمنون أنّ مراد السلطة هو مراد الله.
ومؤكد، بالطبع، أنّ العقل ليس بريئاً بالضرورة من التعصب والاستبداد واللبس، فالعقل ليس ضمانة أكيدة للصواب أو العدل. لكنه برغم ذلك أداة الإنسان الوحيدة. ولا يرشّد العقل سوى الحرية، ففي حرية الناس أفراداً وجماعات يحتاج العقل إلى الثقة، ولأجل ذلك يسعى جهده في النزاهة والبحث. هكذا فلا ضمان للفهم السليم للدين والخطاب الديني الرشيد سوى الحرية، وفي كلمة مختصرة فإن الدين القيّم هو الحرية.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم الدين وتطبيقه في نظام سياسي قائم على فلسفة الحرية؟
إنّ الخطاب الديني يستمد تأثيره وفعله من الثقة، ثقة الناس والمؤمنين بالخطاب أو من السلطة بما هي العمليات التنظيمية للأفراد والمجتمعات والتشريعات، في الثقة لا مجال لخطاب ديني إلّا في ظل حرية الناس في الاختيار والتفكير، وفي الخطاب السلطوي لا مجال للدين إلا في المؤسسات والتشريعات التي تملكها أو تتحكم بها سلطة الخطاب، هكذا فإنّ الخطاب يتحول إلى أداة مؤسسية ويكون فهم الدين ومرجعيته وتطبيقه في واقع الحال هو السلطة السياسية بما هي هيئة منتخبة أو عائلة حاكمة أو مؤسسة عسكرية متغلبة، فإذا كانت السلطة منتخبة انتخاباً حقيقياً فإنّ الخطاب يتحول بالضرورة إلى الثقة والحرية كمرجعية لصياغته وبنائه، وإذا كانت عائلة حاكمة فإنّ الخطاب يتحول إلى توافقات وتسويات مستمدة من العلاقة والعقد الاجتماعي المنظم للسلطة والحياة، وفي الغالب يكون منتجاً ثقافياً يعكس المستوى الحضاري والاجتماعي للأفراد والمجتمعات، بمعنى أنّ الثقافة السائدة هي المنتجة للخطاب، وفي حالة السلطة العسكرية المهيمنة يكون الخطاب عمليات فوقية تعكس اتجاهات النخبة الحاكمة ورؤيتها الثقافية والاجتماعية.

لا يمكن إنتاج الخطاب الديني كما فهم النص الديني إلا بتوقعات وإستراتيجيات سابقة أو مصاحبة لقراءة النص

والحال؛ أنّ أحداً لا يعرف الصواب بما هو في حالتنا هذه مراد الله، فالمعرفة تتشكل حسب ما تدركه الحواس وما ينشئه العقل على هذه المدركات بما يعني ذلك من خبرات وتجارب وتقدم وتخلف وأهواء ومصالح ورغبات وغرائز واتجاهات أخلاقية، ويكاد يشمل ذلك كل شيء، فنحن نرى الضوء المنعكس عن الأشياء، ولذلك فإننا لسنا متأكدين إنْ كنّا نرى الأشياء بالفعل كما هي في الحقيقة، أو إنْ كنا نراها أساساً. وحين نقبل بإخضاع أي مسألة للاختبار العقلي و/أو الفلسفي و/أو التجربة يعني بالضرورة الإقرار بأنها قابلة لإثبات خطئها، وأن صوابها مستمد من عدم القدرة على إثبات خطئها. لكن يمكن في أي لحظة إثبات خطئها، بمعنى الموافقة على أنّ صوابها ليس أبدياً. لكنها صواب ما لم يثبت أنها خطأ. الاعتقاد بأنّ فكرة صائبة إلى الأبد وأنها لا يمكن أن تكون خطأ ليس علماً أو تفكيراً عقلياً حتى لو ظلت الفكرة بالفعل صواباً إلى الأبد.

اقرأ أيضاً: هل تكون الأنسنة بديلاً للصراع بين الدين والسياسة؟
وببساطة؛ هذا هو الفرق بين الاعتقاد الديني والتفكير العلمي. ولا يمكن بطبيعة الحال التحرك بفكرة أو مقولة دينية في الفضاء العام إلا على أساس الإقرار بأنها تحتمل أن تكون خطأ أو صواباً. ولا نملك لأجل الصواب والتقدم في بناء الخطاب والفكر الديني سوى الحرية في الاعتقاد والتفكير.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية