أيّ مستقبل للفنون الجماهيرية بعد كورونا؟

أيّ مستقبل للفنون الجماهيرية بعد كورونا؟

مشاهدة

30/06/2020

على كثرة التساؤلات التي ألزمتنا جائحة الكورونا بأن نطرحها على أنفسنا وعلى الآخرين، في حقول السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، فإنّ التساؤل عن مستقبل العديد من الفنون التي يصعب التفكير بها دون التفكير بجماهيرها الغفيرة يبدو مشروعاً وملحّاً؛ لأنّ  الجماهير مثلت وما تزال تمثل المبرر الرئيس لتميز هذه الفنون واستمرارها .

هناك فنون أفادت من الجائحة مثل القصة القصيرة والرواية والسينما، نظراً لإمكانية تلقيها فردياً، فضلاً عن اضطلاع  التطبيقات التكنولوجية بمهمة تيسيرها ونشرها. وهناك فنون أصابتها الجائحة في مقتل، جراء لجوء حكومات العالم إلى إلزام مواطنيها بالإقامة المنزلية الجبرية وجراء ضرورة التزام المواطنين بالتباعد الاجتماعي إلى أمد غير معلوم .

هناك فنون أفادت من جائحة كورونا كالقصة القصيرة والرواية والسينما لإمكانية تلقيها فردياً، وأخرى أصابتها الجائحة في مقتل

ومن البديهي أن يلوح فن التمثيل المسرحي، بوصفه أكبر الخاسرين، نظراً لاعتماده على التفاعل المباشر مع الجمهور منذ مئات السنين، وإلى الحد الذي  يصعب معه التفكير بإمكانية تصوير التمثيل وإعادة بثه عبر وسائل التواصل التكنولوجي؛ لأن كتاب المسرح ومخرجيه وممثليه يستمدون مؤشرات نجاحهم أو فشلهم من تلك الكيمياء العجيبة التي تتخلّق في قاعات العرض، ولحظة فلحظة، بين الممثلين والحضور؛ فإما أن تأتي للعرض المسرحي بالمزيد من المشاهدين وإما أن تضع حداً له !

ما يمكن أن يقال عن كيمياء العلاقة بين الممثل والجمهور، ينطبق إلى حد بعيد على الموسيقى والغناء؛ فهذان الفنّان منذ أن وجدا يستمدان مبرر استمرارهما من التفاعل المباشر بين المؤدي والمتلقين، حتى صار اللقاء الحي المباشر بينهما هو المعيار الأول للنجاح أو الفشل، وحتى صار هذا اللقاء غاية في حد ذاته .

أما بخصوص الشعر، ورغم أنّ قصيدة النثر قد أسهمت إلى حد بعيد في خلخلة البعد الجماهيري له فصار قابلاً للتذوق الفردي، إلا أنّ المهرجانات الشعرية ما تزال تلقى رواجاً يصعب تجاهله. ومن نافل الحديث التنويه بأنّ رواد هذه المهرجانات يتقاطرون إليها بدافع الرغبة الشديدة في الاستماع مباشرة لشعراء معينين، رغم توفر العديد من إمكانيات التواصل معهم فردياً .

قد يقول قائل بأنّ تطبيقات التواصل عن بعد، ستتكفل بتذليل كثير من عقبات العلاقة بين المسرح والموسيقى والغناء والشعر من جهة والجمهور من جهة ثانية، لكنني أميل إلى الاعتقاد بعكس ذلك لأكثر من سبب :

* أولاً: انتفاء حالة النشوة التي قد تصل حدود الهستيريا، بين المرسل والمتلقي، والتي تمثل في حد ذاتها غاية عليا للتواصل المباشر. وقد سبق لأرسطو أن استفاض في الحديث عن هذه الكيمياء المدهشة تحت مسمى (التطهير)؛ لأنّ المتلقي يدخل إلى قاعة العرض متخماً بمزاج سلبي قوامه الحزن والقلق والخوف والإحباط ويخرج بمزاج آخر قوامه الارتياح والتوازن والغبطة، جراء ما حصل عليه من إجابات عن أسئلته أو ما غُسل من همومه أو ما صُعّد من أفكاره وهواجسه .

* ثانياً: شطب العقد الرمزي المقدس بين المرسل والمتلقي، والذي كان يقضي بأن يتقاطر الآلاف تلقائياً، لمشاهدة مسرحية بعينها، أو ممثل بعينه، أو موسيقي بعينه، أو مغنٍّ بعينه. ولست بحاجة للتذكير بأنّ بعض المسرحيات قد تواصل عرضها لسنوات كما أنّ عدد متابعيها قد نافس عدد متابعي مباريات كرة القدم. وأما بخصوص أعداد المتابعين للحفلات الموسيقية والغنائية الحية على امتداد رقعة الكرة الأرضية فحدّث ولا حرج .

تطبيقات التكنولوجيا التواصلية عن بُعد حلّ آنيّ وقاصر عن توفير تلك الشرارة التي طالما أشعلت المسارح وألهبت مشاعر الناس

* ثالثاً: سوف يكون من الصعب جداً التخمين بالعدد الحقيقي الواقعي لجمهور المرسل؛ لأن شركات الترويج والدعاية والإعلان، لن تدخر وسعاً لشراء المعجبين الافتراضيين، وهذه معضلة معروفة في عالم التسويق؛ فبعض الفنانين أو الكُتّاب يلجأوون للشركات المتخصصة في نشر المواد الفنية أو الأدبية بواسطة البطاقات الإلكترونية مسبقة الدفع، ولا ينبغي أن تتفاجأ إذا لاحظت أنّ معظم جمهور هذا المغني العربي أو ذاك هم هنود أو باكستانيون أو مكسيكيون !

لهذه الأسباب وغيرها، فإنّ من الضروري التفكير بحلول عملية وواقعية، من شأنها استعادة (حالة النشوة العارمة والمباشرة) بين الفنان والجمهور من جهة، ومراعاة ضوابط التباعد الاجتماعي من جهة ثانية. وفي كل الأحوال فإنّ هذه الحلول لن تكون قريبة أو زهيدة الثمن؛ لأن ضرورات العمل على إعادة تأهيل قاعات العرض أو ميادين الاحتفالات، على نحو يضمن سلامة الجميع، يتطلّب وقتاً وجهداً ومالاً يصعب التنبؤ بسقف كل منها على حدة في المجتمعات الغنية المتقدمة، فما بالك بالمجتمعات الفقيرة النامية! ولهذه الأسباب وغيرها أيضاً فإنّ تطبيقات التكنولوجيا التواصلية عن بُعد ليست أكثر من حلّ آنيّ مؤقت وقاصر عن توفير تلك الشرارة التي طالما أشعلت المسارح والمدرجات وألهبت مشاعر الناس .


الصفحة الرئيسية