أيقونتا الثورة السودانية: وردي وشريف .. حضور رغم الغياب!

أيقونتا الثورة السودانية: وردي وشريف .. حضور رغم الغياب!

مشاهدة

29/05/2019

الغناء منطق وجدان الشعوب، لاسيما في اللحظات التي يخلد فيها أسطورة ناظمة لذلك الضمير في مفاصل تاريخية من حياتها، فحين يترجم الغناء استعاراته الشعرية؛ تتجسد الدلالات الرمزية لخيال الوطن كأرقى حالات التماهي الخلاق في أناشيد الشعوب.

الكلمات في الشعر طاقة تجدد باستمرار توتّرات الرموز الوجدانية للبشر، حين تعبِّر عن الحس القومي للجماعة، فيما الألحان العظيمة تعكس هوية الغناء ضرباً من مصاف تجعل الرمز الجمعي فاتناً ومتألقاً.

اقرأ أيضاً: المرأة والثورة.. لماذا تتصدر الصورة؟

الشاعر والمغني هما صاحبا الامتياز الوجداني في رصيد الشعوب، ونستذكر هنا الشاعر والمسرحي الألماني الكبير، برتولد بريخت، حين قال، ذات مرة، في ذروة القمع النازي لألمانيا: "لن يقول الناس كانت الأزمنة رديئة، ولكنهم سيتساءلون: لماذا صمت الشعراء؟" لم تكن هذه المقولة العظيمة مجرد تفصيل في مديح الشعراء، بقدر ما كانت دالة على امتياز الشاعر والمغني؛ إذ تلسعهما سياط الحرية حين يهيمن القمع.

ستظل أناشيد الشعراء والمغنين الكورال الجماعي الأكثر إبداعاً وتصويراً لأحلام البشر وتطلعاتهم

إنّ صياغات الشعر للمنطق الوجداني، صوراً واستعارات لا يكملها إلا اللحن البشري الذي خلقته الرعويات الأولى للبشر. وكلما كانت اللحظة الشعرية صادقة في قول ما لا يمكن أن يقال إلا شعراً، كانت سلطتها الوجدانية على البشر أبلغ تأثيراً؛ فإذا أضفى الغناء على الشعر جمالياته، لن يكون الحس البشري إلا تمثيلاً لأكبر القدرات كفاءةً على إحداث هيستريا جماعية في الوجدان.

لهذا، ستظل أناشيد الشعراء والمغنين الكورال الجماعي الأكثر إبداعاً وتصويراً لأحلام البشر وتطلعاتهم في مختلف ضروب الحياة.

عند قيام الثورات، ليس هناك أعظم من الأغاني والأناشيد في جعل الحشود أكثر صبراً في الشوارع والساحات؛ فالغناء للوطن هو تعويذة الشعوب.

اقرأ أيضاً: محمد وردي: فنان إفريقيا الأول ومنشد الثورة والعاطفة

في الثورة السودانية، التي انطلقت في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي وأطاحت بنظام عمر البشير في نيسان (أبريل) الماضي، تألقت أغانٍ وأناشيد ردّدتها الحشود في التظاهرات والميادين، ليمثل استدعاؤها حضوراً متجدداً -رغم الغياب- لرمزين كبيرين من رموز الشعر والغناء في السودان؛ وهما شاعر الشعب، محجوب شريف، وفنان السودان الأول، محمد وردي، رحمهما الله. فاليوم؛ إذ ما تزال جموع الثوار السودانيين في ساحة اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم يستكملون استحقاق الثورة؛ لا تسندهم  إلا الأغاني والأناشيد التي صاغتها عبقرية الفنان العظيم محمد وردي، وصوّرتها كلمات الشاعر محجوب شريف طوال ساعات النهار والليل، فهما الحاضران الغائبان في هذه الثورة.

عند قيام الثورات ليس هناك أعظم من الأغاني في جعل الحشود أكثر صبراً في الشوارع والساحات

وإذا كانت نبوءات الشعر طاقة تضخ إلهاماً في خيال الشاعر وضميره؛ فإنّ محجوب شريف، الذي رحل العام 2014، كان رائياً كبيراً لأحلام أمته بيقين شعري شفاف عبّر عن هاجسه المقيم بحلم مستقبل الثورة في سودان أجمل لبناته وأولاده:

"وتَطْلَع مِنْ شُقُوقْ الأرض / شَجَر مُتُشَابِك الهَامَات
صَبَايَا و فِتْيَه / يَمْرَحَوُن في صَبَاحْ الغَدْ
سَلِّمُوا لَيْ عَلَيْهِمْ جُمْلَه / حَتَّى الِّلسَّه قَبْلَ الخَلْقِ و التَّكْوِين
بشُوُفْهُمْ أسَّه:
عَصَافِير تَرُكْ جَنْبِي / نَوَافِيِر تَرُشْ قَلْبِي
سَلِّمُوا لَيْ عَلَيْهُمْ جُمْلَه"

تميز شريف في شعره بخيال استعاري، جسد حيثيات الوطن في صور حياة بشرية، ولهذا كانت مفرداته من صميم يوميات حياة الوطن وتفاصيلها الصغيرة؛ حيث الوطن هو الصور الحميمة للعائلة والجيران والتضامن الأهلي. وعبر خزين لا متناهٍ من حالات ومواقف ولحظات يكاد يعرفها كل سوداني، إنّه الوطن محفوفاً بالدفء، الوطن حياً ومرئياً في علامات لا يخطئها القارئ، الوطن كمعكوس للشعب، ذاك أنّ الشعب هو صميم الوطن؛ هو الإنسان وهو الحياة:

"الشَّعْب حَبِيِبي وشِرْيَانِي /أدَّانِي بِطَاقَة شَخْصِيِّة
مِنْ غَيْرُو الدُّنْيَا وقُبَّالُو/ قِدَّامِي جَزَائِر وهْمِيِّة
زَيْ نَجْمَة بَعِيِدَة ومَنْسِيِّة"

ترجم شريف في شعره حيوات البسطاء باعتبارها وطناً يمشي على قدمين وصورها، منشداً لثيمة الكرامة في المواطن السوداني، راصداً تجليات تلك الكرامة الجسورة، لاسيما عند المرأة السودانية حين تواجه عسف الطغاة وتحديات لقمة العيش المغمسة بالعرق، لكنها رغم كل شيء تحتفظ بسمعتها مهما عانت من شظف؛ فالسمعة هي جوهر الكرامة:
(يا مُنْتَهَى الصَّبْر البِخَلِّي السُّتْرَهْ قاب قَوْسَين
وأدْنَى مِنَ الذَّي مَا يَشْبَهَا
تَرْخَص حَيَاتَا .. وكَلَ شَيء .. بَسْ سُمْعَتَا)

اقرأ أيضاً: السودان والتركة الثقيلة من حكم الإسلاميين

يفاجئ شريف قارئه بلغة مزيجة لا تمنح الطرافة سوى في متنها الخارجي؛ أي في الإيقاع الذي يقطع استرسال الفصحى المعممة بلازمة شعبية ترد المتلقي إلى الدلالة المقصودة. وذاك منهج يتوخاه شريف لرفع الكلفة مع القارئ، ولاختبار حميمية مقصودة وقريبة من مزاج السودانيين؛ لأنها حميمية تتواطأ في النص مع مفردات حياة لا يكاد ينكرها أحد! 

محمد وردي

ومثل محجوب شريف، كان الفنان محمد وردي، الذي توفي العام 2012، فناناً مثقفاً منحازاً لشعبه ضد أنظمة القمع، فعاش سنوات طويلة متنقلة في المنفى يواجه بغنائه العظيم الديكتاتوريات، وظل يمارس من خلال تلك الأغاني صياغات متجددة في وجدان الجماهير، لحثها على مقاومة القمع والديكتاتورية.
ففي ألحان وردي نسغ سوداني أصيل يمس الأعصاب بشعور يترك إيحاءات عميقة الأثر، عبر جمل لحنية تهز الوجدان السوداني بأقصى حالات الجمال، وتستفز أصفى ما فيه من النشوة؛ هذه النشوة ليست في العادة أثراً للتطريب، أو للكلمات، أو حتى للإيقاع، مع عظمة كل هذه العناصر، بل هي نشوة باعثة على الإصغاء بقوة لعنفوان ساحر وشديد الوطأة من حيث تأثيره؛ فهي نشوة تنبثق في الأصل من شعور خفيّ وإحساس غامض بلا عادية الغناء أو الموسيقى أو الصوت الذي يسمعه السوداني لهذا الفنان.

لقد كانت حيثية العملاقين وردي وشريف في ضمير الوطن نابعةً من إبداعهما الإنساني والسوداني

لكن مع غرابة هذا الإحساس كأثر لعمل فني مركب؛ يظل تأثيره في النفس السودانية فعلاً يشبه أعمال الطبيعة؛ يشبه تماماً علاقة العطر بالوردة، والعين بالجمال؛ فهو في وقت واحد عمل عادي وغير عادي، وهنا تكمن العبقرية: في أنّ جميع السودانيين يشعرون بأغاني وردي كملك خاص وجميل في وجدان كل واحد منهم من ناحية، وفي أنّ وردي حوَّل ذلك العمل الفني المركب والطارئ من زمان ومكان معينين إلى حالة غنائية طليقة أصبحت في ذائقة الإنسان السوداني البسيط بعبقريتها تلك، إحساساً طبيعياً يقترن بإحساسه كسوداني، من ناحية أخرى.
إنه عمل يشبه بناء الأسطورة، فمن أخص خصائص الأسطورة: طاقتها العابرة باستمرار من زمانها الأول إلى الأبد الطليق، وقدرتها على استحضار المعاني في الوجدان البشري من غموضها ذاك. وهكذا جسّد وردي بأعماله الأسطورية، كينونة وذاكرة وهوية للغناء السوداني الخالص، مرة وإلى الأبد.

اقرأ أيضاً: الهوية السلمية لثورة السودانيين تسحر العالم
حضور وردي ومحجوب شريف اليوم في ذاكرة الثورة السودانية يدل تماماً على أنّهما الغائبان الأكبران عن هذا العرس الثوري العظيم الذي طالما تغنيا به وحلما به معاً.
لقد كانت حيثية العملاقين وردي وشريف في ضمير الوطن نابعةً من إبداعهما الإنساني والسوداني، ولهذا لقيا ذلك القبول بين أوساط الشعب السوداني وأصبحا رمزين استعصيا على المحو.
استدعاء وردي وشريف الآن وهنا، في الثورة السودانية (رغم الإقصاء والتضييق لثلاثين عاماً) ظل يضخ، باستمرار، سرديات تصنيف طهوري للإسلاميين، لا يرى الفنان إلا عبر نظرة تحزيب تهدر كينونته كفرد موضوعي لا يقبل القسمة إلا على الوطن.

اقرأ أيضاً: جميلة بوحيرد: أيقونة الثورة التي هزّت عرش فرنسا

وإذا ما بدت اليوم على هامش الثورة؛ سرديات تحزيب متبادلة، سلباً وإيجاباً، حول "يسارية" الرجلين (وهي سرديات  تعكس تقزيماً لهويتهما الوطنية الباذخة) إلا أنّ أي تأمل فيما جعل من شريف ووردي أيقونتين للشعر والغناء لا ترتد أصوله إلى واجهات حزبية بقدر ما يعكس: كم كان رصيد الوطن هو رأسمالهم الرمزي في الإبداع شعراً وغناءً. ذلك أنّ الإبداع بطبيعته لا يقبل القسمة على أحد.
لقد أنتج التحزيب المتبادل، في ظل الاستقطاب الذي أحدثه نظام الإنقاذ لثلاثين عاماً، مزاجاً موسوساً بالتصنيف، حتى بدا هذا الأخير لبعض عوام محازبي اليسار، منطقاً معكوساً يقرأ عظمة وردي وشريف في إطار هويتهما الحزبية الضيقة، لا في سياق وطنيّتهما، وإبداعهما الغنائي والشعري السوداني العظيم، كما لو أنّ لونية الحزب تضمر بالضرورة تخصيصاً للإبداع في مسمى اليسار، وكما لو أنّ الإبداع ليس شرطاً حراً وإنسانياً.

اقرأ أيضاً: ألا تستحق الثورة الفلسطينية تخليدها في متحف؟

ما تبشر به الثورة السودانية اليوم؛ أنّها بالدرجة الأولى ثورة وعي، فالوعي الذي جعل هذه الثورة تلتقط بحسها الإبداعي "سودانوية" وردي وشريف (بعيداً عن أي حيثيات أخرى) سيعيد تعريفاً جديداً لسردية وطنية تقطع مع مناظير حبست أبناء هذا الوطن وطاقاته الإبداعية في سرديات حزبية لا يستوي معها مسمى "شاعر الشعب" لقباً على محجوب، ولا فنان السودان نعتاً لمحمد وردي.

الصفحة الرئيسية