
بينما شهدت بنغازي، شرق ليبيا، زيارات إقليمية لافتة خلال النصف الثاني من شهر آب (أغسطس) الماضي، كانت العاصمة طرابلس على حافة السقوط في سيناريو الصراع الميداني مرة جديدة.
فقد التقى رئيس الاستخبارات التركية، إبراهيم قالن، بالمشير خليفة حفتر، قائد الجيش في شرق ليبيا. وذكر بيان صادر عن مكتب المشير حفتر، الإثنين الماضي، أنّ اللقاء عُقد في مقر القيادة العامة بمنطقة الرجمة. وبحسب البيان: "شهد اللقاء مناقشة سبل التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، واستعراض ما تشهده العلاقات من تطور ملحوظ يخدم مصالحهما المشتركة".
تركيا وبنغازي: ملفات متعددة ومصالح مشتركة
وفي سياق متصل، تناقش أنقرة مع قيادة الجيش الليبي إعادة فتح القنصلية التركية في بنغازي.
وعلى هذا النحو يبدو لافتاً حجم المتغيرات التي طرأت على علاقات تركيا بالقوى الفاعلة في شرق ليبيا، سواء عبر قيادة الجيش الليبي أو مجلس النواب برئاسة المستشار عقيلة صالح.
ويمكن فهم هذه التحولات عبر عدة مسارات؛ منها ما يتعلق باهتمام تركيا باعتماد الاتفاقية البحرية، فضلاً عن تحركات المبعوثة الأممية هنا تيته، نحو رسم خارطة طريق جديدة لتشكيل حكومة موحدة في البلاد، تمضي نحو تنفيذ الاستحقاق الانتخابي.
في هذا السياق، لفت الكاتب الليبي صلاح عياد العبار إلى أنّ التقارب بين شرق ليبيا "البرلمان وقوات الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر" وتركيا يُعَدُّ تحوّلاً جديدًا في المشهد السياسي، خصوصًا أنّ أنقرة كانت خلال السنوات الماضية أقرب إلى حكومة طرابلس وداعمة لها عسكرياً وسياسياً.
دوافع التقارب من جانب برقة (شرق ليبيا):
وبيّن العبار في حديثه لـ (حفريات) أنّ تحييد تركيا في الصراع الليبي، وجعلها حليفاً أو شريكاً اقتصادياً وسياسياً، يُعَدُّ خطوة ذكية في مسار حلحلة المشاكل مع الدول الفاعلة في الملف الليبي، خاصة أنّ تركيا عضو في حلف الناتو.
وأوضح أنّ برقة تمتلك ملفات اقتصادية وخططاً للإعمار، في حين أنّ تركيا تمتلك شركات كبرى وخبرة واسعة في مشاريع الإعمار والبنية التحتية، الأمر الذي يجعل شرق ليبيا بحاجة ماسّة لاستثمارات ضخمة بعد سنوات الحرب.
وعلى مستوى التوازن مع الغرب الليبي، استنتج العبار أنّ هذا التقارب مع أنقرة قد يخلق نوعاً من الضغط على طرابلس لتقديم تنازلات أو الانخراط في مسار تفاهم وطني.
المصالح التركية في شرق ليبيا
أوّلاً، تطمح أنقرة إلى العودة بقوة عبر صندوق إعادة إعمار ليبيا، وهو الجهة الوحيدة التي رُصدت لها عشرات المليارات من الدولارات، حيث تمتلك الشركات التركية عقوداً قديمة بمليارات الدولارات، خاصة في الشرق.
ثانياً، تمتاز منطقة برقة بموانئها الغنية بالنفط والغاز وقربها من المتوسط، وهو ما يثير اهتمام تركيا للاستثمار في الموانئ وإقامة شراكات في قطاع الطاقة.
ثالثاً، من زاوية النفوذ الإقليمي، تحاول أنقرة تثبيت وجودها في عموم ليبيا لتكون طرفاً رئيسياً في أيّ تسوية سياسية مقبلة.
رابعاً، على صعيد الأمن البحري، فإنّ تركيا التي وقّعت اتفاقيات بحرية مع حكومة طرابلس، ترى أنّ فتح خط تواصل مع شرق ليبيا يضمن لها استمرار مصالحها البحرية والنفطية في المتوسط.
الشرق الأوسط: تغيرات كبيرة
وفي الختام، يلفت الكاتب الليبي صلاح العبار إلى أنّ تحسن العلاقات المصرية ـ التركية قد أسهم بشكل فاعل في تعزيز هذا التقارب مع برلمان ليبيا والقيادة العامة للجيش، وهو ما انعكس عملياً من خلال فتح قنصلية تركية في بنغازي، وزيارات متبادلة لقيادات الجيش والمخابرات التركية إلى الرجمة، ممّا يشير إلى مرحلة جديدة من التفاهمات السياسية والاقتصادية في المشهد الليبي.
من جانبه، قال الكاتب الليبي عبد الله الغرياني: إنّ منطقة الشرق الأوسط تشهد تغيرات كبيرة انعكست بوضوح على تسويات بؤر التوتر، لافتاً إلى أنّ تركيا اتجهت منذ نحو عامين إلى تجديد علاقاتها مع المحور العربي المناهض لتيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسه مصر والإمارات والسعودية والبحرين.
تركيا والإسلام السياسي
وبيّن الغرياني في حديثه لـ (حفريات) أنّ مقاطعة شرق ليبيا ومصر لتركيا كانت لأسباب أمنية وسياسية، إلا أنّ التحولات الإقليمية أفرزت تحالفات جديدة بين أنقرة وشرق ليبيا. وأوضح أن تخلي تركيا عن دعم الإسلام السياسي، إلى جانب طموحها في تفعيل الاتفاقية البحرية، أتاح للفريق أول ركن صدام حفتر تأسيس قنوات اتصال شملت استئناف الطيران وافتتاح قسم قنصلي وتوقيع اتفاقيات لإعادة إعمار بنغازي ودرنة.
وأشار إلى أنّ هذه الخطوات تطورت لاحقاً إلى زيارات رسمية، فقد استقبلت أنقرة الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر بصفته ورتبته العسكرية، وهو ما مثّل تحولاً نوعياً في موقفها تجاه الجيش الليبي. ومع تكرار الزيارات وازدياد الثقة، وجدت تركيا أنّ شراكتها مع القيادة العامة ومجلس النواب قد تفتح أمامها فرصاً اقتصاديةً واستراتيجيةً، لا سيّما في مشاريع الإعمار المتوقفة والاتفاقية البحرية المعلقة.
تركيا بين غرب وشرق ليبيا: فهم التحولات
وختم الكاتب الليبي عبد الله الغرياني تصريحاته لـ (حفريات) بأنّ الشارع الليبي يتطلع اليوم لتجاوز الماضي والانخراط في مسار البناء، وأنّ تركيا باتت تلجأ إلى التفاوض المباشر من منطلق المصالح المشتركة، مع إمكانية بحث قضايا حساسة مثل القواعد العسكرية والضغط على الأطراف المسلحة في الغرب نحو الحوار، مؤكداً أنّ الطرف الأكثر جديةً وانضباطاً في هذه المرحلة يبقى القيادة العامة للجيش".
سليمان البيوضي: انفتاح تركيا على شرق ليبيا ليس مصادفة
بدوره، قال السياسي الليبي سليمان البيوضي: إنّ تركيا، بوصفها دولة إقليمية فاعلة، لعبت دور الغطاء الأمني والحليف الاستراتيجي لغرب ليبيا، مشيراً إلى أنّ انفتاحها الأخير على شرق البلاد لا يأتي من باب المصادفة، بل في إطار أوسع لتسوياتها مع دول المنطقة.
وأضاف البيوضي أنّ هذا التحول ينبغي أن تدركه النخب السياسية والمجتمعية في غرب ليبيا، إذ إنّ مشهداً جديداً يُعاد تشكيله خلف الأبواب المغلقة، والدليل على ذلك أنّ أغلب الزيارات الأخيرة لليبيا حملت طابعاً أمنياً وعسكرياً، مع تجاهل شبه تام للسلطة في طرابلس، مقابل حراك دؤوب ومتزايد نحو بنغازي من جانب الدول الفاعلة في الملف الليبي، وليس تركيا وحدها.
طرابلس ليبيا: مأزق السيطرة على الوضع الأمني
وتابع: "فشل حكومة الدبيبة في السيطرة على العاصمة وما تبعه من غضب شعبي ومواقف متوترة جعل الجميع يقف على رؤوس أصابعه خشية المجهول"، مضيفاً أنّ إعلان نتائج اللجنة الاستشارية من قبل البعثة الأممية لم يكن بداية لمشروع تغيير بملكية ليبية، بل كان "رصاصة الرحمة" على السلطة الحالية التي انتهت ولايتها.
وأكد البيوضي أنّ القوى الإقليمية والدولية تتحرك اليوم لإيجاد تسوية تضمن مصالحها عند إعادة توحيد السلطة التنفيذية، خصوصًا بعد أن فقدت السلطة في طرابلس رصيدها الشعبي عندما لجأت للعنف في قلب العاصمة.
وفي سياق متصل، أوضح أنّ الزيارات الأخيرة تزامنت مع قرارات تتعلق بالمناصب العليا في القيادة العامة للجيش بشرق ليبيا، حيث سارعت الدول الحليفة لتقديم التهاني. إلا أنّ اللافت ـ بحسب البيوضي ـ أنّ تركيا كانت أول دولة تتعامل رسمياً مع الفريق أول صدام حفتر بصفته نائباً للقائد العام، وهو ما أكدته وزارة الدفاع التركية على منصة (X)، مشيراً إلى حضوره استقبال البارجة "جزيرة الحنة" في بنغازي، ثم مشاركته في استقبال رئيس جهاز المخابرات التركية إبراهيم كالن.
وختم البيوضي بالتأكيد أنّ تجاهل السلطة في طرابلس يعكس انتهاء دورها فعلياً، وأنّها باقية مؤقتاً فقط إلى حين إعادة صياغة المشهد الليبي بتفاهمات دولية وإقليمية وبملكية ليبية.



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)