أرمينيا وعُثمانية أردوغان الجديدة.. إلى أين؟

أرمينيا وعُثمانية أردوغان الجديدة.. إلى أين؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
22/01/2019

ترجمة: مدني قصري


صخب القمة الفرنكوفونية الدولية السابعة عشرة في يريفان، عاصمة جمهورية أرمينيا، والاحتفالات التي أعقبت وفاة المغني الفرنسي المشهور، أزنافور، والجدالات المختلفة، الطوعية أو غير الطوعية، التي أثارها رئيسا الدولتين؛ الفرنسية والأمريكية، فرضت تعتيماً على البيان الأخير الصادر عن وزير الخارجية الأذربيجاني، ألمار محمدياروف، الذي شكّك في "مستقبل سيادة أرمينيا"، أو بعبارة أخرى، في الوجود ذاته لهذا البلد الواقع جنوب القوقاز، وقد أشار الكاتب ستيب دانيليان (Stepan Danielian)، إلى تأكيداته، في مقال نشر على موقع "Hetq.am"، يوم 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018.
أرمينيا الشرقية

أساليب دبلوماسية
رغم أنّ أرمينيا الشرقية، بمساحتها التي تقل عن 30000 كيلومتر مربع (بحجم سويسرا أو بلجيكا)، وأنها ليست سوى عُشر أرمينيا التاريخية (أو الغربية، التي هي الآن تحت الحكم التركي)، فإنّ الجارتين، في شرق وغرب هذا البلد الصغير، ما انفكتا تظهران طموحاتهما للقضاء عليها بأساليب أقرب ما تكون إلى الأساليب الدبلوماسية.
طموح تركيا في استعادة الأراضي الأرمنية
فور استقلال أرمينيا، عام 1991، أثناء حرب ناغورني كاراباخ؛ كان لدى رئيس الوزراء التركي، تانسو تشيلر، طموح غزو أرمينيا، وهو الطموح الذي ما لبث أنْ أحبطه الجنرال الروسي المسؤول عن حماية الحدود الأرمنية التركية؛ إذ حذّره قائلاً: "إذا خطوت خطوة أخرى، فسوف تجد في وجهك الجيش الروسي!".

فور استقلال أرمينيا عام 1991 كان لدى رئيس الوزراء التركي تانسو تشيلر طموح غزوها

حرب كاراباخ (أرتساخ اليوم) انتهت بانتصار الأرمن، الذين لم يحرروا الأراضي الأرمنية التاريخية (التي أهداها ستالين إلى أذربيجان) فحسب، لكنّهم احتلوا أيضاً سبع مناطق أخرى حولها، وخلقوا على هذا النحو، منطقة عازلة، كانت بمثابة عمق إستراتيجي، بالمعنى العسكري، لكن، منذ وقف إطلاق النار الموقع بين أرمينيا وأذربيجان، عام 1994، ما انفكت تركيا تؤيد فكرة ضمان السلامة الإقليمية لأذربيجان، أي بعبارة أخرى؛ استعادة جميع الأراضي التي احتلها الأرمن؛ فبينما تظلّ عبارة أزري صريحة ومباشرة، ووحشية، وبدائية وعدوانية، فإنّ البراعة التقليدية للدبلوماسية التركية تتيح لتركيا تقديم أفكارها بطريقة أكثر مكراً.
في الشرق الأوسط تحاول تركيا الحصول على موطئ قدم بواسطة تحالف غير طبيعي مع الروس

ثلاثة محاور
في ظلّ نظام أردوغان، سيما منذ "انقلاب" تموز (يوليو) 2016 الفاشل، الذي اعتبره "هبة من الله"، تستعرض تركيا علناً طموحها، لتصبح قوة إقليمية مرة أخرى، ولإحياء عظمة الإمبراطورية العثمانية، ويظل السلطان عبد الحميد الثاني، المثال الأعلى للرئيس التركي، ولتحقيق هذا الهدف؛ تعمل تركيا على ثلاثة محاور:
أولاً: في الشرق الأوسط؛ تحاول تركيا الحصول على موطئ قدم، من خلال دبلوماسية خفية من الإغراء أو الابتزاز، بواسطة تحالف غير طبيعي مع الروس، في حين احتفاظها بعضويتها (والجيش الثاني) في حلف شمال الأطلسي.

اقرأ أيضاً: صحيفة سعودية تعلق على حديث أردوغان عن "ميراث الأجداد"!
ثانياً:
في البلقان؛ يحاول الأتراك تعزيز وجودهم السياسي، بفضل المجتمع المدني التركي، هذا المجتمع الذي يتميز بنشاطه القوي في هذا البلد، رغم أقليته فيه.
ثالثاً: في الغرب، أوروبا والولايات المتحدة؛ تحاول تركيا تنظيم الشتات التركي، الذي بدأ يكتسب بعض الوزن الديمغرافي، من أجل حشدهم بشكل أفضل، والتأثير على القرارات السياسية للبلدان التي يعيشون فيها.

 

المصالح قبل البلاغة
إنّ تفوّق النفوذ التركي على جماعات الضغط الأخرى (خاصة الأرمن واليونان والأكراد) تفوق مؤقت، لسببين اثنين:
أولاً؛ على الصعيد الديموغرافي (الوجود التركي الآن في أوروبا أعلى من الأقليات الأخرى المنبثقة من تركيا).

ثانيا؛ من خلال الأساليب المستخدمة، ففيما لم يتمكن البعض من "تحديث" أنفسهم؛ فإنّ مضمون مطالبهم (هل ذكر الإبادة الجماعية التي ارتكبها الأتراك الشباب كافٍ؟)، أو تكييف أساليبهم مع الحياة السياسية (عدد المنتخبين ذوي الأصل التركي في الاتحاد الأوروبي، اليوم، يفوق بكثير عدد أعضاء آخرين من الشتات المنبثقين من تركيا)، وفي العالم الذي نعيش فيه؛ لم يفهم البعض أنّ أيّة قضية لا تنتصر فقط، لأنها عادلة، فالعواطف أو التأثيرات البلاغية تهزمها المصالح دائماً.

اقرأ أيضاً: هذه مخططات أردوغان في الشرق الأوسط وإفريقيا
تركيا وأذربيجان لكلّ منهما أسلوبها الخاص وأوراقها الرابحة الخاصة

الإيديولوجية القومية
يبدو واضحاً؛ أنّ تركيا وأذربيجان، وهما دولتان مسلمتان، ولكلّ منهما أسلوبها الخاص وأوراقها الرابحة الخاصة، تحافظان على خطة جيوسياسية عالمية، وكون تركيا سنيّة في غالبيتها، وأذربيجان شيعية في غالبيتها، ليس مشكلة، فالصلة قائمة من خلال اللغة؛ .. وتتولى الإيديولوجية القومية التركية هنا هذا الأمر،..
سحابة سوداء
السحابة السوداء الثانية فوق أرمينيا؛ ظهرت خلال زيارة جون بولتون (1) إلى جنوب القوقاز، خلافاً لصورته المتدنية في موسكو، فقد اتخذ موقفاً متغطرساً؛ بل استفزازياً، طالباً من أرمينيا إعادة النظر في موقفها إزاء إيران، التي تعدّ مع ذلك حليفاً إستراتيجياً، خاصة على المستوى التجاري.
"من يهيمن على شوشي يهيمن على القوقاز"
يمكننا أن نتفق مع بولتون، عندما يقول: إنّ "قضية آرتساخ قضية دولية"، ويوجد مَثَل فارسيّ قديم يقول: "من يهيمن على شوشي (2) يهيمن على القوقاز"، فتاريخياً؛ كانت القوقاز محور الخلاف بين الإمبراطوريات الروسية والفارسية والعثمانية، والحفاظ على السلام بين هذه القوى الثلاث كان قائماً بفضل توازن القوى بين مختلف الحكومات في القوقاز، كلّ واحدة من هذه الدول كان لها حليفها، وكان كلّ حليف من الحلفاء يلعب على الصراعات بين هذه الدول الواقعة في القوقاز، حتى يقدم بيادقه.

مجموعة أستانا كان بإمكانها أن تهتم أيضاً بقضية آرتاخاخ لو لم تكن هناك مصالح جيوسياسية تهمّ أمريكا وأوروبا

في الأعوام الأخيرة؛ أثرت النزاعات الدائرة في الشرق الأوسط (العراق وسوريا، ...إلخ) في الجغرافيا السياسية للقوقاز، بشكل عام، وفي أرتساخ بشكل خاص؛ فمستقبل أرتساخ، وحتى أرمينيا، مرهون بتطورات المشهد في الشرق الأوسط، والحال أنّ القوى التي تعمل على الملف السوري (مجموعة أستانا) هي روسيا وإيران وتركيا، وقد كان في إمكانها أن تهتم أيضاً بقضية آرتاخاخ، لو لم تكن هناك مصالح جيوسياسية تهمّ الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
مجموعة أستانا

أرمينيا بعد "الثورة المخملية"
إن أرمينيا نفسها تقع في خضمّ تغيير سياسي، بعد "الثورة المخملية"، في نيسان (أبريل) 2018، وتتجه نحو ديمقراطية حقيقية منشودة (ومأمولة)، على أيدي أغلبية كبيرة من السكان، رغم الصعوبات والعوائق التي زرعت لها، في الداخل والخارج، على السواء، ومن وجهة النظر هذه؛ ستكون الانتخابات البرلمانية، التي جرت في 9 كانون الأول (ديسمبر)، والتي أدّت إلى فوز أنصار رئيس الوزراء نيكول باكيينان (3)، نقطة البداية لحكم جديد، ستكون مهمته صعبة في تقويم البلاد، مع ضرورة بقائه يقظاً على الصعيد الخارجي.
عثمانية أردوغان الجديدة
في الوقت الحاضر؛ تضاعف مناطق الاضطرابات الجيوسياسية دور القوى الإقليمية، كلّ بلد كبير يعيد النظر في موقعه، وفي مسؤولية بيئته المباشرة، مع تقييم أولوياته، للحفاظ على تماسك هويته واستقرار مؤسساته وتحالفاته، والحال؛ أنّ تركيا تواجه، في الوقت الحالي، كلّ هذه الخيارات، وسيكون للاضطرابات السياسية والمجتمعية التي تمرّ بها تركيا تأثير مباشر على مستقبل أرمينيا وأرتساخ.


المصدر: lesakerfrancophone.fr


هوامش:

(1) جون روبرت بولتون (John Robert Bolton) (70 عاماً): رجل سياسي أمريكي، قريب من المحافظين الجدد، كان مكلّفاً، منذ 2001 إلى 2005، بشؤون نزع السلاح من قبل جورج دبليو بوش، ثم سفيراً للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، من آب (أغسطس) 2005 إلى كانون الأول (ديسمبر) 2006، في 22 آذار (مارس) 2018، عيّنه الرئيس دونالد ترامب مستشاره للأمن القومي، وتولى منصبه في التاسع من نيسان (أبريل)، وكان حتى هذا التعيين رئيس مجلس إدارة معهد مجموعة التأمل (Gatestone).

(2) شوشي (Chouchi)؛ العاصمة الثقافية الأرمنية السابقة، في الوقت الحاضر المدينة الثانية في أرتساخ، كان تحرير شوشي من قبل القوات الأرمينية، في عام 1992، حاسماً في الانتصار النهائي.

(3) في أرمينيا؛ انتصر الائتلاف الذي يتزعمه رئيس الوزراء نيكول باتشينيان، الأحد 10 كانون الأول (ديسمبر) 2018، في الانتخابات البرلمانية المبكرة، وقد دعا الزعيم الإصلاحي إلى إجراء هذه الانتخابات لتعزيز قوته.

الصفحة الرئيسية