أبو حيان التوحيدي: ليس لصاحب "المؤانسة" من يؤانسه

أبو حيان التوحيدي: ليس لصاحب "المؤانسة" من يؤانسه

مشاهدة

29/11/2017

لئن كانت السلطة لجأت ذات قمع فكري إلى إحراق كتب من لا يروقها كما فعل المنصور الأندلسي مع ابن رشد، نجد "فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة" أبا حيان التوحيدي يكفي من حوله هذه المؤونة، بعد أن جرّت عليه سعة ثقافته وحدة ذكائه واعتداده بنفسه وصراحته تعاسة صبغت معظم مفاصل حياته، لتنتهي به بعد أن جاوز التسعين، يطلق صرخة احتجاج مدوّية في وجه مجتمعه بإحراق كتبه التي لم يسلم منها إلا ما نُقل لنا، بعد أن شق عليه أن يدعها "لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشتمون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها، ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها".

وقد صدق توقع التوحيدي، كما يظهر فيما كتب عنه بعد وفاته؛ إذ اتهمه الذهبي وابن حجر وابن الجوزي وكثيرون بالإلحاد والزندقة والكذب نقلاً في الغالب عمّن عاصروه، ولم يأت إنصافه إلا على أيدي قلّة، أبرزهم ياقوت الحموي الذي وصفه بأنه شيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، "لا نظير له ذكاء وفطنة، وفصاحة ومكنة، كثير التحصيل للعلوم في كل فن حفظه، واسع الدراية والرواية، وكان مع ذلك محدوداً محارفاً يشتكي صرف زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه".

ومما يؤسف له أنّ أول من اكتشف أبا حيان التوحيدي في العصر الحديث ولفت الأنظار إلى قامته الأدبية هو المستشرق السويسري آدم متز في كتابه "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري" كما حصل مع ابن خلدون من قبل.

أول من اكتشف أبا حيان التوحيدي في العصر الحديث ولفت الأنظار إلى قامته الأدبية هو المستشرق السويسري آدم متز في كتابه "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري"

في بغداد ولد علي بن محمد بن العباس، الشهير بأبي حيان التوحيدي، عام 310 هـ / 922 م بعائلة فقيرة، ونشأ يتيماً في حضانة عمّ قاسٍ، زاد مرارة حرمانه. ظهر ولعه بالكتاب منذ نعومة أظفاره، فلم يجد خيراً من احتراف الوراقة التي أتاحت لهذا الشاب الاطلاع على إرث معاصريه وسابقيه. درس النحو على أبي سعيد السيرافي، وأخذ الفلسفة على أبي زكريا يحيى بن عدي المنطقي، وعن علي بن عيسى الرماني أخذ اللغة وعلم الكلام.

ما لبث أن ضاق أبو حيان ذرعاً بالوراقة وبحاله، فحاول الاتصال بكبار متنفذي عصره من أمثال ابن العميد والصاحب بن عباد والوزير المهلبي، فلم يجد منهم إلا الصد، ما زاد نقمته على مجتمعه، ففر منه إلى أحضان الزهد، وأصبح أقرب إلى التصوف عله يجد فيه ضالته، "أمسيت غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنساً بالوحشة، قانعاً بالوحدة، معتاداً للصمت، ملازماً للحيرة، محتملاً للأذى، يائساً من جميع من ترى".

ترك التوحيدي خلفه إرثاً نثرياً لا يقدر بثمن من خلال مؤلفاته التي وثق فيه جوانب مهمة من الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية في عراق الدولة البويهية التي عاصرها، ولم تلق كتبه في حياته غير النكران، عندما ثار على الانتكاسة النثرية التي أصيب بها الأدب العربي ردحاً طويلاً، فبدا مغرداً خارج السرب، شاذاً عن أدباء عصره، وهم يتبارون في التنميق والسجع والطباق وغيره من المحسنات البديعية. أما هو، فأولى المعنى غاية اهتمامه، مائلاً إلى الأسلوب الجاحظي الذي يبدو تأثره به جلياً، فلا عجب أن يخصه بكتاب حمل اسم "تقريظ الجاحظ"، في الوقت الذي كان الهمذاني ينتقد أسلوب الجاحظ "لسهولته ووضوحه".

ويرى الدكتور عبدالرزاق محيي الدين أن هزيمة أبي حيان كانت هزيمة للغة الأفكار والمعاني السامية، ولو قدر لها أن تنتصر لخطت البلاغة العربية خطوات فسيحة في عالم الرأي والفكر.

ضاق أبو حيان ذرعاً بالوراقة وبحاله، فحاول الاتصال بكبار متنفذي عصره من أمثال؛ ابن العميد والصاحب بن عباد والوزير المهلبي، فلم يجد منهم إلا الصد

تظهر بجلاء معاناة أبي حيان من التجاهل لإبداعاته فيما سطره إلى القاضي أبي سهل علي بن محمد، الذي لامه على صنيعة حرق كتبه "هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره وعلانيته، فأما ما كان سراً، فلم أجد له من يتحلى بحقيقته راغباً، وأما ما كان علانية، فلم أصب من يحرص عليه طالباً".

يعد "الإمتاع والمؤانسة" أهم ما سطره أبو حيان، وهو ثمرة منادماته للوزير أبي عبد الله العارض، في سبع وثلاثين ليلة، وهو كتاب فكري نقدي اجتماعي بامتياز يتطرق فيه لأخلاق الأمم، ويصف فيه، كما يقول أحمد أمين، الأمراء والوزراء ومجالسهم ومحاسنهم ومساوئهم، محللاً شخصيات العلماء وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين، كما يعرض للحياة الشعبية مراوحاً في آرائه بين الشدة واللين.

ونقد فيه أيضاً علم الكلام وأهله كإخوان الصفا، فكان يرى أنّ الدين والفلسفة لا يجتمعان "ما دام الدين قائماً على التسليم والخشوع، فإنّ المتكلمين من أبعد الناس عنه... ومن أراد أن يتفلسف، فيجب عليه أن يعرض بنظره عن الديانات، ومن اختار التدين فعليه أن يعرض بعنايته عن الفلسفة ويتحلى بها في مكانين على حالين مختلفين، ويكون بالدين متقرباً إلى الله تعالى... ويكون بالحكمة متصفحاً لقدرة الله تعالى في هذا العالم... ولا يهدم أحدهما بالآخر".

كتاب التوحيدي " الإمتاع والمؤانسة"

ويرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي أنّ التوحيدي أول من اكتشف ظاهرة ازدواج الشخصية في أهل زمانهِ، كما يظهر في قوله: "والحكمة على ألسنتهم أظهر منها على أفعالهم، ومطالبتهم بالواجب لهم أكثر من بذلهم الواجب عليه"، وكان أبو حيان يمتعض من هذا التناقض، مغرقاً في الصراحة حتى مع أقرب الناس إليه، يروى أنّ مسكويه شكا له إعطاء ابن العميد أحد الأدباء ألف دينار فأجابه: "لو غلط صاحبك فيك بهذا العطاء وبأضعافه وأضعاف أضعافه، أكنت تتخيله في نفسك مخطئاً ومبذراً ومفسداً أو جاهلاً بحق المال؟ أو كنت تقول: ما أحسن ما فعل وليته أربى عليه؟".

ومن مؤلفاته "الإشارات الإلهية"، وهو كتاب من الأدب الصوفي الرفيع، وكان من بين كتبه المفقودة ولم يُعثر عليه كاملاً، و"المقابسات" الذي يتعرض فيه للترف الفكري في زمانه، وموسوعة "البصائر والذخائر" التي تقع في عشرة أجزاء وجمع فيها روائع ما حفظ وسمع وقرأ، وكتاب "الصداقة والصديق" وفيه يعود ليبث شكواه من العزلة التي كان يعانيها.

بدا مغرداً خارج السرب، شاذاً عن أدباء عصره

أما كتابه "أخلاق الوزيرين"، فقد جمع فيه مشاهداته وانطباعاته عن الوزيرين ابن العميد والصاحب بن عباد ويصدر فيه أحكاماً قاسياً على ترف السلطة المتمثلة فيهما؛ وفي كتابه "الهوامل والشوامل"، وثق الأسئلة التي كانت تؤرقه وبعث بها إلى مسكويه، مسجلاً إجابات مسكويه عنها. وفيه نقرأ: ما سبب من يدعي العلم، وهو يعلم أنه لا علم عنده؟ ليجيبه مسكويه بأنّ سبب ذلك محبة الإنسان لنفسه وشعوره بموضع الفضيلة، فهو لأجل المحبة يدعي ما ليس له. فيعود ليسأله: ما سبب رغبة الإنسان في العلم؟ فيجيبه بأنّ العلم هو كمال الإنسان ... وكلما زاد علم الإنسان زادت إنسانيته.

عاش التوحيدي شخصية مثيرة للجدل حتى آخر لحظات حياته التي جاوزت المئة، فيروى أنه لما حضرته الوفاة في شيراز عام 414هـ/ 1023م سمع من حوله يقولون: "اذكروا الله فإن هذا مقام خوف وكل يسعى لهذه الساعة" ثم أخذوا يعظونه ويخوّفونه، فما كان منه إلا أن رفع رأسه إليهم مستهجناً: "كأني أقدم على جندي أو شرطي، إنما أقدم على رب غفور" ليفارق صاحب "الإمتاع والمؤانسة" هذا العالم غريباً كما عاش لا يجد من يؤانسه.

الصفحة الرئيسية