آفاق "هدنة" الحديدة بين الفرقاء اليمنيين

آفاق "هدنة" الحديدة بين الفرقاء اليمنيين

مشاهدة

16/12/2018

بعيداً عن مفاهيم المغالبة بين الشرعية وأنصار الله "الحوثيين"، وتقييم نتائج الهدنة التي تمّ إنجازها بين وفدي الحكومة الشرعية، وجماعة الحوثية، في مباحثات السويد؛ فإنّه لا يمكن التعامل مع ما تمّ إنجازه إلا في إطار كونه إنجازاً قد تحقق للمرة الأولى، في مباحثات الجانبين، وتحديداً بالمقارنة مع جولات مباحثات سابقة عقدت في الكويت وجنيف، رغم المخاوف الكثيرة والكبيرة من "إفشال" الهدنة عند تطبيقها، في ظلّ حزمة من الأسئلة المعلقة بلا إجابات واضحة ومحددة، من المرجح أن تبرز عند التطبيق، خاصة ما يتعلق بإدارة الحديدة، والجهة التي ستتولى مهمة حلّ أية خلافات قد تنشب، وأفق ما بعد الهدنة، لا سيما الحل السياسي للقضية اليمنية، وعدم شمول وقف إطلاق النار كافة مناطق اليمن، واقتصاره على المحافظات التي تشملها الهدنة فقط.

اقرأ أيضاً: هل يمكن الوثوق بالحوثيين؟

ويبدو أنّ ثلاثة عوامل أسهمت في إشاعة الأجواء الإيجابية التي تحيط بالمفاوضات، وأسهمت بالتوصل لاتفاق الهدنة، الذي ربما يؤسس لحلول قادمة، يبدو أنّها ليست مرتبطة فقط بالداخل اليمني وحده، خاصة أنّه كان واضحاً، منذ بداية الأزمة اليمنية، أنّها أزمة ما فوق وطنية، تخضع لحسابات الصراعات الإقليمية والدولية.

تتبع إيران إستراتيجية إنشاء كيانات داخل الدول المستهدفة تستقوي عليها متى شاءت في ظلّ صياغة الصراع بالمنطقة على أسس مذهبية

وأول هذه العوامل: العقوبات التي تتعرض لها إيران الداعمة للحوثيين، التي تردّد أنّها أرسلت مبعوثاً للمشاركة في المفاوضات مع الحوثيين، إلا أنه تمّ منعه من وصول مكان المباحثات، ويبدو أنّ إيران أرادت إرسال رسالة بحجم تأثيرها ونفوذها بالملف اليمني، في إطار مواجهة العقوبات الأمريكية، وهو الملف الأقل أهمية بالنسبة إلى إيران، مقارنة بملفات العراق وسوريا ولبنان، إضافة إلى كون نتائج المعارك، خلال الأسابيع الماضية، لم تكن في صالح الحوثيين، بعد وصول قوات التحالف العربي إلى وسط مدينة الحديدة، وهو ما يرجح "صوابية" وجهات نظر تتردّد، مفادها أنّ قبول الحوثيين بالهدنة ما كان ليتم لولا الخسارات المتتالية التي لحقت بهم في جبهات القتال.

فيما كان العامل الثاني مرتبطاً بالتطورات التي تجري على الجبهة الأخرى، ممثلة بالضغوط الدولية والأممية التي تمارس على التحالف العربي، بقيادة المملكة العربيةالسعودية والإمارات العربية المتحدة، على خلفية تداعيات الحرب في جانبها الإنساني، وما يتعلق بارتفاع مستويات الفقر والمجاعة والأمراض، والتي برع الحوثيون وداعموهم في إثارة التداعيات الإنسانية المرتبطة بالحرب، رغم أنّ الحوثيين يتحملون مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في ظلّ التحكم بالمساعدات وتوزيعها، ورغبة السعودية بعدم تحمل مسؤولية إفشال المفاوضات وتطلعها لحلول سلمية، تنهي الأوضاع المأساوية في اليمن، علاوة على التغييرات في أمريكا، بعد فوز الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي، وضغوطاتهم لإنهاء الحرب بطرح مشروعات قرارات بخصوص مبيعات الأسلحة للسعودية، رغم أنّ توجهات الديمقراطيين، مرتبطة بالتنافس الداخلي الأمريكي مع الإدارة الجمهورية بقيادة ترامب، أكثر من كونها موجهة للسعودية.

اقرأ أيضاً: بعد مناورة الحوثيين... ما مصير "مشاورات جنيف"؟

والعامل الثالث؛ مرتبط بإصرار الأمم المتحدة، ومبعوثها، على تحقيق إنجاز قبل نهاية العام الحالي، يسجل للأمم المتحدة، التي منيت بـ"فشل" ذريع في التعامل مع الملف اليمني، رغم القرارات الدولية، خاصة التعامل مع القضايا الإنسانية، وأبرزها عدم القدرة على احتواء المجاعة والأمراض، إضافة إلى إيصال المساعدات، وجميعها قضايا تقع في صلب مسؤولياتها، وهو ما ركزت عليه المفاوضات في السويد.

إنّ قبول الحوثيين بالهدنة ما كان ليتم لولا الخسارات المتتالية التي لحقت بهم في جبهات القتال

العقبة الرئيسة في مفاوضات السويد؛ أنّ الحوثيين يريدون من هذه المفاوضات الحفاظ على مكاسب الوضع القائم، والتي تأسست منذ اغتيال الرئيس علي عبد الله صالح، وإخضاع الملف اليمني برمّته، باعتباره ورقة تفاوض بيد إيران، علاوة على إطالة أمد المفاوضات لأبعد حدّ ممكن، والتعامل معها على قاعدة الدوائر المفرغة، ونظرية الحافة على الطريقة الإيرانية، فيما تتطلع الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً لاستعادة السيطرة على اليمن، كلّ اليمن، وعدم الاعتراف بوجود الحوثيين، باعتبارهم أحد مكونات الشعب اليمني، وهو ما يجعل المفاوضات تدور في إطار سقوف منخفضة ومحدودة، لا ترقى إلى مستوى التعامل مع "نوايا" جادة لحلول دائمة للصراع في اليمن وعليه.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة طلب الحوثيين من بوتين تدخلاً روسيّاً في اليمن؟

إنّ الحقيقة التي لا يختلف اثنان حولها؛ هي أنّ أية مفاوضات حقيقة لإنهاء الحرب باليمن، ستبقى مرتبطة، أولاً وأخيراً، بمدى حاجة  وقناعات أطراف الصراع الإقليمي لوضع حدّ لهذه الحرب؛ لذا فإنّ الهدنة التي تمّ التوصل إليها جاءت في إطار جس النبض بين الطرفين، والوصول لتوافقات آنية تحقق لكل طرف مبدأ تعزيز مواقعه، استعداداً لجولات جديدة، وحتى التوافقات التي تمّ التوصل إليها ستبقى عرضة للانقلاب عليها بأية لحظة، من قبل أيّ طرف، خاصة من قبل الحوثيين، ما لم تحقق الإستراتيجيات الإيرانية، المرتبطة بالتعامل مع الملف اليمني باعتباره أحد أوراق القيادة الإيرانية في صراعها مع أمريكا والغرب، وربما كان في إصرار الحوثيين على السيطرة على مطار صنعاء، ورفض الانسحاب من مدينة الحديدة، ومواصلة المعارك فيها، بينما تجري المفاوضات في السويد، ما يؤكّد نواياهم بعدم التسليم بسلطة الحكومة الشرعية، على غرار مشروع حركة حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والمليشيات الشيعية في سوريا، وهي الإستراتيجية التي تتبعها إيران بإنشاء "كيانات" داخل الدول المستهدفة، تستقوي عليها، وتنقلب عليها، متى شاءت، في ظلّ صياغة الصراع في المنطقة على أسس مذهبية.

الصفحة الرئيسية