ما الذي حصل سنة ١٩٧٩؟

88
عدد القراءات

2017-10-30

مختارات حفريات

في كانون الثاني (يناير) 1979، كان العالم على موعد مع الثورة "الإسلامية" الإيرانية بزعامة الخميني. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، قام جهيمان ذو التوجهات "الإسلامية" باحتلال الحرم المكّي. عام التحولات الكبرى لم يشأ أن يترك منطقتنا من دون أن يثخن أكثر في تعميق جذور التبدّل؛ إذ قام الجيش السوفياتي في شهر كانون الأول (ديسمبر) منه، باحتلال أفغانستان، لترتفع- بدعم دولي وإقليمي- رايات العمل الإسلامي المسلح، وتنشط على إثر ذلك ما سمّيت "الصحوة"، في فصل جديد على مسرح الحرب الأميركية السوفياتية الباردة.

هذا ملخص ما حصل في تلك السنة، ولك أن تطلق العنان لمخيلتك في تحليل انعكاساته على المستوى الاجتماعي، في العالمين؛ العربي والإسلامي في شكل عام، وفي السعودية تحديداً، في مناسبة حديث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، عن تاريخ التحول الذي تلبّس السعوديين، وذلك في مؤتمر الإعلان عن مدينة نيوم الحالمة، الذي أطلق من خلاله وعده الشهير باستعادة الإسلام الصحيح، والسعودية السمحة، من براثن سرّاق الإنسانية والعقول، الذين تسلقوا على الإسلام لأجل تحقيق أمانيّهم السياسية، في ميكافيلية بحتة، سعت إلى إقصاء الرأي المغاير، ونجحت إلى حد كبير، عندما أعجبت هيئاتهم المجتمع بمختلف فئاته، وإن يقولوا بات يسمع لهم الجميع، ويغض الطرف- في سبيل الله - عن تناقضاتهم وأخطائهم الفاضحة التي يرتكبونها، في مشهد مرتبك، يعكس حالة عدم الوضوح في الرؤية التي اكتنفت تلك المرحلة، بين تطلعات طموحة لدولة فتية، وتشدد ديني سعت الجماعات المتأسلمة إلى نشره، ساهم في رغبة السعوديين في الخلاص من الذنب، بعد أن علقت مشانق اللوم على كواهلهم، باسم الأمة الواحدة، التي لا ينبغي على أي من أبنائها أن يهنأ في عيشه ما دام هناك شبر من أرض المسلمين محتلاً، في مساحة مترامية من الألم، امتدت لتشمل إسبانيا. فالدموع على الأندلس التي عجز احتلال المسجد الأقصى عن كفكفتها، لم توقفها سوى جراح العراق وسورية النازفة، وعدم استقرار ليبيا واليمن، والاستفاقة من زيف جماعة الإخوان المسلمين!

وعد ولي العهد السعودي باستعادة الإسلام الصحيح والسعودية السمحة، من براثن سرّاق الإنسانية والعقول الذين تسلقوا على الإسلام لتحقيق أمانيّهم السياسية

إن استحضار سنة 1979، وتشريحها سياسياً وفكرياً، يخرج جهيمان من دائرة التأثير المباشرة، على رغم صدمة احتلال الحرم الشريف، ومحاولة نزع البراءة عن وجه السعودية في ذلك الوقت، من خلال طعن المنهج السلفي من الخلف، وزرع بذرة الخيانة الأولى في شكلها الإسلاموي، الذي علّق الجرس، لكنه اندثر في خضم الأحداث التي صاحبته، وأعقبته، سواء الثورة الخمينية، والتجاذبات التي صاحبتها، وأدت بمجملها إلى هذا الانقسام الحاد بين ضفتي الخليج، أم تداعيات "الجهاد" الأفغاني، وضغطه بشدة على الهوية الاجتماعية التي كانت سائدة قبله، لمصلحة التشدّد الديني وشعارات الزهد البراقة، ما تسبب في فوضى فكرية رجّحت منزلة "إعمل لآخرتك كأنك تموت غداً" على ما سواها، لكنها لما لم تستطع إلى ذلك صبراً بطبيعة الحال.

تحديد مكامن الخطر كان الشيء الذي ينقص السعودية، والمرجو أن تســتمر "الصحوة" الحقيقية إلى أن يتعافى المجتمع من مخدر الصحوة المزيفة

سلكت العقول الخلاقة طريقاً آخر، أقل كلفة، من خلال المعادلة البراغماتية الشهيرة، التي تسمح لمعتنقها بالخروج من دائرة الصالحين، ما دام يحبهم، ويدافع ليكفر عن سيئاته وما اقترفت يداه، عن لحوم من تسممت لحومهم بفعل فاعل! هذه الحالة من التناقضات التي سادت في ما مضى، قرر السعوديون جميعاً إيقافها عند حدها هذه المرة. تشهد بذلك وسائل التواصل الاجتماعي، التي تظهر حالاً من السخط على منابر الجشع باسم الإسلام، قبل أن يأتي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بجرأته التي لا حدود لها، ويدق المسمار الأخير في نعش الجماعات المتأسلمة وأربابهم الداعمين في إيران، معلناً بكل وضوح استحالة التفاهم مع الملالي مصدّري الثورة، والحرب على التلوّن والنفاق الذي تمثله جماعة الإخوان، أو الإخونج كما سمّاهم.
إن تحديد مكامن الخطر كان الشيء الذي ينقص السعودية خلال السنوات الخداعات التي مرت بها، وهو ما تحقق اليوم بوضوح، والمرجو أن تســتمر هذه «الصحوة» الحقيقية إلى أن يتعافى المجتمع تماماً من مخدر الصحوة المزيفة، مع مراعاة الأعراض الانسحابية التي قد تعتري جهود السير في الاتجاه الصحيح، من خلال الاستفادة من درس منتصف التسعينيات من القرن الميلادي الماضي، عندما أعلنت القطيعة بين طول بال الدولة وإرجاف التنظيمات المتأسلمة، وقضت حينها على أشكال التحريض، لكنها أغفلت بحسن نية تجفيف منابع التشكيك والضرب من تحت الحزام، التي عملت على زعزعة البناء والثقة، سواء في التعليم أم وسائل الإعلام.

فيصل العساف- كاتب سعودي
عن صحيفة "الحياة"

اقرأ المزيد...

الوسوم: