فرقة بلدنا في عيدها الأربعين: حملت راية فلسطين وزرعت الورد فوق الأسلاك الشائكة

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
3550
عدد القراءات

2017-11-29

"تلوّى يا شعر الحيّة على ديّي. حبك يا وطن سيفي اللي بإيديّي. تلوّى يا سجن واغزل للدم قيود. وارفع قضبانك ملّي هالدنيا جنود. مين قلّك إنه ما في للأشجار زنود. زيتونة قتلت خاين بالشبرية".

لم تنفكّ فرقة "بلدنا"، الفلسطينية التي نشأت في الأردن، تتغنّى بهذه الأغنية منذ أربعين عاماً مضت على تأسيس ظاهرة فنية لافتة جمعت بين كلا الشقين: الثقافي والسياسي، فكان بطلها الأكثر شهرة على مدار أعوامها: المغني والملحن كمال خليل.
لم يكن درب الفرقة مزروعاً بالورود؛ بل نال أفرادها من الاعتقالات والمضايقات ما نالوا، ما أفضى إلى حالة ثورية لديهم حيال كل ما يُصنّف استبداداً: سواءً من المحتل أو السلطات التي تمارس التضييق.
ما تزال فرقة "بلدنا" تقدّم وجبتها الغنائية عبر منابر عدة، لعلّ آخرها "بيت بلدنا" الذي افتُتح قبل بضعة أعوام في جبل اللويبدة بالعاصمة الأردنية، والذي يحتضن حالياً متعلقات الفرقة وأعضائها وإرثها.
وُضعت الفرقة على المحكّ مراراً، وانتصرت، مبرهنة على قوة إرادتها، وإن كان السؤال الذي لا ينفكّ يتردّد: هل مضى زمن الفرقة الذهبي؟ وهل ما تزال الأغنيات الثورية مطلوبة حتى اللحظة؟
في العام 1977 كانت الانطلاقة، حين أسّس الكاتب والفنان وضّاح زقطان الفرقة، التي ضمّت في حينها عشرين طفلاً وثلاثة عازفين، لينتهي عددها حالياً بستة فحسب.
 

رابطة الكُتاب الأردنيين الداعم الأكبر
كانت رابطة الكُتاب الأردنيين الداعم الأكبر، فجرى تقديم الآلات الموسيقية وتأمين مكتبة خاصة بـ "بلدنا"، إلا أنّ هذا كله قد تلاشى لاحقاً؛ لما وَسَمَ أغنيات الفرقة من طابع سياسي، ولما أحدثته من ردود فعل غاضبة لدى السلطات الأمنية الأردنية.
مخيمات عدة احتضنت حفلات "بلدنا"، منها؛ مخيم الحسين والبقعة والوحدات، بالإضافة لمدارس وكالة غوث اللاجئين، ليأتي العام 1981 بحادثة مفصلية، حين أخذت الفرقة ركناً لها في مهرجان جرش، ما أفضى لاعتقال أعضائها ومصادرة جوازات سفرهم مدة تسعة أعوام. كان ذلك في العام 1982، رغم أنّ تلك النصوص المغناة كانت مجازة من قِبل دائرة المطبوعات والنشر.

أخذت الفرقة ركناً لها في مهرجان جرش، ما أفضى لاعتقال أعضائها ومصادرة جوازات سفرهم مدة تسعة أعوام

لم تتوقف سلسلة الاعتقالات عند ذلك الحد؛ إذ استمرت تباعاً، حتى انتهى الأمر باعتقال كمال خليل في العام 1988 لمدة عامين؛ بتهمة انتمائه لأحد الأحزاب المحظورة في الأردن، وهو ما لا ينفكّ ينكره حتى اللحظة.
ما سبق كله، لم يسهم إلا في زيادة جماهيرية الفرقة، حتى حلّ العام 1990، الذي يراه كثيرون بداية العصر الديموقراطي، لتتوقف حملات الاعتقال حيال أعضاء الفرقة، إلا أنّ خليل بقي مضطراً لمراجعة بعض الدوائر الرسمية بين الحين والآخر، وتحديداً في أعقاب كل سفر له.
وكان خليل قد تخرّج من قسم الموسيقى في جامعة اليرموك في العام 1993؛ نظراً لتجربة اعتقاله التي تخلّلت أعوام الدراسة، ما أدّى لطولها، بيد أنّه أخرج أغنيات خالدة منها "يا راية شعبي" و"في ناس زي الشجر" و"نشيد الانتفاضة" و"هلّي بزغرودة" و"جدّلي يا أم الجدايل" و"علّمونا" و"مجدك لكل الناس" وغيرها كثر فاقت المئة أغنية، من الموروثين؛ النضالي والشعبي، ما نأى بالفرقة عن الطابع الذي وَسَمَ كثيراً من الفرق الفلسطينية وهو الابتعاد عن الطرح السياسي، مستعيضين عنه بالغناء الشعبي الذي لا يثير جدليات في الغالب.
الحفلات باتت قليلة منذ مطلع عقد التسعينيات، محلياً، غير أنّها ازدهرت في دول أخرى؛ فكانت أمريكا والبرازيل وألمانيا وكولومبيا والعراق ولبنان والقاهرة.

 

كمال ممنوع من العمل لأسباب أمنية
الملاحقات السابقة كلها أثّرت على حياة خليل الشخصية؛ إذ مُنِع من مزاولة العمل، ما دفع به لورشات البناء، بيْد أنّ الأبناء الذين تخرجوا من الجامعات، والذين باتوا هم أعضاء الفرقة حالياً، أمّنوا دخلاً جيداً للعائلة، كما يقول لـ "حفريات".
"لكل ظاهرة زمانها الذهبي"، يُصرّح خليل، مكملاً "لم يتغير شيء في الواقع السياسي، لكن لربما تغيرت لغة الخطاب. الآن كل شيء متداخل. العدو مبهم في ذهن المعظم. تم تحويله من خلال المؤامرة، على الرغم من كونه واضحاً وهو المحتل الإسرائيلي في المقام الأول".
لا تظهر نبرة الندم البتة في حديث خليل؛ إذ ما يزال مخلصاً لفكرة فلسطين التي يراها أكبر من حدود مرسومة؛ بل قضية تعمل كما المؤشر لدى الفرد لترمز لدرجة إنسانيته ومعيار العدالة لديه، بحسب قوله.
لا يغني خليل للشخصيات السياسية؛ بل يرى أنّ فلسطين أكبر من أي اسم، لكنه في الوقت ذاته تغنّى بأسماء صمدت في وجه القمع والسجّان، منها؛ أحمد المجالي، ابن الكرك الذي استشهد في لبنان، وأحمد المحسيري الذي بقي يتغنى بكلمات الشيخ إمام فيما هو يخضع للتعذيب.

كمال خليل: لا أقول أبداً زمان الفرقة ولّى. فهي حاضرة برغم كل ما زُرِع في دربها من عقبات

لا يقف خليل في وجه من يتغنى بأغنيات فرقته؛ ويرى أنّ في هذا ما يضاهي التكريم؛ إذ ستصل هذه الكلمات لعدد أكبر من الناس، لا سيما أنّ النتاج الفني لفرقته لم يتجاوز ألبومين هما "نشيد الانتفاضة" في العام 1989 و"على جذع زيتونة" في العام 1990؛ نظراً لكون التكلفة المادية لإنتاج مزيد من الألبومات تفوق طاقة الفرقة.
يقول خليل "ظروف الحياة تغيرت. الناس تتدافع على لقمة الخبز. ليس كل من يدعم الفرقة قادراً على الاستمرار في دعمها"، مضيفاً "ما عاد بالإمكان تقديم أغنيتي بالعود فقط؛ لأني أنافس بالشكل كما المضمون. أحتاج عازفين. العملية مكلفة وليس لدى الكل الاستعداد. لذا حضوري على المسرح لا يتجاوز مرة كل عام".
يستدرك "لكنّ ثمة شخصاً لم يتوقف عن دعم الفرقة، هو الأديب إبراهيم نصر الله. سأغني في شهر آذار أغنية جديدة من كلماته تحمل عنوان (قصيدتهم)".

الدعم الموصول من إبراهيم نصر الله
ليس بالإمكان الإتيان على  ذِكر "بلدنا" من دون المرور على اسم إبراهيم نصر الله في مسيرة الفرقة.
لا يسعك، حين ترصد ظاهرة نصر الله، المولود في عمّان في العام 1954، سوى استحضار مقولة الكاتب الأمريكي نابليون هيل "لا يتأتّى لكَ النضج والتمكّن، ما لم تخض معاناة وجهوداً مستمرة".
ولعلّ هذا ما يدفع نصر الله ليس لقصر جهوده على ما يقدمه هو شخصياً للقضية الفلسطينية من أعمال أدبية؛ بل ما يهديه لفرقة بلدنا على وجه التحديد، منذ انطلاقها حتى اللحظة من كلمات.
من يعرف نصر الله سيفهم هذا جيداً؛ فهوَ لا ينخرط في الوسط الثقافي بشكل ملحوظ، ولا يهدر وقتاً طويلاً في الفعاليات الاجتماعية، ولا حتى يخوض جدالات وحوارات طويلة. يتخذّ ركناً قصياً يعكف فيه على عمل أدبي بات يقدّمه كل عام ونيّف، كما اعتاد جمهوره الذي يهرع لحفلات توقيع رواياته أنّى كانت، كما أنّه واحد من الأدباء الذين جرّبوا ويلات الملاحقة وكان عُرضة للمحاكمة، كما حدث بعد إصداره ديوان "نعمان يستردّ لونه"، ما يجعل إحساسه عالياً حيال تجربة تتقاطع مع تجربته مثلما حدث مع فرقة "بلدنا".
يقول خليل "هي عِشرة عُمر مع نصر الله. نفهمه ويفهمنا ونتقاسم التجربة. لذا، فإننا لا نتوقف عن الغناء له ولا هو يتوقف عن دعمنا".
يصمت خليل قليلاً قبل أن يقول "لربما تنتهي الفرقة بموتي. من يعرف؟ لكن ما أجزم به هو أنّنا أسّسنا لظاهرة فنية على مستوى مشهود له، برغم الصعوبات كلها"، مكملاً "حتى أبنائي شقّوا طريقهم البعيد عن الفرقة في مرات. أتفهّم هذا جيداً، لكن لا أقول أبداً إنّ زمان الفرقة قد ولّى. بل ما تزال حاضرة في عيدها الأربعين برغم كل ما زُرِع في دربها من عقبات".

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: