كيف تجلت رسالة السماء في عيون أهل الأرض؟

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
1308
عدد القراءات

2018-03-06

حين نزلت رسالة السماء إلى الأرض، هدفت إلى هداية الإنسان في معترك الحياة والوجود، وتحقيق القوة الروحية في الإنسان لمواجهة الألم والمرض والموت والفقر والحاجة، حاولت رسالة السماء أن تجيب له عن كلّ الأسئلة الشائكة: ما حقيقة الموت؟ وما المصير؟ وما الهدف من الحياة والوجود؟ ولِمَ يتحمّل كلّ هذا الألم في الحياة؟ أسئلة كثيرة لا تنتهي، تكشف حقيقة حيرة العقل البشري في مواجهة أزمة الفهم في اكتشاف حقيقة الوجود.

إنّ رسالة السماء إلى الأرض هي رسالة الخالق للمخلوق؛ ليكشف له ملامح الطريق متى تعثّر في تيه الظلام، ويحدد له ملامح الأخلاق الكلية العامة التي ينبغي أن تسود بين بني البشر على هذه الأرض، قيم الحق والخير والجمال، قيم العدل والحرية والإخاء، قيم المحبة والعطاء والإحسان، تلك القيم التي تسعى إلى كسر شوكة الشر داخل الإنسان، لقد ابتغت رسالة السماء إلى الأرض أهمية إعمار الحياة ونماء الوجود، لكن كيف تجلت رسالة السماء في عيون أهل الأرض؟ هل ظلّت رسالة السماء مصدر الخير للبشرية كما هدفت، أم إنّ الإنسان انحرف بهذه الرسالة عن مسارها الحقيقي إلى مسار التنازع والصراع، والعنف والدماء؟

ابتغت رسالة السماء إلى الأرض أهمية إعمار الحياة ونماء الوجود لكن كيف تجلت الرسالة في عيون أهل الأرض؟

إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة قد تتضح جلية من خلال مسار الأديان في علومها الثقافية والدينية، ومسار الرسالة السماوية في حركة التاريخ والواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ومسار الرسالة في فهم البشر لها بواسطة علماء كل ديانة وكل طائفة.

إنّنا إذا نظرنا إلى طبيعة حضور الرسالة السماوية في علم اللاهوت (علم الكلام)، فإنّ البشر عبر علماء اللاهوت قد اختلفوا حول منطوق الرسالة السماوية، ومنطوق فهم عباراتها وأهدافها، لذا فقد تصارع البشر حول ملكية الفهم الحقيقي لقضايا الألوهية والنبوة والقضاء والقدر ومعنى الإيمان، وجلّ القضايا اللاهوتية، فانقسم اليهود في فهم الرسالة بين القرّائين والربانيين، واختلفوا حول فهم حقيقة اليهودية، وانقسم المسيحيون إلى الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت، واختلفوا حول فهم عقائد المسيحية، واختلف المسلمون حول الإسلام بين أهل سنة وشيعة وخوارج ومعتزلة، وتصارعت الفرق الإسلامية حول ملكية الفهم الحق للإسلام، وقد سالت دماء كثيرة بين بعض الفرق وأخرى، وقد جسّد علم اللاهوت مدى الصراع داخل كلّ دين حول فهم حقيقة الدين الواحد بين الفرق المختلفة، كما جسّد علم اللاهوت صورة كل دين في عيون الآخر، وكيف نظر كلّ دين للآخر نظرة استعلاء ورفض وعدم قبول له، ومن ثم سارت رسالة السماء في عيون أهل الأرض، عبر علم اللاهوت، إلى انقسام واضح بين أهل الدين الواحد في الاختلاف المذهبي، الذي رسّخ للإقصاء والتكفير المتبادل، وكذا رسّخ علم اللاهوت لتشويه الأديان بعضها للآخر، بما أسّس للصراع والكراهية بين أهل الدين الواحد، وبين بعض الأديان وأخرى، إنّ علم اللاهوت في الأديان بقدر ما جسّد طبيعة الاختلاف في الفهم البشري لأصول كلّ ديانة، بقدر ما جسّد للتنازع والتناحر حول ملكية حقيقة الدين، وحقيقة الإيمان، وذلك لأنّ علم اللاهوت قد رسّخ لخصخصة الدين بين أهل الدين، وبدلاً من أن تصير رسالة السماء إلى الأرض رسالة هداية ووحدة وتعايش، أصبحت رسالة اختلاف وانقسام وتناحر وإقصاء عبر علماء اللاهوت؛ لأنّهم لم يكتفوا بعرض عقائدهم التي اختلفوا عليها وحولها، لكنّهم رسّخوا لجذور الصراع والكراهية بين أصحاب الدين الواحد، وبين بعض الأديان وأخرى.

جسّد علم اللاهوت مدى الصراع داخل كلّ دين حول فهم حقيقة الدين الواحد بين الفرق المختلفة

وفي فضاء الفقه، وجدنا سعياً حثيثاً لرجال الدين (الفقهاء) إلى توسيع سلطتهم الروحية على رقاب الناس عبر توسيع دائرة التحريم والتأثيم، وتوسيع سلطتهم على حركة الجسد أيضاً، بما يجعل الدين أداة للمراقبة والضبط الاجتماعي، وفي ظلّ علاقة وشيجة بين رجال الدين والسلطة السياسية، نجد أنّ حركة الفتوى تتغير وفقاً لمسار تغير حركة السلطة السياسية، فقد كانت هناك فتاوى تحرّم حقّ المرأة في الانتخابات، وفتوى تحرّم قيادة المرأة للسيارة، وفتاوى تحرّم وتجرّم الفلسفة والسينما. ولمّا تغيّر الموقف السياسي ظهرت فتاوى جديدة تبيح كلّ ما سبق تحريمه، لقد سعى الفقه عبر رجاله إلى أن يوسّع دائرة سيطرة الدّيني على المجال العام لحركة المجتمع، وتوسيع دائرة سيطرة الروحي على الحركة الحرة للزمني والاجتماعي، وذلك من أجل توسيع سلطتهم على رقاب الناس، وبدلاً من أن تتحوّل رسالة السماء للأرض إلى قوة دافعة لحركة البشر في التقدم والنهضة، أصبحت على يد الفقهاء قوة تقييد وجمود، وسعي نحو تقييد الحركة الحرة لتقدم الاجتماع البشري.

وفي التصوّف، كشفت لنا التجربة الصوفية أنّها واحدة في كلّ الأديان البشرية والإبراهيمية على السواء، وأصبح الدين في التصوف مُركّزاً بالأساس على المجال الشخصي والتجربة الدينية كتجربة ذاتية، يسعى الشخص من خلالها إلى السير والسلوك في سبيل الله، فالله، في التصوّف، هو مصدر الحقيقة، ومحلّ صفات الجلال والكمال، وعلى الإنسان أن يسعى إلى الاتصال بالذات الإلهية عبر تصفية النفس من الذنوب، وتحلية اللسان والقلب بذكر الله، ولقد اتّسمت التجربة الصوفية بالانفتاح على كافة الثقافات والأديان، فكان للبوذية والمسيحية تأثير فيها، وكانت للثقافة اليونانية تأثير آخر فيها، لذا سعت التجربة الصوفية إلى إرساء دعائم المحبة بين البشر، والنظر إلى الله على أنّه محبة، كما رسّخت التجربة الصوفية للتسامح بين الأديان، فنظرت إلى الأديان على أنّها مجرد طرائق إلى معرفة الخالق، وليست الحقيقية ملكية أو حكر على طريقة دين بعينه في التعبد أو الإيمان، وما الطرق والمذاهب الصوفية إلّا طرائق للوصول إلى الله أيضاً.

سارت رسالة السماء في عيون أهل الأرض، عبر علم اللاهوت، إلى انقسام واضح بين أهل الدين الواحد 

إنّ رسالة السماء في عيون أهل الأرض قد سارت في مسارات متعددة؛ منها ما كان يقصي الآخر ويرفضه، ومنها ما كان يقبل التعايش مع الآخرين، فعلى يد علماء اللاهوت تمّ تجسيد الاختلاف والتصارع بين أهل الدين الواحد، وبين الأديان، على ملكية صورة الإله الصحيحة، وملكية حقيقة الإيمان، كما أنّ الفقه قد وسّع دائرة التحريم والتأثيم في حياة البشر، واستُخدم معولاً في يد السياسة كي تستطيع السياسة ضبط ومراقبة حركة المجتمع، وهو ما جعل الفقه يسعى إلى سجن حركة المجتمع في دائرة النصّ، بما يعني توسيع مجال الديني من الشخصي إلى الاجتماعي، في المقابل؛ كان التصوف ينظر إلى الله على أنّه محلّ الجلال والكمال، وأنّه محلّ الحقيقة، لذا كان هناك سعي دائم للوصول إليه، باعتباره سبيلاً للمحبة والخير، لذا كان التصوّف نبعاً للتسامح والتعايش.

اقرأ المزيد...

الوسوم: